اعلموا أن الكلام: "معنى قائم في النفس يعبر عنه بهذه الأصوات المقطعة والحروف المنظومة". وربما دل عليه بالإشارة والرمز والعقد والخط، وكل قسم منه من أمر ونهي وخبر واستخبار فإنه لنفسه ومتعلق بمتعلقه لذاته لا يجوز خروجه عن ذلك ولا وجود مثله إن كان محدثا، وليس بأمر ولا نهي على ما قد بيناه في غير هذا الكتاب، فهو في تعلقه بمنزلة العلوم
[ ١ / ٣١٦ ]
وجميع ما له تعلق من صفات القلوب، وقد قال تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إلاَّ رَمْزًا﴾ أي لا تدل على الكلام إلا بذلك. وقال تعالى دالا على ما قلناه: ﴿ويَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾. وقال تعالى: ﴿وأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ فأخبر أن ما يستتر به في النفوس قول، وأن الجهر به عبارة عنه ودلالة عليه. وقال في قصة المنافقين: ﴿إذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ فأكذبهم الله بإنفاق [؟ بالنفاق] في قولهم /في أنفسهم إنه ليس برسول الله لا في عبارتهم المسموعة التي هي قولهم نشهد إنك لرسول الله، لأن هذا ليس بكذب منهم. والعرب تقول: في نفسي قول أخرج به إليك، وكلام ما بحت به إلى أحد، وحديث أبثك إياه بعد وقت، في أمثال هذا مما يطول تتبعه، فدل ذلك أجمع على أن الكلام معنى قائم في النفس يعبر عنه ويدل عليه بهذه الأصوات. وقال الشاعر:
لا تعجبنك من أثير خطة حتى يكون مع الكلام أصيلا
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الكلام دليلا
[ ١ / ٣١٧ ]
فأخبر أن الكلام من الفؤاد وأن اللسان دليل عليه. وقد تقصينا الكلام في هذا الباب على أهل القدر والاعتزال في نفي خلق القرآن بما يوضح الحق لمتأمله إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ٣١٨ ]
باب
الكلام في أصل التخاطب باللغة العربية وكل لغة