بلا ريب عالم في منزلة القاضي الباقلاني يتعذر معرفة كل من أخذ عنه، فقد ضربت له بطون الإبل من كل بلد. كما أنه كان كثير التجوال، لم يستقر في بلد واحد، مما هيأت له هذه الأحوال عددًا كبيرًا من طلاب العلم، الذين أخذوا عنه في البصرة وبغداد والري وشيراز وغيرها من بلاد فارس. يقول ابن عساكر في تبين كذب المفتري: وكان الباقلاني حصنا من حصون المسلمين، وما سُر أهل البدعة بشيء كسرورهم بموته - ﵀ - إلا أنه خلف من بعده جماعة كبيرة من التلاميذ تفرقوا في البلاد". ومالا يدرك كله لا يترك جله، ولذا سنذكر طائفة ممن اشتهر بالأخذ عنه وملازمته، ومنهم:
١ - أبو ذر الهروي: عبد بن أحمد، الإمام المحدث الحافظ الحجة الثقة المالكي الأشعري، المولود سنة ٣٥٥ هـ، والمتوفى سنة ٣٢٣ هـ. أخذ عن الباقلاني علم الكلام. ولأخذه هذا قصة لطيفة ذكرها ابن عساكر، فقال: قيل للهروي: أنت من هراة، فمن أين تمذهبت لمالك والأشعري؟ فقال: سبب ذلك أنني قدمت بغداد لطلب الحديث، فلزمت الدارقطني، وكنت مرة ماشيًا معه، فمر بنا شاب، فأقبل عليه الشيخ وعظمه وأكرمه ودعا له. فلما فارقه قلت: أيها الشيخ الإمام، من هذا الذي بالغت في إكرامه؟ فقال: أو ما تعرفه؟ قلت: لا. فقال: هذا أبو بكر بن الطيب الباقلاني الأشعري ناصر السنة، وقامع المعتزلة، ثم أفاض في الثناء عليه. فكان ذلك سبب اختلافي إليه وأخذي عنه.
[ ١ / ٣٣ ]
٢ - القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن نصر البغدادي المالكي المولود سنة ٣٦٢ هـ، والمتوفى سنة ٤٢٢ هـ. الفقيه البارع، والأصولي المتمكن، والنظار الحجة، والأديب الشاعر من كبار علماء الإسلام. سئل عمن تفقه، فقال: "صحبت الأبهري، وتفقهت على أبي الحسن بن القصار، وأبي القاسم بن الجلاب، والذي فتح أفواهنا وجعلنا نتكلم أبو بكر بن الطيب".
قال الباقلاني: لو اجتمع في مدرستي عبد الوهاب وأبو عمران الفاسي القيرواني لاجتمع علم مالك: أبو عمران يحفظه، وعبد الوهاب ينصره. ضاقت به الأحوال في العراق في آخر أيامه، فرحل إلى مصر مارًا بمعرة النعمان، حيث زار أبالعلاء المعري. تولى قضاء مصر، ولم يعش فيها إلا أشهرًا.
٣ - أبو عمران: موسى بن عيسى بن أبي حجاج الغفجومي - من بطون بربر المغرب - الفاسي القيرواني. ولد سنة ٣٦٥ هـ. توفي بالقيروان في رمضان سنة ٤٣٠ هـ. كان يقرأ القرآن بالسبع ويجوده، مع معرفة بالرجال. يقول أبو عمران: رحلت إلى بغداد بعد أن تفقهت بالمغرب والأندلس على أبي الحسن القابسي، وأبي محمد الأصيلي، وكانا عالمين بالأصول. فلما حضرت مجلس القاضي أبي بكر، وسمعت كلامه في الأصول والفقه حقرت نفسي، ورجعت عنده كالمبتدئ.
٤ - أبو الحسن السكري: على بن عيسى الشاعر. ولد سنة ٣٥٧ هـ. كان يحفظ القرآن، ويجيد القراءات. كان شاعرًا أديبًا، أكثر من مدح الصحابة والرد على الرافضة والنقض على شعرائهم. درس على الباقلاني علم الكلام، ومدحه بقصيدة طويلة، أختار منها.
[ ١ / ٣٤ ]
اليعربي فصاحة وبلاغةً والأشعري إذا اعتزى للمذهب
قاض إذا التبس القضاء على الحجى كشفت له الآراء كل مغيب
مازال ينصر دين أحمد صادعًا بالحق يهدي للطريق الأصوب
توفي سنة ٤١٢ هـ.
٥ - القاضي أبو جعفر محمد بن أحمد السمناني الحنفي الأشعري. ولد سنة ٣٦١ هـ كان عالمًا فاضلًا سخيًا، حسن الكلام. كان له في داره مجلس نظر يؤمه الفقهاء. مات بالموصل وهو على القضاء سنة ٤٤٤ هـ.
٦ - أبو طاهر محمد بن علي المعروف بابن الأنباري، المولود سنة ٣٧٥ هـ. كان واعظًا صالحًا، وعالمًا كبيرًا. درس على الباقلاني الفقه وأصوله وعلم الكلام. ثم توجه للمغرب، ونزل القيروان. أثنى عليه أبو عمران الفاسي، وقال: لا يجود عالم بالأصول في القيروان إلا وقد أخذ ذلك عن أبي طاهر، ولولاه لضاع العلم بالمغرب. توفي سنة ٤٤٨ هـ.
٧ - أبو الحسن علي بن محمد بن الحسن الحريري المالكي. ولد سنة ٣٥٦ هـ، وتوفي سنة ٤٣٧ هـ. كان محدثًا صدوقًا، حدث عنه الخطيب البغدادي. درس على الباقلاني أصول الدين وأصول الفقه.
٨ - أبو عبد الله: الحسين بن حاتم الأزدي. كان رجلًا ذا علم وأدب. درس على الباقلاني أصول الدين وأصول الفقه. روي عن الباقلاني وصف مناظراته في بلاط الروم. أرسله الباقلاني إلى دمشق ليرد على بعض المخالفين، فعقد المجلس في جامع دمشق. فذكر التوحيد ونزه المعبود،
[ ١ / ٣٥ ]
ونفى عنه التشبيه، وأقام بدمشق مدة. ثم تركها إلى القيروان، وانتفع به أهلها، وبقي فيها إلى أن مات.
٩ - ابن اللبان: القاضي أبو محمد عبد الله بن محمد الأصبهاني. كان أحد أوعية العلم، ومن أهل الدين والفضل. درس على الباقلاني كتاب "المقدمات في أصول الديانات"، وكتاب "أصول الفقه" ودرس فقه الشافعي على أبي حامد الاسفرائيني، ومات بأصبهان سنة ٤٤٦ هـ.
١٠ - أبو عبد الرحمن السلمي: محمد بن الحسين بن موسى النيسابوري. ولد سنة ٣٣٠ هـ، وتوفي سنة ٤١٢ هـ. شيخ الصوفية ومؤرخها. كان حافظًا عالمًا بالتفسير والتاريخ والحديث. كان له بنيسابور دويرة للصوفية. أخذ عن الباقلاني أثناء إقامته مع عضد الدولة بشيراز. فقرأ عليه كتاب "اللمع" لأبي الحسن الأشعري.
١١ - أبو محمد عبد الرحمن بن أبي نصر. ولد سنة ٣٢٧ هـ. كان عالمًا ورعًا زاهدًا عدلًا مأمونًا ثقة، وكان يعرف بالشيخ. ذكر القاضي عياض أنه تفقه على الباقلاني وعلق عنه، وكتب في كتبه ما شاهده من مناظرات الباقلاني في الفقه بين يدي ولي العهد ببغداد للمخالفين، عاش ثلاثًا وتسعين سنة. وتوفي في جمادي الآخرة سنة ٤٢٠ هـ.
١٢ - أبو حاتم محمود بن الحسن الطبري، المعروف بالقزويني. ولد بآمل، وتوفي بها. قدم بغداد، درس على الباقلاني أصول الفقه، كان حافظًا للمذهب والخلاف والأصول والجدل.
[ ١ / ٣٦ ]
١٣ - أبو عمرو أحمد بن محمد بن سعدي. أصله أندلسي إشبيلي، كان فقيهًا شيخًا صالحًا، دخل العراق، ولزم أبا بكر الأبهري. سمع من جماعة في مصر والعراق. لقي من المالكية أبا القاسم الجوهري، وأبا بكر الباقلاني وجماعة. نزل المهدية وأفتى فيها، وتوفي بها بعد سنة ٤١٠ هـ.
١٤ - أبو علي الحسن بن شاذان: ولد سنة ٣٣٩ هـ، وتوفي سنة ٤٢٦ هـ. كان حنفي المذهب في الفروع وأشعريًا في الاعتقاد. ذكره ابن عساكر في تلاميذ الباقلاني، وقال: كان صدوقًا صحيح الكتاب، يفهم الكلام على مذهب الأشعري.
١٥ - أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي. ولد سنة ٣٥٥ هـ وتوفي سنة ٤٣٥ هـ. محدث حافظ، روي عن القطيعي، ثم أخذ عن الباقلاني،
١٦ - أبو الفتح محمد بن أبي الفوارس الحنبلي: ولد سنة ٣٣٨ هـ، وتوفي سنة ٤١٢ هـ. حافظ، ثقة، كان مشهورًا بالصلاح، خرج للباقلاني، وأخذ عنه.
١٧ - صمصام الدولة بن مؤيد الدولة: ولد سنة ٣٥٣ هـ وتوفى سنة ٣٨٨ هـ وعمره خمسًا وثلاثين سنه خلف أباه على الملك، كانت له مشاركة في كثير من فروع العلم من أدب وفلسفة وطبيعة وأخلاق وإلاهيات. ألف له الباقلاني كتابه التمهيد أثناء طلبه العلم عليه.
[ ١ / ٣٧ ]
ذكر الباقلاني في كتبه طائفة أخرى ممن أخذ عنه، منهم ابن المعتمر الرقي الذي ذكره في الصفحة الخامسة من كتابه "البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات والحيل والكهانة والسحر". وما ذكرناه كافٍ في إظهار شخصيته العلمية، وبيان مدى إقبال طلاب العلم على حلقات درسه ﵀.
[ ١ / ٣٨ ]
المبحث السادس