تحت التكليف والاختلاف فيه/ ص ٣٥
اعلموا أن المكره لا يكون مكرها إلا على كسبه وما هو قادر عليه، نحو المكره على الطلاق والبيع وكلمة الكفر، وكل ذلك إذا وقع كسب له، وواقع مع علمه به وقصده إليه بعينه فيصح لذلك تكليفه، كتكليف ما لا إكراه عليه فيه.
[ ١ / ٢٥٠ ]
وقد زعمت القدرية أنه لا يصح دخوله تحت التكليف، لأنه لا يصح منه غير ما أكره عليه.
وهذا باطل من وجهين:
أحدهما: أنه قد يصح خلاف ذلك لأنه عندهم قادر على ما أكره وعلى ضده وتركه، فلو شاء فعل ضده، والانصراف عنه، ولتحمل الضرر وكف عنه، فسقط ما قالوه.
والوجه الآخر: أنه ليس كل من لا يصح منه الانصراف عن الفعل يمتنع تكليفه، لأن القادر عندنا على الفعل من الخلق لا يصح منه الانصراف عن الفعل في حال قدرته عليه لوجوب وجودها مع الفعل، وإن كان ذلك يصح منه بمعنى صحة بقائه على الحال التي كان عليها قبل وجود قدرته على الفعل، وأنه كان يصح كونه قادرًا على ضده بدلًا منه، فإنه تكليف صحيح.
ولأن أكثر أهل الحق يجيزون تكليف من لا يصح منه الفعل ولا تركه من الأحياء العقلاء، وإن لم يرد بذلك شرع، فبطل ما قالوه.
وزعم كثير من الفقهاء أن المعنى المزيل لدخول فعل المكره تحت
[ ١ / ٢٥١ ]
التكليف أنه واقع من فاعله بغير إرادة وقصد، فصار بمنزلة فعل النائم والمغلوب اللذين لا قصد لهما، وهذا - أيضًا - باطل باتفاق المتكلمين، لأن مطلق زوجته، وقاتل غيره عند الإكراه عالم بما يفعله وقاصد إليه دون غيره.
فإن قيل: فما الفرق بينه وبين المختار الذي لا إكراه عليه؟
قيل له: الفرق بينهما أن المختار مطلق الدواعي والإرادات والمكره مقصور الدواعي والإرادة على فعل ما أكره عليه، لا يختار غيره.
فإن قيل: ولم صارت هذه حاله؟
قيل: لما يخافه من عظيم الضرر، وهو يدفع أعظم الضررين بأدونهما، ودواعيه مقصورة عليه لأجل ذلك.
فإن قيل: فهل بين الإلجاء والإكراه فرق؟
قيل له: لا فرق بينهما من جهة اللغة.
وقد زعم قوم أن الإلجاء هو: "ما خيف معه القتل"، والإكراه: "ما يكون معه الخوف فيما دون النفس".
وقال أيضًا بعض القدرية: الإلجاء ما لا يكون معه إلا داع واحد
[ ١ / ٢٥٢ ]
إلى فعل/ ص ٣٦ واحد والإكراه ما يصح أن يكون معه دواع إلى الفعل وإلى خلافه وضده.
وأهل اللغة لا يفصلون بين الإلجاء والإكراه والقهر والجبر والاضطهاد والحمل، كل ذلك عندهم بمعنى واحد، فلا وجه للافتيات عليهم في الأسماء.
فأما المعنى فما ينكر أحد أن يكون منه ما هو خوف تلف النفس وتخويف بذلك، ومنه ما يكون خوفًا على ما دون النفس، ومنه ما يكون معه داع واحد، ومنه ما يكون معه دواع مختلفة ومتفاوتة ومترجحة، ولا طائل في هذا الخلاف.
فصل
ويدل على جواز دخول فعل المكره تحت التكليف تكليف الله تعالى ترك قتل البريء مع الإلجاء، وأمره لنا بالكف عن ذلك، وكذلك فقد كان يجوز أن يكلفنا ترك كل فعل يكره على إيقاعه، فبطل ما قالوه.
[ ١ / ٢٥٣ ]
فصل
فإن قيل: فهل للإكراه الذي يزول معه فرض ترك الفعل حد؟
قيل له: حده " ما أباح الشرع إيقاع الفعل عنده خوفًا من حصول كل ضرر يخوَّف به الإنسان من تلف النفس وما دونه إلا أن يكون يسيرًا يحتمل مثله"، وذلك موقوف على الاجتهاد وعلى ما يرد به السمع من ذلك، وقد كان يجوز ورود التعبد بترك كل فعل يخوف المكلف بضرر عليه، قل الضرر أم كثر، وأن يلزم إيقاعه، وإن خوفنا بالقتل وعلمنا نزول القتل بفاعله يقينًا، كل ذلك مجوز في العقل، فسبيله إيقافه على السمع.
وقد زعمت القدرية أنه إنما يصح أن يباح ويطلق من القبائح عند الإكراه ما كان يصح إطلاقه وإباحته من غير الإكراه، فأما ما لا يصح
[ ١ / ٢٥٤ ]
الابتداء بإباحته فإن الإكراه لا يجوز أن يبيحه.
وهذا باطل، لأن جميع القبائح إنما تكون قبيحة بالسمع، ولو لم يقبحها السمع لم تقبح، وقد كان يجوز إباحة جميعها على معنى أنه لا ينهى العاقل عن شيء منها، ولا يتوعد بعقاب على فعله، فأما جواز الأمر بها فصحيح - أيضًا - إلا الكفر بالله تعالى، فإنه محال لعلل قد ذكرناها في أصول الديانات، ولعلنا أن نذكر منها طرفًا من بعد.
وإنما الكفر الذي يستحيل الأمر به هو اعتقاد الجهل بالله والإشراك به، دون إطلاق القول بذلك الذي أطلقه الشرع لمن يحسن المعاريض ولمن لا يحسنها، ولعلنا أن نذكر منها طرفًا من بعد.
[ ١ / ٢٥٥ ]