وقصد الفقهاء بوصف المكلف بأنه مكلف
اعلموا أن الأصل في التكليف أنه إلزام ما على العبد فيه كلف ومشقة، إما في فعله أو تركه، من قولهم: كلفتك عظيمًا، وتكلف زيد أمرًا شاقًا، وأمثال ذلك.
والفقهاء يستعملون ذلك على ثلاثة معان.
فوجه منها، ما قلناه وهو "المطالبة بالفعل أو الاجتناب له"، وذلك لازم في الفرائض العامة نحو التوحيد والنبوة والصلوات، وما جرى مجرى ذلك، فكل عاقل بالغ مطالب بذلك مكلف له، لا يسقط عنه فعل ذلك بفعل غيره لمثله، وقد يسقط عنهم بعض ما كلفوا إيقاعه إذا فعل غيرهم مثله، نحو غسل الميت والصلاة عليه والجهاد، وما جرى مجرى ذلك من اختلاف فرائضهم في أمور لا يعم فرضها.
[ ١ / ٢٣٩ ]
والوجه الثاني، أن يقولوا: "إن العبد مكلف ومخاطب" على تأويل أن عليه فيما سها ونام عنه ولم يقع منه في حال السكر والغلبة فرض يلزمه، وعلى تأويل أن طلاقه نافذ واقع وحده واجب، وضمان جنايته لازم وأمثال ذلك، وإنما يخاطب بذلك قبل زوال عقله وتعمده، فيقال له: إذا نسيت صلاة أو نمت عنها في وقت لو كنت ذاكرًا فيه ويقظانًا لزمتك/ ص ٣٠ فقد وجب عليك قضاؤها وفعل مثلها، كما يقال للحائض إذا طهرت ليس عليك قضاء الصلاة التي لم تخاطبي بها بسبب عرض فأزال تكليفها عنك.
والوجه الثالث، أن يقولوا: إن الطفل مخاطب ومكلف، وكذلك العبد والمريض، يعنون بذلك أنهم إذا فعلوا ما لا يجب عليهم فعله ناب مناب ما يجب عليهم ووقع موقعه، فلذلك قالوا: إن المريض الذي يجهده الصيام والقيام إلى الصلاة - ولا يجب ذلك عليه - مخاطب بهما إذا فعلهما، يعنون بذلك أنه واقع موقع ما يجب عليه، ويقولون: إن العبد مخاطب بالجمعة إذا حضرها وفعلها، يعنون بذلك أنها نائبة مناب ما يجب عليه وإن لم تكن نم فرضه، وكذلك من يكلف الحج باستطاعة بدنه وإن لم يجد زادًا ولا راحلة مكلف بالحج بمعنى أنه نائب عن فرضه إذا وجد ذلك، وإن لم يكن ما فعله من تكليفه على قول من جعل الاستطاعة الزاد والراحلة، وكذلك قولهم: إن الطفل قد كلف الصلاة إذا فعلها بشروطها قبل البلوغ وفي الوقت، يعنون بذلك أنها نائبة مناب ما يجب عليه، وإن لم تكن من فرضه، فيجب تنزيل مقاصدهم على واجبها ومعرفة أغراضهم بذلك، لأننا قد نستعمل هذا أحيانًا
[ ١ / ٢٤٠ ]
على هذه الوجوه
فصل