جميع العلوم تنقسم قسمين: فقسم منها علم قديم ليس بحادث لا عرض ولا جنس من الأجناس، ولا يحصل العلم به اضطرارا ولا استدلالا، ولا مما له ضد ينفيه، ولا يصح عدمه، ولا يختص في تعلقه بمعلوم أو معلومات مخصوصة، بل هو متعلق بما لا نهاية له منها، وهو علم الله سبحانه الذي هو لم يزل ولا يزال عالما به، وقد بينا هذه الجملة وغيرها من أحكامه في كتب أصول الديانات بما يقنع متأملة إن شاء الله.
فصل
والضرب الآخر منها: علوم الخلق من الملائكة والإنس والجن وغيرهم من الأحياء. وهي كلها تنقسم قسمين. فقسم منها علم اضطرار، والقسم الآخر علم نظر واستدلال أو واقع عن تذكر نظر واستدلال.
[ ١ / ١٨٣ ]
فعلم الاضطرار منها ما وقع عن درك الحواس، ومبتدأ في النفس من غير درك حاسة، وهي التي يوصف كل علم منها بأنه أول ومبتدأ وحاصل بأوائل العقول.
ومعنى وصف هذا القسم بأنه ضرورة ينصرف إلى ثلاثة معان.
أحدهما: متواضع عليه بين الفقهاء والمتكلمين. والمعنيان الآخران لغويان.
فأما معنى وصفه بأنه ضرورة في المواضعة، وهو أنه ما لزم نفس المخلوق لزوما لا يمكنه معه الخروج عنه والانفصال منه ودفعه عن نفسه بحجة أو بشبهة، ولا تلحق الشكوك والريب في متعلقة، وكل هذا الألفاظ بمعنى واحد، وهو أنه لا يمكن دفعه عن النفس بحال.
وإنما قلنا: ما لزم نفس المخلوق لزوما لا يمكن دفعه والخروج عنه، ولم نقل ما لزم نفس العالم لكي يخرج علم القديم بهذا الشرط عن كونه ضرورة ويخرج سبحانه عن كونه مضطرا ⦗٧⦘ لأن علمه بكل معلوم لازم لذاته على الوجه الذي يلزم ذواتنا علوم الضرورات، فالباطن عندنا عنده ظاهر، والخفي علينا جلي عنده، وسرنا علانية له، وليس لأحد أن يقول لنا قولوا لذلك إنه
[ ١ / ١٨٤ ]
مضطر إلى العلم بمعلوماته، لأننا إنما وضعنا قولنا" علم ضروري" لما لزم نفس المخلوق على هذه السبيل، ومنعنا ذلك في القديم لمنع الأمة له، ولئلا يوهم كونه محتاجا إلى العلم بما يعلمه لدفع ضرر عنه، أو أنه ملجأ ومكره على العلم بما هو عالم به، ومحال في صفته الأمران جميعا.
فأما معنى وصف العلم وغيره بأنه ضرورة في وضع اللغة فهو إنه مما تمس الحاجة إليه، أو مما يقع الإكراه عليه والإلجاء إليه. ولهذا قال الله تعالى: ﴿إلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إلَيْه﴾ وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ ولا عَاد﴾. وقالوا في المكره على الطلاق والعتاق وغير ذلك إنه مضطر إليه ومحمول ومكره عليه.
فصل
فأما معنى وصف القسم الثاني بأنه علم نظر واستدلال وهو أنه علم لا يحصل للعالم به إلا عن ابتداء نظر أو تذكر النظر. ومبتدئ النظر هو الذي ينظر ويستدل ليعلم حقيقة ما ينظر فيه ما ليس بعالم به، ومتذكر النظر هو المنتبه من نومه والمفيق من غلبته والذاكر له بعد سهوه ونسيانه.
فصل
وقد يكون تذكر النظر كسبا للعبد تارة، ويكون ضرورة غير كسب له لأن تذكر النظر هو العلم به، وقد يكتسب هذا العلم تارة ويضطر إليه أخرى.
وقولنا:" علم نظر واستدلال" لفظ إضافة له، إلى النظر أو تذكر
[ ١ / ١٨٥ ]
النظر اللذين كان عنهما.
وقولنا: "علم نظري واستدلالي" نسبة له، وهو على أوزان الأسماء المنسوبة. نحو قولك عربي وقرشي وفارسي وأبطحي، وأمثال ذلك من الأسماء المنسوبة. فمعنى النسب والإضافة فيه واحد.
فصل
وقد يوصف هذا الضرب من العلوم بأنه كسبي، كما يوصف بأنه نظري، ومعنى وصفه ووصف غيره من أجناس مقدورات العباد بأنه كسب عند المتكلمين من أهل الحق ومخالفي القدرية" إنه ما وجد بالموصوف به، وله عليه قدرة محدثة"، وبذلك انفصل معنى الكسب من معنى الإبداع والإنشاء والخلق الذي ينفرد الله تعالى بالوصف به والقدرة عليه دون خلقه. وأما معنى وصفه بأنه كسب ⦗٨⦘ في وضع اللغة فهو إنه مما يجتلب المكتسب له به نفعا ويدفع به ضررا. ولذلك يقولون في الجوارح المعلمة أنها كواسب لحصول الانتفاع بصيدها. والله تعالى لا يجوز كونه قادرا على ما يحدثه بقدرة محدثة، ويستحيل اجتلابه للمنافع ودفع
[ ١ / ١٨٦ ]
المضار، فاستحال لذلك في صفته الاكتساب.
[ ١ / ١٨٧ ]
باب