وجميع علوم الاضطرار تقع للخلق من ست طرق لا سابع لها.
فمنها العلوم الخاصلة بالمعلومات عن درك الحواس، وهي حاسة الرؤية وحاسة السمع وحاسة الشم وحاسة الذوق وحاسة اللمس، وكل علم حصل عند إدراك حاسة من هذه الحواس فهو علم ضرورة لا ريب فيه. ولابد من حصول العلم بالمدركات لكل عاقل سليم من الآفات، لأن العلم بذلك من كمال العقل، نعني بذلك أنه لابد من كون العاقل عالما بما يدركه وإن كان
[ ١ / ١٨٨ ]
يعلم ذلك من ليس بكامل العقل على ما نبينه من بعد في الإخبار عن ماهية العقل.
والإدراك جنس يوجد بجزء واحد من الحاسة. فالمدرك من الحي ما قام به الإدراك من جملته، والإدراك صفته، واللمس والذوق والشم مماسات يوجد الإدراك ببعض الحواس عندها، وهو جنس يخالفها. والمدركات شيء غيرها، وقد تكون أجساما وتكون أعراضا، وإدراك كل شيء غير الإدراك لغيره وخلافه سواء كان غيره مثله أو ضده وخلافه، أو خلافه وليس بضده، لذلك يدرك الشيء من لا يدرك مثله ولا ضده ولا خلافه، وهو في هذا الباب جار مجرى العلوم التي يجب اختلافها متى تغايرت معلوماتها، والمختلف من جميع العلوم والإدراكات غير متضاد، وليس من الإدراكات عند أهل الحق ما يحتاج إلى بنية مخصوصة وبله. وإنما لا يوجد النوم بكل حاسة من هذه الحواس إلا إدراك جنس أو أجناس مخصوصة، لإجراء الله العادة بذلك. ولوخلق إدراك جميع المدركات في حاسة واحدة في وقت واحد لكان ذلك صحيحا جائزا ⦗٩⦘ ولو بعث نبيا يخرق هذه العادات لكان ذلك عاما من أعلامه. والحواس على التحقيق أربعة، وهي: حاسة الرؤية وحاسة السمع وحاسة الشم وحاسة الذوق. وجميع جوارح الإنسان الحية حاسة اللمس، لأنه يدرك بها بها الحرارة والبرودة والصلابة والرخاوة واللين والخشونة، وليس إدراك ذلك حاسة مخصوصة، وإنما خصت اليد بالوصف بأنها حاسة
[ ١ / ١٨٩ ]
اللمس، لأن اللمس إنما يقع غالبا دون غيرها من الجوارح وإن كانت موضعا للإدراك، وجميع المدركات لنا إنما هي الأجسام والألوان والأكوان على اختلافها، والكلام والأصوات على اختلافها، والروائح والطعوم على اختلافها، والحرارة والبرودة والصلابة والرخاوة واللين والخشونة والاعتماد. هذه جملة أجناس المدركات. وقد شرحنا هذه الجمل في الكلام في أصول الديانات بما فيه كفاية لمتأمله إن شاء الله.
وإنما وجب القضاء على أن العلم بجميع الدركات ضروري للزومه- مع اختلافه- للنفس على وجه لا يمكن دفعه عنها، على حد ما بيناه من قبل.
فصل
وأما الطريق السادس من طرق الضرورات فهو العلم المبتدأ في النفس من غير درك حاسة من هذه الحواس، وذلك نحو علم العالم بنفسه وما يجده فيها من الصحة والسقم واللذة والألم والميل والنفور والإرادة والأغراض والقوة والضعف، وغير ذلك مما يعلمه الحي إذا وجد به.
ونحو العلم باستحالة اجتماع الضدين، وكون الجسم في مكانين معا، وأن المعلوم لا ينفك من عدم أو وجود، ونعني بذلك أنه لا ينفك من أن
[ ١ / ١٩٠ ]
يكون شيئًا موجودًا أو ما ليس بشيء. وأن الموجود لا ينفك من أن يكون وجوده عن أول أو لا عن أول، وأن كل موجودين فلابد من أن يكونا مثلين أو مختلفين، وأن الاثنين أكثر من الواحد، وأن الأجسام متى كانت موجودة فلابد من أن تكون مجتمعة أو متفرقة. وأن الخبرين المتضاد مخبرهما لابد أن يكون أحدهما صدقا والآخر كذبا، والعلم بأن تصرف من نراه من العباد مقدور ومراد له على صفة تصرفنا ⦗١٠⦘ المقدور لنا.
ونحو حصول العلم بما جرت العادة بحصوله لا محالة، من نحو العلم بحصول الشبع والري والإسكان عند تناول الطعام والشراب، وحصول الاحتراق عند مجاورة النار، والألم عند الضرب، وأن ما يرى ويوجد من الدور والقصور، وضروب الأشكال والصور من المصنوعات لا يحصل مخترعا في وقتنا والعادة بحالها إلا عند ممارسة العبادة له وحركاتهم واعتماداتهم، ونحو العلوم الحاصلة لهم بامتناع ما جرت العادة بامتناعه من إحياء الأموات وقلب الجماد حيوانا ودجلة ذهبا وشيب الغراب وابيضاض القار، وأمثال ذلك من علوم العادات، ونحو العلم بشجاعة الشجاع وجبن الجبان وبر البار وعقوق العاق والتحية والاستهزاء وإلطاط الملط وإلحاح الملح وخجل الخجل ووجل الوجل، وقصد القاصد إلى من يقصده ويخاطبه، وما يريده أحيانا بكلامه، وإرادة المعرض في كلامه، والرامز المشين بجوارحه.
والعلم بما تواترت عنه الأخبار من دعوة الرسل وشرائعهم
[ ١ / ١٩١ ]