اعلموا أن معني وصف الفعل بأنه مكروه ينصرف إلي وجهين لا ثالث لهما:
أحدهما، أنه منهي عن فعله نهي فضل وتنزيه، ومأمور علي وجه الندب بأن يفعل غيره الذي هو أولي وأفضل منه، وذلك نحو كراهتنا لترك صلاة الصحي وقيام الليل والنوافل المأمور بفعلها، فيقال للمكلف نكره لك ترك
[ ١ / ٢٩٩ ]
هذه الأمور، والمراد بذلك أن فعلها أفضل من تركها، لأن في فعلها ثوابًا، ولا ثواب في تركها.
والوجه الآخر. وصف المختلف في حكمه بأنه مكروه نحو وصف التوضي / ص ٦٠ بالماء المستعمل بأنه مكروه لموضع الخلاف في جواز التوضي به، ونحو التوضي بسؤر الهر مع القدرة على غيره لأنه أفضل، ونحو أكل لحوم السباع وما يجوز أكله، واتفق علي أن العدول عنه وأكل غيره أولي في أمثال هذا، مما العدول عنه إلي غيره أحوط وأولي وأفضل، وإنما يجب أن يقال في مثل هذا إنه مكروه في حق من رأي أن ذلك لا يجوز ولا يقال أنه مكروه علي الإطلاق، وسيما مع القول بأن كل مجتهد مصيب في فروع الدين، وأن الحق في جميع الأقاويل، وليس من دأب الفقهاء أن يصفوا ما أمرنا به مما ليس غيره أفضل منه ولا ما قطع الدليل علي تحريمه بأنه مكروه، فلذلك لا يجوز أن يقال في شيء من الفرائض والنوافل ولا في المباح المطلق أنه مكروه، ولا يصفون أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وشرب الخمر بأن مكروه لما كان مقطوعًا علي تحريمه.
وقد يقال في الفعل إنه مكروه إذا اختلف في تحليله وتحريمه اختلافًا حاصلًا مع عدم النص القاطع علي أحد الأمرين، بل واقع فيه من جهة الاجتهاد وغلبة الظن. فيقال في مثل هذا إنه مكروه فعله عند من أداه الاجتهاد إلي تحريمه وكان القول بذلك من فرضه، وتجويزه لغيره القول بتحليله إذا كان ذلك من جهد رأيه فيكون ذلك مكروها في حق العالم
[ ١ / ٣٠٠ ]
وفرضه. وغير مكروه في حق غيره إذا اختلف اجتهادهما. لا وجه لقولهم مكروه سوى ما ذكرناه، وقد قال ﷺ في الأمر المشتبه: «حلال بين وحرام بين، وأمور بين ذلك متشابهات لا يعلمها إلا قليل». وقال ﵇ لوابصة: «يا وابصة استفت نفسك وإن أفتاك المفتون» أي خذ بالحزم والحذر وتجنب ما حاك في صدرك وارجع إلى الاجتهاد والنظر، واعدل عن التقليد، وهذا لا يكون إلا خطابًا للعالم، ولم يرد ﵇ بقوله «متشابهات» أنه لا دليل عليها ولكنه أراد غموض الدليل وخفاءه، فلذلك/ ص ٦١ قال: «لا يعلمها إلا قليل» ولو لم يكن عليها دليل لم يعلمها قليل ولا كثير، وكره للمرء الإقدام على ما حاك في صدره وخاف الزلل فيه وظن إصابة دليل قاطع عليه فلم يجب عليه الكف عن ذلك أحيانًا.
[ ١ / ٣٠١ ]
فأما وصف الفعل الواقع بأنه مكروه لله وقوعه واكتساب العبد له، فذلك باطل. لأنه تعالى الخالق لجميع أفعال العباد والمريد لإيجادها، وقد يوصف بأنه كاره للقبائح منها على معنى أنه كاره لكونها دينًا مشروعًا وكاره لوقوعها من الأنبياء والملائكة ﵈، وممن علم أنها لا تقع منه، فأما من علم وقوعها منه على غير ذلك فباطل.
[ ١ / ٣٠٢ ]
باب