باب
ذكر من يجب عليه العلم بأصول الفقه/ ص ٦٣
اعملوا - رحمكم الله- أن فرض علم ذلك على الكفاية دون الأعيان.
والدليل على ذلك أن معرفة أحكام أفعال المكلفين المتوصل إلى علمها بأصول الفقه، وأدلة أحكام الفقه إنما هو فرض على الكفاية دون الأعيان، وإنما على العامي التقليد في ذلك والرجوع إلى قول العلماء، ولا معتبر بخلاف من يخالف في ذلك ممن حكم أنه من فرائض الأعيان. وسنقول في إبطال ذلك عند انتهائنا إلى الكلام في التقليد قولًا بينًا إن شاء الله، إذا ثبت هذا وكان العلم بأصول الفقه وأدلته إنما يجب لوجوب العلم بأحكام أفعال المكلفين الشرعية التي تختص بها العلماء وجب أن تكون واجبة على العلماء دون العامة، كما أن العلم بما له يجب من فروض العلماء دون العامة، فإذا قام به البعض منهم سقط -أيضًا- عن باقي العلماء فرض العلم بذلك
[ ١ / ٣٠٦ ]
إلا فيما يخصه وينزل به فلا يسوغ له فيه التقليد مع كمال آلته على ما سنذكره في فصول القول في التقليد، وما يجوز فيه وما لا يجوز إن شاء الله تعالى.
فصل
وإن كان في أصول الفقه ما يؤدي الجهل به إلى الجهل بالتوحيد والنبوة وما يتصل ببابهما، أو إلى الجهل ببعض الأصول التي يأثم مخطئ الحق فيها من فرائض الأعيان، التي العامة والخاصة فيها سواء وجب معرفة ذلك الأصل لأجل أن تضييع علمه يؤدي إلى الجهل بما قد فرض علمه، وما نعرف في أصول الفقه ما هذه سبيله. وكذلك وإن كان فيه ما يؤدي الجهل به إلى تضييع علم حكم من الأحكام الشرعية التي تستوي فيها فروض الأعيان.
وإن لم يكن العلم بثبوته من دين الرسول ﷺ ضرورة من فعل الله
[ ١ / ٣٠٧ ]
سبحانه/ ص ٦٤ بل من كسب العبد وجب -أيضًا- على الأعيان معرفة ذلك الأصل، وذلك نحو الأصل الذي به يعلم تحريم النكاح في العدة وتحريم المرأة على عمتها وخالتها، والجمع بين الأختين، ونكاح المطلقة ثلاثًا من غير أن تنكح زوجًا غيره، ووجوب التقابض في الصرف في المجلس، وأمثال ذلك مما العلم بتحريمه عند كثير من فرائض الأعيان وجب على سائر المكلفين معرفة الأصل الموجب لتحريم ذلك، وهذا ما لا يجب إلا بعد قيام دليل قاطع أو إجماع على وجوب علم هذه الأحكام على سائر المكلفين، لأن الجهل به حينئذ يكون مؤديًا إلى الجهل بتحريم ما قد فرض العلم بتحريمه على الجميع.
فأما إذا لم يقم على ذلك دليل وكان باتفاق فرض علم ذلك، لأن ما للعلماء دون العامة وجب أن تكون معرفة الأصل الدال عليه من فرض العلماء، وكان فرض العامي في ذلك الرجوع فيه إلى من يعلم أنه من علماء الأمة وعدولها الذين يجوز لهم الاجتهاد والفتوى في الدين والأخذ بما يفتيه به في ذلك.
فأما الفتيا والحكم فمن قال من أهل العراق إنهما يجوزان بالتقليد فإنه يوجب فرض علم دليل الحكم والفتيا علي الكفاية، ومن منع من ذلك وهو
[ ١ / ٣٠٨ ]
الصحيح، وقول الجمهور- فإنه يوجب فرض علم دليل الحكم الذي به يفتي الفقيه ويحكم الحاكم فرضا علي عين كل عالم ومفتي، ونحن نكشف القول بصحة ذلك في فصول القول في التقليد، ومنع تقليد العالم للعالم إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ٣٠٩ ]