من المكلف بالأمر والنهي
اعلموا أن المقتضي من المكلف بالأمر والنهي أحد أمرين لا ثالث لهما:
أحدهما: الإقدام على الكسب أو الاجتناب والترك له فقط، ولا واسطة بين هذين يتناوله الأمر والنهي.
والجمهور من المتكلمين متفقون على أن تحت الأمر باجتناب الفعل والنهي عن الدخول فيه أمرًا بترك له وفعل ضد ينفيه، وبذلك تقع المطالبة،
[ ١ / ٢٥٨ ]
وزعم نوابت القدرية أنه قد يكون تحت الأمر باجتناب الفعل أمر بفعل ترك ضد له يدخل المكلف فيه فيكون مطيعًا ويكون تحت الأمر باجتناب الفعل أن لا يفعل المكلف الفعل فقط، ويعرى منه من غير أن يفعل له تركًا وضدًا نافيًا.
وهذا باطل، لأن المطالبة باجتناب الفعل لا بد أن تكون مطالبة بأمر يتعلق بالعبد، ويكون به وعدم الفعل، وأن لا يكون من المكلف، وبقاؤه على عدمه ليس بمقدور للعبد، ولا أمر يكون به ويفعله، لأن عدم المعدوم باتفاق لا يتعلق بفاعل ومعدم/ ص ٣٨، وقد أوضحنا ذلك بغير طريق ووجه، قد بيناه في كتب أصول الديانات، وبطل ما قالوه.
ولأنه لو كان من طولب بفعل وأوجب عليه إذا لم يفعله مع استحقاقه وتعينه وتضيق وقته فلم يفعل تركًا له لوجب أن يكون معاقبًا ومذمومًا لا على شيء وأن يكون غير عاص ولا فاعل للقبيح، وهذا خروج عن الإجماع وقد بينا بطلان ركوبهم لهذا في الكلام في استحقاق الذم، وامتناع خلو العبد من الفعل والترك، فبطل ما قالوه.
فإن قالوا: أفليس المباح داخلًا تحت التكليف؟ وليس هو مطلوبًا بالإباحة ولا بتركه؟
[ ١ / ٢٥٩ ]
قيل لهم: هذا باطل من وجهين:
أحدهما: أن المباح ليس بداخل تحت التكليف لما نبينه من بعد.
والوجه الآخر: أن الإباحة إطلاق وإذن، والله تعالى لا يأذن إلا في شيء، ولا يطلق الأشياء فسقط ما ظنوه.
فإن قالوا: كيف يسوغ لكم القول بأن الأمر لا بد أن يتعلق بفعل للمكلف أو اجتناب له هو فعل ضده، وقد يؤمر والمفتي والحاكم بفعل يكون من الغير ويتعلق به لا بالمكلف؟
يقال لهم: هذا باطل، لأن التعليم والحكم والفتيا فعل المعلم والحاكم والمفتي، وإنما أمر بالإقدام على ذلك ليقع من الغير تعلم والتزام حكم وفتيا لا يجبان عليه إلا عند فعل الحاكم والمفتي للقول الذي هو الحكم والفتيا، فبطل ما توهموه.
فإن قيل: ولم أنكرتم أن يكون المأمور بالفعل والمنهي عنه مأمورًا بأن يخلق ويبدع الأعيان ومنهيًا عن الخلق والاختراع؟
قيل له: من أجل إجماع الأمة على أنه لا خالق إلا الله، ولأجل قوله سبحانه: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ وقد عبدت الملائكة من دونه، ولقوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾
[ ١ / ٢٦٠ ]
والقائل بأن غير الله يخلق خارج عن إجماع الأمة، ومخالف لنصوص كتاب الله تعالى، وقد تقصينا إفساد قول القدرية هذا في كتب أصول الديانات بما يغني الناظر فيه/ ص ٩.
[ ١ / ٢٦١ ]
باب