وترتيبها وتقديم الأول فالأول منها
اعملوا أن أصول الفقه محصورة.
فأولها، الخطاب الوارد في الكتاب والسنة/ علي مراتبه التي نذكرها من بعد.
وثانيها، الكلام في حكم أفعال الرسول ﵇ الواقعة موقع البيان لمجمل ما في الكتاب والسنة، أو ابتداء إثبات حكم بها، لأنها إذا وقعت موقع البيان صارت بمنزلة الخطاب، وربما كان البيان بها لمن علمها وشاهدها أبلغ منه بالقول علي ما نذكره من بعد.
وثالثها، القول في الأخبار وطرقها وأقسامها.
ورابعها، بعض الأخبار المروية عن الرسول ﷺ وهي أخبار الآحاد الواردة بشروط قبولها في الأحكام.
وخامسها، الإجماع.
[ ١ / ٣١٠ ]
وسادسها: القياس، ونعني بذلك حمل المعاني المودعة في الأصول التي إذا ثبت تعلق الحكم بها وجب القياس على المعاني المودعة فيها.
وسابعها: صفة المفتي والمستفتي والقول في التقليد، ومن الناس من يجعل القول في صفة المفتي والمستفتي والتقليد بابا واحدا. ومنهم من يجعل ذلك ثلاثة أبواب.
وثامنها: الحظر والإباحة وسيما على قولنا بأنهما حكمان شرعيان. ومن قال إنما يعلم حكم الحظر والإباحة من جهة العقل لا يجعل الكلام في هذا الباب من أصول الفقه، والأولى أن يكون من أصوله لما نذكره من بعد.
ولهذه الأصول لواحق تتصل بها، وليست منها على ما نبينه من بعد. وقد دخل في الخطاب الأمر والنهي والخصوص والعموم إذا دل الدليل على كونه عاما وإلا وجب الوقف فيه على ما سنشرحه من بعد. ودخل فيه الناسخ والمنسوخ والمجمل والمفسر والمطلق والمقيد ولحن الخطاب ومفهومه وفحواه، ودخل فيه دليل الخطاب على قول مثبتيه، ومراتب البيان، وسنفرد لكل شيء من ذلك بابا إن شاء الله.
والواجب عندنا في الترتيب تقديم الخطاب الوارد في الكتاب والسنة على جميع هذه الأبواب لأمور:
[ ١ / ٣١١ ]
أحدها: أن جميع الأحكام الشرعية مودعة في الكتاب والسنة / ص ٦٦ نطقا أو مفهوما أو معنى مودع فيهما وإن كانت السنة مبينة للمراد بما أشكل معناه من الكتاب، ويجب مع ذلك تقديم الكتاب على السنة لكونه كلام الله ﷿ المرسل لصاحب السنة، ولأن القرآن آية لنبوته وما هو عليه من الجزالة والبلاغة المتجاوزة لسائر البلاغات وكونه مختصا بالإعجاز وعدم النظير، ولكونه آية للرسول ﵇ وشاهدا لنبوته ولتضمنه الأمر بإتباع السنة والوعيد على مخالفة صاحبها وما في الكتاب والسنة المقطوع عليها إما بضرورة أو دليل سواء في وجوب الرجوع إليهما واستنباط معرفة الأحكام منهما، وإن كان للكتاب فضيلة النظم والإعجاز.
ويلي ذلك في الرتبة أفعال الرسول ﵇ الواقعة موقع البيان، لأنها بمثابة أقواله الواردة لبيان الأحكام ويلي ذلك بعض الأخبار المروية عن الرسول ﵇.
فإن قيل: ولم لم تجعلوا الخبر المتواتر عنه طريقا إلى معرفة الأحكام؟
[ ١ / ٣١٢ ]
قيل له: لأجل أن ما علم من سنة الرسول ﵇ إما باضطرار أو بطريق الاستدلال فهي التي يعرف بها الأحكام دون أخبار المخبرين عنها. وإنما الخبر عنها طريق لثبوتها إذا كان بصفة ما ذكرنا، وليس يتعلق الحكم بأخبار المخبرين بها. فأما خبر الواحد فإنما نظن أن النبي صلي الله عليه وسلم قد قال ما رواه الراوي، ولا نقطع به، والحكم متعلق بنفس الخبر عن الرسول ﵇، وقول الرواة دون قول الرسول ﵇، وكيف يتعلق الحكم في مثل هذا بقوله ونحن لا نعلم أنه قال ما روي عنه، فبان أن الحكم المعلوم من سنته متعلق بنفس قوله وسنته، والحكم بما لم يثبت منها مما رواه الثقات، ونظن أنه قاله متعلق برواية الرواة، فافترق الأمران وصار خبر الواحد أصلا يخالف السنة المعلومة.
ويلي ذلك الكلام في الإجماع، لأن حجيته تثبت بعد الرسول ﵇ وبعد استقرار أحكام الكتاب /ص ٦٧ والسنة، ولأجل أن ثبوت حجته منتزع منهما ومردود إليهما.
فإن قيل: كيف يصح لكم هذا الترتيب؟، وأنتم تتركون ظواهر الكتاب والسنة بإجماع الأمة، ولا تتركون الإجماع بهما.
[ ١ / ٣١٣ ]
يقال له: نحن لا نترك ظاهر الكتاب والسنة بقول الأمة المجمعة (عليه). وإنما نتركهما بمثلهما من كتاب وسنة كهما. وإنما نتبين بإجماع الأمة على تركهما أنهما منسوخان بمثلهما، أو أن المراد بهما غير ظاهرهما مما وقفت عليه الأمة أو من تقوم بهم الحجة منهم، لعلمنا بأن الأمة لا يجوز أن ترفع حكمهما باجتهاد وقياس منها، وإنما تتبع الأدل منهما، ولا تخالفهما على ما سنبين القول فيه إن شاء الله.
ويلي ذلك القياس وإعماله في مواضعه، وذكر من هو من فرضه، وما يتصل من الفصول ببابه، وإنما وجب تأخيره عما قدمناه من الأدلة لأجل أنه إنما يثبت كونه أصلا ودليلا بالكتاب والسنة والإجماع على ما نبينه، ولأن استعماله في مخالفة ما قدمناه من الأدلة باطل محظور، وإنما يصح إذا لم ينف ما ثبت بهما حكمه.
ويلي ذلك صفة المفتي والمستفتي، وإنما وجب تقديم القيام [القياس] على هذا الأصل، لأجل أن المفتي إنما يصير مفتيا يجوز الأخذ بقوله إذا عرف القياس وما به يثبت وما يجب من أحكامه في مواضع استعماله، ثم يفتي بعد ذلك. فيجب أن يكون العلم بالقياس حاصلا له حتى يكون لعلمه به مفتيا.
وإنما صار القول في صفة المفتي والمستفتي من أصول الفقه لأجل أن فتواه للعامي دليل على وجوب الأخذ به في حال وجوازه في حال. فصارت فتواه للعامي بمثابة النصوص والإجماعات وسائر الأدلة للعالم، ولأنه لا يكون قوله دليلا للعامي يجب الأخذ به أو يسوغ ذلك له إلا بعد حصوله على صفة من تجوز فتواه وإلا حرم عليه الأخذ بقوله.
[ ١ / ٣١٤ ]
وإنما ذكرنا صفة المستفتي مع المفتي، لأجل أن المفتي إنما يفتي عاميا له صفة يسوغ له التقليد للعالم، ولو لم يكن كذلك ما جاز له الأخذ بقول غيره /ص ٦٨ فوجب ذكر صفتهما وحالهما، وإذا ذكرنا صفة المفتي والمستفتي فقد ذكرنا أيضا صفة الحاكم والمحكوم عليه، وإن كان لا يصير حاكما لكونه عالما بالأحكام وبمن يجوز تقليده، وإنما يصير كذلك بأن يكون إماما قد عقد له أهل الحل والعقد، أو متقلدا للحكم من قبل إمام ومن يستخلفه الإمام.
فإن قيل: فما وجه جعل الحظر والإباحة من أصول الفقه؟.
قيل له: لأجل حاجة العالم متى فقد أدلة الشرع _على مراتبها_ على إثبات حكم الفعل أن يقر أمره على حكم العقل فيه، فإن لم يعرف حكم العقل فيه لم يدر على ماذا يقره. ولو قيل: إن المفتي يكفيه إذا لم يجد دليلا ينقل الشيء عن حكم العقل أن يقول: هذا مما لا حكم له في الشرع، فلا أحكم فيه بحكم شرعي، وإن اختلف في حكمه من جهة العقل لم يكن ذلك بعيدا. هذه جملة في ذكر هذه الأبواب وترتيبها مقنعة إن شاء الله.
[ ١ / ٣١٥ ]
باب