قد زعم بعضهم أن حدة" إنه اعتقاد الشيء على ما هو به فقط"
وقال آخرون منهم:" إنه اعتقاد الشيء على ما هو به على غير وجه الظن والتقليد". ⦗٥⦘
وقال آخرون منهم: حده" إنه اعتقاد الشيء على ما هو به إذا وقع
[ ١ / ١٧٨ ]
عن ضرورة أو دليل"
وقال آخرون منهم: حده" إنه اعتقاد الشيء على ما هو به مع سكون النفس إلى معتقده"
وكل هذه الحدود باطلة.
فأما ما يدل على فساد تحديده بأنه" اعتقاد الشيء على ما هو به فقط" فهو أن ذلك يوجب المخمن والظان إذا اعتقدوا الشيء على ما هو به عالمين باعتقادهما ذلك، وهذا باطل للاتفاق على أن العالم بأي طريق علم المعلوم، فإنه لا يجوز كونه على غير ما علمه، والظان لكون الشيء- و'ن اعتقده على ما هوبه- وأصاب في اعتقاده فإنه يجد من نفسه تجويز كونه على خلاف ما ظنه به وتوهمه. فلو كان الظن ىعلما لوجب إذا كان اعتقاد المظنون على ما هو به أن يسد مسد العلم وينوب منابه، ولم يجوز الظان الأمر الذي ظنه كونه على خلاف ما اعتقده، كما لا يجوز العالم بالشيء ذلك، ولما لم يكن الأمر كذلك بأن الظن من العلم وفارقه، وبطل ما قالوه.
وأما ما يدل على فساد ما في أقاويلهم فأمور.
أقربها: أنها حدود تقتضي لا محالة أن يكون العالم بالعلم معتقدًا في
[ ١ / ١٧٩ ]
إطلاق أو تقييد، لأن العلم صفة تتعلق بالعالم، فإذا كان حده أنه اعتقاد مطلق أو اعتقاد على وجه فلابد من تعلقه بمعتقد، فيجب باقتضاء هذا الحد كون العالم معتقدا في إطلاق أو تقييد وأن يتعدى تحديد العلم به إلى وجوب كون العلم معتقدا، وأن يكون ذلك حده، ولو كان ذلك كذلك لوجب كون القديم معتقدا لمعلومات على ما هي به اعتقادا مطلقا، أو على بعض الوجوه التي ذكروها في حد العلم، من كونه مضطرا أو مستدلا أو متذكرا للاستدلال أو ساكن النفس إلى معتقده. ولما أجمعت الأمة على بطلان ذلك بطلت هذه الحدود وفسدت، وليس لهم أن يقولوا إنما يجب كون العالم معتقدا- إن كان ذا علم- هو اعتقاد. فإذا لم يكن للقديم علم لم يكن معتقدا، لأننا إذا بينا بما سلف وجوب تعدي ⦗٦⦘ حد العلم إلى حد العالم صار حده" إنه المعتقد للشيء على ما هو به مطلقا أو على وجه ما" والحدود يجب طردها وإجراؤها في الشاهد والغائب، وإحالة نقضها فبطل ما قالوه. وقد تكلمنا عليهم على حدودهم هذه في الكلام في أصول الديانات وبينا نقضها بغير طريق بما يغني متأملة. إن شاء الله.
[ ١ / ١٨٠ ]
والواجب أن يقال لهم: ما معنى سكون النفس إلى معتقده؟
فإن قالوا: سكون النفس السكون في المكان الذي هو ضد الحركة فقد أبطلوا، لأن الواحد منا يصح وجود العلم به، ويكون متحركا غير ساكن، كما يصح مع وجود السكون.
وأن قالوا" سكون النفس هي طمأنينة القلب التي هي اليقين والعلم.
قيل لهم. فهذا العلم الذي وصفتموه بأنه سكون النفس لا يخلو من أن يكون اعتقاد الشيء على ما هو به، أوليس باعتقاد أصلا لا مطلقا ولا مقيدا.
فإن قلتم، إن هذا العلم ليس باعتقاد أصلا فقد أبطلتم حدكم للعلم بأنه اعتقاد الشيء على ما هو به فقد أثبتم علما ليس باعتقاد.
وإن قلتم، إن اعتقاد الشيء على ما هو به لم يخل من أن يكون معه سكون النفس إلى معتقده، أو ليس معه سكون النفس إلى معتقده. فإن لم يكن مع هذا الاعتقاد سكون النفس فقد أبطلتم حدكم للعلم بأنه اعتقاد للشيء على ما هو به مع سكون النفس إلى معتقده مع أنه يبطل بالظن والتقليد.
وإن قلتم، هذا العلم الذي هو سكون النفس اعتقاد للشيء على ما هو به سكون النفس إلى معتقده.
قيل لكم، وذلك السكون الثاني لا يخلو من أن يكون علما أو غير علم. فإن لم يكن علما فلا تأثير له لا في أن يكون الاعتقاد يصير به علما، وإن كان علما فلا يخلو من أن يكون اعتقادا أو ليس باعتقاد. فإن كان اعتقادا فلا يخلو من أن يكون معه سكون آخر أم لا، على ما بيناه حتى يتسلسل
[ ١ / ١٨١ ]
أبدًا إلى غير غاية ونهاية. وذلك محال، فبطل ما قالوه.
[ ١ / ١٨٢ ]
باب