وقاصدًا إليه بعينه، فضلًا عن قصد التقرب به وفعله لله دون غيره، فثبت بذلك أنه غير داخل تحت التكليف.
ويدل على ذلك - أيضًا - أنه لو قيل للساهي: أقصد للتقرب بفعل ما أنت ساه عن فعله أن التقرب بالاجتناب له لوجب أن يقصد إلى إيقاع ما يعلم أنه ساه عنه أو اجتنابه، وعلمه بأنه ساه عنه ينقض كونه ساهيًا عنه، ولعاد عالمًا به إذا علم أنه ساه عن الفعل الذي يجتنبه أو يوقعه، وخرج عن كونه ساهيًا عنه، فاستحال لذلك تكليف الساهي التقرب بما هو ساه عنه أو اجتنابه.
وأما ما يدل على إحالة تكليف النائم والمغلوب والسكران فهو نفس ما دل على امتناع تكليف البهيمة والطفل المجنون لاشتراك جميعهم في زوال العقل والتمييز، بل قد علم أن الطفل والمجنون أقرب إلى العلم والقصد إلى كثير من الأشياء من المغلوب بالنوم والمرض والسكر، ومن حيث كان للطفل والمجنون قصود وعلوم بأشياء كثيرة، وقصدًا إلى التجوز والاجتلاب لأشياء كثيرة لا يعلمها السكران والمغلوب بالنوم والبرشام، ولأن النائم قد ينبه فيتنبه عاقلًا مميزًا، والمريض والسكران أسوأ حالًا من المجنون في زوال عقله وتعذر عوده إليه بأمر يكون من العباد، فثبت بذلك امتناع تكليف من هذه الحالة، كما يمتنع تكليف المجنون والطفل، وهما أمثل حالًا منهما.
فصل
فإن قالوا، كيف تحيلون دخول فعل النائم والمغلوب والسكران والساهي تحت التكليف مع إجماع الأمة من الفقهاء وغيرهم على لزوم أفعال
[ ١ / ٢٤٣ ]
لهم بسبب الأفعال الواقعة منهم في حال السهو والنوم والغلبة بالسكر وغيره، نحو تكليف فعل الصلوات الفوائت في حال نومه وسكره، ولزوم طلاق السكران بسبب سكره، ووجوب حده، وقيمة ما أتلفه في حال سكره، إلى غير ذلك من الأحكام.
يقال له، فقد بان بما قدمناه زوال عقل النائم والسكران وأنهما أسوأ حالًا من الطفل والمجنون فامتنع تكليف الكل لذلك، وإنما يجب على النائم والسكران قبل زوال عقولهما أو عند إفاقتهما وعودهما إلى صحة العقل قضاء ما لم يفعلاه من الصلوات في حال النوم والسكر، وذلك خطاب لهما في حال عقلهما بفرض مبتدأ، ولكنه مع ذلك سبب خطابهما في حال العقل بفرض مبتدأ وغرم واجب، ولو لم يجعل الفوات وما وقع منه من الطلاق، وفعل فيه من السكر سببًا لوجوب القضاء، ونفوذ الطلاق، ووجوب الحد، ثم يسقط ذلك عنه إذا عقل لكان ذلك صحيحًا جائزًا بإجماع.
وكما يكون فعل البهيمة وقاتل الخطأ وحكم الحاكم وفتيا المفتي أسبابًا لوجوب أفعال على غير الفاعل لها، لا لأن فعل البهيمة وقتل الخطأ داخلان تحت تكليف العاقلة وصاحب البهيمة، وإذا كان ذلك كذلك بطل أن يكون لزوم هذه الأمور في حال الإفاقة خطابًا وتكليفًا لمن لا عقل له.
فأما من توهم أن حد السكران إنما وجب عليه بسبب أدخله على عقله وهو السكر، فإنه باطل، لأن السكر من فعل الله تعالى فيه، وليس من كسب
[ ١ / ٢٤٤ ]
العبد ومقدوراته مباشرًا ولا متولدًا.
فأما استحالة ابتدائه بفعل السكر في نفسه فباطل باتفاق، وأما امتناع كونه مولدًا لفعل السكر بسبب كان منه، فإنه ظاهر من قبل، إنه لم يكن منه إلا الشرب، وشربه للماء وسائر المائعات من جنس شربه الخمر العتيق، فلو ولد أحد الشربين السكر لولده الآخر، لأن الشيء إذا ولد عند أصحاب التولد شيئًا ولد مثله، ولو ساغ القول بأن الشرب يولد السكر لساغ أن يقال إن الأكل والشرب يولدان الشبع والري أن الوجبة تولد الموت، وكل هذا باطل، وأصل القول بالتولد عند أهل الحق باطل في فعل الله تعالى وفعل خلقه، فسقط
[ ١ / ٢٤٥ ]
ما ظنوه، ولا يسوغ - أيضًا - لأحد أن يقول إن السكر إنما وجب وتولد عن ذات الشراب، لأنه جسم من الأجسام، والأجسام لا تولد شيئًا، ولأنه لو تولد السكر عن ذات الشراب لكان فعلًا لله تعالى، لأنه فعل الجسم الذي هو الشراب، فإذا لم يحد السكران بسبب كان منه، وهذا يبين في إبطال قول من زعم أن حد السكران إنما وجب عليه لأجل سبب كان منه وأمر أدخله على نفسه.
ولو قيل، إنه إنما حد لشربه ما قد أجرى الله تعالى العادة بفعل السكر عند تناوله لكان ذلك أولى، إلا أن يكون محدودًا على شيء فعله مع العقل لا مع زواله، لأنه شرب وهو عاقل مميز.
فصل
فإن قالوا، كيف يسوغ لكم منع تكليف السكران مع قوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ونهيه لهم عن الصلاة في حال السكر، ولا فرق بين أن ينهاهم عن الصلاة مع السكر، وبين أن يأمرهم بها وبغيرها مع السكر، وهذا يبطل ما أصلتم؟
يقال لهم، إذا بان بما قدمناه أن حال المغلوب بالسكر أسوأ من حال النائم والطفل والمجنون، لأنه يبلغ إلى حال لا يفرق فيها بين ذوات
[ ١ / ٢٤٦ ]
المحارم وغيرهن، ولا يكون له قصد ولا تمييز على وجه ثابت بذلك أنه غير مكلف لفعل ولا لاجتناب، ووجب حمل الآية على تأويل يوافق موجب هذه الحجة، ولها تأويلات:
أحدها، إن السكر سكران: أحدهما زوال العقل، وهذا هو الذي يمتنع معه التكليف وتوجيه الخطاب إلى العبد.
ولام، استحسان ما كان يستقبحه الشارب قبل شربه ولا يراه قبيحًا إذا شرب من الطرب والصياح والتصفيق والانخلاع وكثرة الانبساط مع بقاء عقله وصحة تمييزه وعلمه بأنه مكلف وكونه مفرقًا بين الضرب والنفع والخير والشر/ ص ٣٤ وليس هذا من زوال العقل في شيء، وإنما حظر على الشارب أن يقرب الصلاة وهو سكران على معنى حظر شرب يصيره إلى هذه الحال، ولم ينه عن نفس الصلاة، فكنى عن ذكر النهي عن الشرب بذكر الصلاة التي وجب المنع من الشرب لأجل استيفاء حقوقها، وإلا فمن هذه حالة في التمييز مأمور بفعل الصلاة باتفاق، وإنما نهي عن الشرب المؤدي إلى هذه الحال عند حضور أوقات الصلوات، لأجل ما يحدث في الشارب من ثقل اللسان والحرص على استدامة الشرب والتثاقل بالصلاة، وإقامة ما يجب لها من الركوع والسجود والخنوع والخشوع، ومحظور عليه شرب قليل ما يؤدي إلى ذلك وكثيره، إذا كان شرب القليل داعيًا إلى شرب الكثير، وما يؤدي إلى استثقال الفرض وحصول السكر.
فإن قيل: إن قوله تعالى: ﴿حَتَّىَ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ يدل على أنهم لا يعقلون في حال ما نهوا عن الصلاة؟
[ ١ / ٢٤٧ ]
يقال لهم، ليس الأمر كذلك وإنما أراد حتى تعلموا علمًا يكون معه التمكن من استكمال الفرض بحدوده وزوال استثقاله، وقد يحصل العلم بما يقولون مع الاستثقال ومع عدمه، وذلك حصول له على وجه دون وجه.
وقد قيل - أيضًا - في تأويلها إنه أراد بقوله ﴿وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ من النوم والاستثقال حتى تستيقظوا استيقاظًا يزول معه ثقل النوم، ويكمل معه التمييز والنشاط والتمكن من القيام بحقوق الصلاة.
وقيل - أيضًا - إنما أراد النهي لمن قدمنا ذكره ممن لم يسكر ولم يزل عقله عن الحضور مع النبي ﷺ في المساجد الجماعة تعظيمًا للنبي ﷺ والمؤمنين وتنزيهًا للمساجد، وإن كان الشارب لم يزل عقله بقدر ما شربه.
[ ١ / ٢٤٨ ]
فصل
وقد زعم قوم أن الشرب الثاني الذي معه زوال العقل مما يحظره العقل، وأن الشرب الأول الذي يكون معه طيب النفس والانبساط مع بقاء العقل محظور بالسمع، وهذا باطل وخطأ من وجهين:
أحدهما: إن العقل لا يحظر شيئًا أصلًا لما نبينه من بعد.
والآخر: إن كان سكرًا على الحقيقة دون السكر الأول فهما جميعًا من فعل الله تعالى غير كسب للعبد، فكيف يتعلق عليه إباحة أو حظر، والله الموفق للصواب.
[ ١ / ٢٤٩ ]
باب