الكتب التي استفادت منه لا تدخل تحت حصر، لأن كل من ألف كتابًا في أصول الفقه أو كتب العلوم الشرعية الأخرى، التي لها علاقة بمباحث أصول الفقه على طريقة المتكلمين، لابُد وأن يذكر آراء القاضي الباقلاني، سواء صرح باسم الكتاب الذي استقى منه آراء الباقلاني أو لم يصرح به.
ومن أهم من أفاد من كتاب الباقلاني "التقريب والإرشاد" هذا تلميذ الباقلاني - إمام الحرمين - الذي اختصر كتابه هذا وسماه "تلخيص التقريب" حيث أفاد منه في كتابه "البرهان" فيما يزيد على مائة وخمسين موضعًا. لم يذكر اسم الكتاب الذي بين أيدينا إلا مرتين فقط. وكان في عامتها ينقل رأي الباقلاني دون نسبته لكتاب باسمه، ولكن بتتبع هذه الآراء وجدتها موافقة لما في التقريب والإرشاد إلا نادرًا.
وقد تابع إمام الحرمين في نقل آراء الباقلاني، إما اعتمادًا على كتب الباقلاني مباشرة أو بواسطة كتب إمام الحرمين حجة الإسلام محمد بن محمد الغزالي، وسيف الدين الآمدي، وفخر الدين الرازي. وهؤلاء هم أساطين علم أصول الفقه على طريقة المتكلمين. وكل من جاء بعدهم من الأصوليين الذين صنفوا على طريقة المتكلمين كان عالة عليهم، ن وأفاد من مصنفاتهم، التي لا تخلو من آراء الباقلاني، فنقولها بواسطتهم أو بالاطلاع على كتب الباقلاني مباشرة.
والناظر إلى فهارس ما حقق منها، وزين بفهارس تنبؤ عن أسماء الكتب الواردة فيها، وعن أسماء العلماء الواردة في متن الكتاب يشعر بأهمية القاضي الباقلاني وآرائه الأصولية. وسأذكر نماذج للكتب التي استفادت منها اعتمادًا على فهارس ما حقق منها:
[ ١ / ٩٥ ]
١ - البحر المحيط للزركشي:
ورد النقل عن الباقلاني فيه فيما يزيد على خمس ماية موضع في معظمها عزا النقل للباقلاني فقط، وفي بعضها عزاها للتقريب مقرونة باسم الباقلاني. وورد في بعضها العزو للتقريب بدون اقترانه بالباقلاني، وفي مواضع يسيره معزوًا للتقريب والإرشاد.
٢ - ذكره ابن النجار الحنبلي في كتابه "شرح الكوكب المنير" في ست مواضع باسم التقريب. ونقل عن الباقلاني بدون نسبة إلى كتاب محدد في خمس وستين موضعًا آخر.
٣ - ذكره كمال الدين بن أبي شريف المقدسي في حاشيته على الدرر اللوامع في تحرير جمع الجوامع في موضعين باسم التقريب والإرشاد، وفي أحد عشر موضعًا باسم التقريب ونسب للقاضي الباقلاني آراء بدون عزوها إلى كتاب في خمس وسبعين موضعًا.
٤ - ونسب الباجي في إحكام الفصول للباقلاني آراء في ستين موضعًا بدون نسبتها لكتاب معين. ولم يذكر الباقلاني مقرونًا بكتابه التقريب إلا في موضع واحد.
٥ - ونسب أبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع للباقلاني أقوالًا في أربع وعشرين موضعًا لم يقرن باسمه اسم الكتاب الذي أخذ منه آراءه.
٦ - ذكره القاضي أبو يعلي بن الفراء الحنبلي - الذي عايشه فترة من الزمن - في كتابه العدة في ستة عشر موضعًا. لم يذكر فيها اسم كتابه التقريب إلا مرة واحدة. وقد وجدته استفاد منه في مواضع لم ينسبها إليه وخاصة في أول الكتاب.
٧ - ذكره الزركشي في كتابه سلاسل الذهب في ست وثلاثين موضعًا. قرنه مرة واحدة بالتقريب والإرشاد وأخرى بالتقريب فقط.
[ ١ / ٩٦ ]
٨ - نقل عن الباقلاني الطوفي في شرح مختصر الروضة في سبع وثلاثين موضعًا، ولكنه لم يقرنه باسم كتابه الذي أخذ منه هذه الآراء.
٩ - ذكره الأصفهاني محمود بن عبد الرحمن في شرح المنهاج للبيضاوي في أربعين موضعًا لم يقرنه باسم كتابه الذي أخذ منه آراءه.
١٠ - أكثر من النقل عنه ابن السبكي في الإبهاج في شرح المنهاج. وكان غالبًا يقرن اسمه بالتقريب والإرشاد.
والقصد من ذكر هذه الكتب التمثيل والتدليل على انتشار آرائه والعناية بكتبه عمومًا والتقريب والإرشاد على وجه الخصوص. وبهذا يظهر مدى استفادة من جاء بعده بآرائه وكتبه."
[ ١ / ٩٧ ]
المبحث الرابع