بأنه محكم ومتشابه
اعلموا - وفقكم الله_ أن وصف الخطاب بأنه محكم يرجع إلى معنيين:
أحدهما: إنه مفيد لمعناه وكاشف له كشفا يزيل الإشكال ووجوه
[ ١ / ٣٢٨ ]
الاحتمال /ص ٧٥ وهذا المعنى موجود في كلام الله ﷿ وكثير من كلام الخلق
[ ١ / ٣٢٩ ]
فيجب وصف جميعه بأنه محكم على هذا التأويل.
والوجه الآخر: أن يكون معنى وصف الخطاب بأنه محكم أنه محكم النظم والترتيب على وجه يفيد من غير تناقض واختلاف يدخل فيه. فكل كلام هذه سبيله فإنه يوصف بأنه محكم وإن احتمل وجوها والتبس معناه. وما فسد نظمه وتثبج واختل عن وجهه وسننه وصف بالفساد لا بالتشابه.
فأما معنى وصف الخطاب بأنه متشابه فهو محتمل لمعان مختلفة يقع
[ ١ / ٣٣٠ ]
على جميعها ويتناولها على وجه الحقيقة، أو يتناول بعضها حقيقة وبعضها مجازًا، ولا ينبئ ظاهره عما قصد به، وإنما أخذ له هذا الاسم من اشتباه معناه على السامع وفقد علمه بالمراد به، ومنه قوله تعالى: ﴿والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ وهو محتمل لزمن الحيض وزمن الطهر. وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾. وقوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ في أمثال هذا مما يسوغ التنازع والاجتهاد في طلب معناه، وكذلك كل الأسماء المشتركة.
فأما المتشابه فيما يتعلق بأصول الديانات فكثير.
فأما ما يذكره بعض أهل التفسير وأصحاب المعاني في وصف الخطاب بأنه محكم ومتشابه، فإنه غير ثابت.
وقد زعم بعض أهل التفسير أن المحكم من الكتاب ما اتصلت حروفه، وأن المتشابه ما انفصلت حروفه نحو قوله تعالى: الم وطسم، وأمثال ذلك، وهذا ما لا تعرفه أهل اللغة.
وقال بعضهم، المحكم منه ما صح أن يعلم تأويله الراسخون في العلم، كما يصح أن يعلمه الله ﷿، والمتشابه هو الذي ينفرد الله بعلمه دون سائر خلقه. وهذا- أيضًا- بعيد لا يعرفه أهل اللغة.
[ ١ / ٣٣١ ]
وقال آخرون: معنى المحكم منه هو الوعد والوعيد والحلال والحرام، وما أجمل وفصل من الشرائع والأحكام. والمتشابه هو القصص والأمثال والسير. وهذا باطل، لا يعرفه أهل العربية في إفادة معنى المتشابه والمحكم.
فأما قوله تعالى ﴿ومَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إلاَّ اللَّهُ والرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ﴾ فيمكن أن يكون المراد بالواو ههنا/ ص ٧٦ واو العطف والنسق، ويحتمل أن تكون ص ٧٦ استفتاح كلام واستئناف إخبار عما يقوله الراسخون في العلم من الإقرار بخفائه عليهم ورد علمه إلى منزله سبحانه. فإن كان واو استئناف كلام وجب الوقف على قوله تعالى: ﴿ومَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إلاَّ اللَّهُ﴾. وإن كان واو عطف لم يجب الوقف. والأولى عندنا أن تكون واو عطف من حيث لم يجز أن يخاطب الله العرب وغيرها بما لا سبيل لها إلى علمه.
فأما قول من زعم أن المتشابه ما انفصلت حروفه، نحو: كهيعص وأمثاله فباطل، لأن هذا معلوم معناه. وقد قال كثير من الناس: إن معنى هذه الحروف أنها أسماء السور التي هي أوائلها. وإن لم تكن في اللغة اسما لشيء، إذا جمعت على هذه الصورة. وأصح ما قيل في معناها أقاويل:
أحدها: إن هذه الحروف إنما أنزلها الله ﷿ في أوائل السور كناية يذكرها عن سائر حروف المعجم التي لا يخرج جميع التخاطب عنها،
[ ١ / ٣٣٢ ]
وإن اختلفت نظومها، وإنما كرر ذكرها تأكيدًا لإعلام العرب أنه مخاطب لها بلغتها، والعرب تفعل مثل ذلك بقول القائل قرأت "البقرة"، وأنشدت "ألا هبي" ولا تعني قراءة آية ولا إنشاد بيت فقط. وإنما تكني عن ذكر جميع السورة والقصيدة، وعلى هذا جاء قول الشاعر:
يناشدني حا ميم والرمح شاجر فهلا تلا حاميم قبل التقدم
وإنما أراد مناشدته بالقرآن فكنى عنه بذكر حاميم.
وقال آخر:
[ ١ / ٣٣٣ ]
لما رأيت أمرها في حطي وأزمعت في لددي ولطي
أخذت منها بقرون شمط
يعني بحطي أبجد لأن هذه الحروف منها.
وقال قوم: إنه تعالى إنما أنزل هذه الحروف أمام السور ليجمع دواعي العرب على استماعه لأنه مما لم تجر لهم عادة به فينصرفون بذلك عن قطعه واللغو فيه.
وقال آخرون: قد تقدم العرب أمام كلامها حروفًا مقطعة/ فتقول: ص ٧٧ ألا يا زيد أقبل، ألا إني ذاهب، ألا إني قائل. وهذه جملة تكشف عن أن معنى المحكم والمتشابه ما قلناه دون سائر هذه الأقاويل.
[ ١ / ٣٣٤ ]
باب