يوجد للنزاع في هذه المسألة ثمرات عدة، بعضها يعود للاعقاد، وبعضها الآخر للفروع الفقهية، وبعضها الآخر للغة.
أما في جانب الاعتقاد فاختلف العلماء في حقيقة الإيمان بناء على اختلافهم في جواز نقل الشرع بعض الأسماء من اللغة إلى الشرع. واختلفوا أيضًا في وجود منزلة بين الإيمان والكفر أو لا يوجد.
ومن أهم العوامل التي سببت النقاش حول وجود منزلة بين المنزلتين، وحكم مرتكب الكبيرة هو ما وقع من حروب على أثر مقتل عثمان بن عفان -
[ ١ / ١٢٥ ]
﵁ - كوقعة الجمل وصفين، مما جعل الناس يتساءلون عن الحق وعن المخطئ. وهل المخطئ كافر أو مؤمن؟ فكانت الخوارج تقول بكفر مرتكب الذنوب، والمرجئة تقول: إنهم مؤمنون كاملوا الإيمان، وأهل السنة عمومًا ذهبوا إلى أنهم مؤمنون ناقصوا الإيمان بقدر ما ارتكبوا من الكبائر. وذهب واصل بن عطاء - مؤسس مذهب الاعتزال - إلى أنهم فاسقون في منزلة بني منزلتي الكفر والإيمان. وهذه أول مسألة من مسائل المعتزلة. وقد أجمعوا عليها على تعدد فرقهم واختلاف مشاربهم.
ونقل أبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع حقيقة قولهم فقال إنهم قالوا: "ننزل الصحابة منزلة بين المنزلتين، فالا نسميهم لا كفارًا ولا مؤمنين، ونقول إنهم فسقة"، ونقل عن واصل بن عطاء أنه قال: "لو شهد عندي علي وطلحة على باقة من البقل لم أقبل حتى يكون معهما ثالث، لأن أحدهما فاسق" ثم قال الشيرازي: "قيل لهم: إن الإيمان في اللغة التصديق، الصحابة مصدقون موحدون. وقد وعد الله المؤمنين الجنة في قوله تعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ فقالوا: صدر منهم الإيمان اللغوي الذي هو التصديق، ولكن الشرع نقل هذا اللفظ إلى فعل الطاعات. فالصحابة صدقوا ولم يطيعوا، بل ارتكبوا شيئًا من المعاصي فخرجوا من الإيمان، ولم يبلغوا الكفر، فهم فاسقون في منزلة بين المنزلتين.
وبهذا يتضح أن المعتزلة بنوا طعنهم في الصحابة، ووصفهم إياهم بعدم الإيمان على نقل كلمة الإيمان من معناها اللغوي الذي هو التصديق إلى المعنى الشرعي. ولذا فالإيمان عند المعتزلة والخوارج هو مجموع ما أمر الله به ورسوله ﷺ.
[ ١ / ١٢٦ ]
والباقلاني - وهو القائل بعدم النقل - يرى أن الإيمان باق على معناه اللغوي، وهو التصديق.
ولكن أهل الحق ذهبوا إلى أن الإيمان لم يبق على معناه اللغوي تمامًا، بل أصبح في الشرع عبارة عن "التصديق بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالجوارح" ولم يختلفوا في دخول التصديق بالقلب فيه، واختلفوا في دخول العمل في الإيمان. ولهم في ذلك تفصيلات ليس الغرض من ذكر ثمرة النزاع تحرير المذاهب، فمحل ذلك كتب العقيدة، فيرجع في ذلك إلى لوامع الأنوار البهية، وشرح العقيدة الطحاوية والمواقف للإيجي وغيرها. والمقصود من إيراد هذه الثمرة بيان استغلال المعتزلة والخوارج مسألة نقل اللفظ للطعن على الصحابة رضوان الله عليهم.
الثمرة الثانية: وهي لغوية:
ذهب من قال بالنقل من المعتزلة وغيرهم إلى أن الحقائق ثلاثة:
الأولى: الحقيقة اللغوية:
وهي اللفظ الذي وضعه أهل اللغة لمعنى ابتداء، ولم يطرأ عليه تغيير، مثل كلمة إنسان.
الثانية: الحقيقة العرفية.
وهي اللفظ الذي نقل عن موضوعه الذي وضع له ابتداءً وأصبح هو المتبادر للذهن. فإن كان النقل على يد أهل اللغة عمومًا سمي عرفية عامة، مثل كلمة دابة كانت في كل ما دب على الأرض، وأصبحت في ذوات الأربع. لا يكاد يفهم منها إلا ذلك إذا أطلقت.
[ ١ / ١٢٧ ]
وإن كان النقل على يد أصحاب الفنون كالأدباء والنحويين والفقهاء مثل كلمة: الرجز والعطف والمناسخة. تسمى عرفية خاصة.
الثالثة: الحقيقة الشرعية:
وهي الأسماء التي استعملها المشرع فيما فرض من عبادات وغيرها. والمعتزلة ترى أن الأسماء الشرعية وضعها المشرع وضعًا مبتدئًا. فهي حقائق شرعية.
ولهذا عرف أبو الحسين البصري المعتزلي في المعتمد الحقيقة بأنها: "ما أفيد بها ما وضعت له في الأصل الاصطلاح الذي وقع التخاطب به". ثم قال: "ودخل في هذا الحد الحقيقة اللغوية، والحقيقة العرفية، والحقيقة الشرعية".
وذهب القائلون بعدم النقل إلى عدم دخول الأسماء الشرعية في الحقيقة وقصروا إطلاق الحقيقة على الحقيقة اللغوية فقط. ولذا عرفها شيخ البلاغيين عبد القاهر الجرجاني بأنها: "كل كلمة أريد بها نفس ما وضعت له في وضع واضع وقوعًا لا يستند فيه إلى غيره". وعرفها ابن الأثير في كتابه المثل السائر أنها "اللفظ الدار على موضعه الأصلي". وعرفها ابن جني بأنها: "ما أقر في الاستعمالات على أصل وضعه في اللغة" وقد جرى ابن قدامة في الروضة في تعريفه للحقيقة على هذا المذهب، حيث قال في تعريفها: "هو اللفظ المستعمل في وضعه الأصلي".
الثمرة الثالثة: وهي تعود للفروع الفقهية.
الأسماء الشرعية المجردة عن القرائن على ماذا تحمل؟
[ ١ / ١٢٨ ]
ذكرنا أن أهل العلم اختلفوا في الأسماء الشرعية على ثلاثة أقوال:
الأول: إنها حقائق لغوية، لم تنقل عن ما وضعتها له العرب، وهو ما ذهب إليه الباقلاني ومن تابعه.
الثاني: إنها مجازات لغوية، وهو قول فخر الدين الرازي، ونقله الزركشي في البحر المحيط عن الإمام الشافعي - ﵀.
الثالث: إنها حقائق شرعية سواء كانت متعلقة بأصول الدين أو بفروع الشريعة، وهو مذهب المعتزلة والخوارج، ومن قال بقولهم.
تحرير محل النزاع: اتفق أهل العلم على أنه إذا وجدت قرينة تبين المراد في الإطلاق، فإنها تحمل عليه، فهي ليست في محل النزاع. فإذن محل النزاع إذا تجرد الاسم عن القرائن.
١ - ذهب المعتزلة إلى حملها على عرف الشرع، فإذا وردت لفظة الصلاة مجردة عن القرينة حملت على العبادة المعروفة ذات الركوع والسجود، وكذلك لفظة الحج تحمل على قصد بيت الله الحرام، وكذلك سائر الألفاظ.
قال أبو الخطاب الكلوذاني في كتابه التمهيد وهو ممن يقول بقول المعتزلة في هذه المسألة" "وفائدة الخلاف أن يخاطبنا الشرع بشيء مثل الصلاة، فإنها عندنا محمولة على الصلاة الشرعية، لا يجوز العدول عن ذلك إلا بدليل وقرينة، وعندهم المراد به الصلاة اللغوية، لا يجوز العدول عنها إلى هذه الشريعة إلا بقرينة".
[ ١ / ١٢٩ ]
٢ - وقال الباقلاني في كتابه هذا - التقريب والإرشاد.
فإن قيل: فما تقولون لو ثبت أسماء شرعية، وإن كانت ألفاظًا لغوية، لكنها منقولة في الشرع إلى أحكام غير التي وضعت لها في حكم اللسان، ثم ورد الشرع بذكرها، هل كان يجب حملها على موجب اللغة أو موجب الشرع؟
قيل: "كان يجب الوقف في ذلك، لأنه يجوز أن يراد بها ما هي له في اللغة، ويجوز أن يراد بها ما هي له في الشرع، ويجوز أن يراد بها الأمران إن كانا مثلين يمكن أن يقعا معًا في وقت واحد أو وقتين. فإن كانا خلافين صح أن يريدهما جميعًا معًا، وإن كانا ضدين صح أن يريدهما على الترتيب، ويجب لتجويز ذلك أجمع الوقف إلى أن يدل دليل على المراد به - على ما نبينه من بعد في حكم المحتمل من الألفاظ".
فخلاصة كلام القاضي أنه ذهب إلى الوقف لوجود الاحتمالات التي ذكرها، فعاملها معاملة المجمل، لأنها لفظ مشترك عنده.
وعاب الإبياري في شرحن البرهان على الباقلاني ما ذهب إليه، فقال: "قول القاضي: إنه مجمل يناقض مذهبه في حجة الأسماء الشرعية - اللهم إلا أن يكون له قول آخر بإثباتها، وإلا فالإجمال مع اتحاد جهة الدلالة محال. أو يكون ذلك منه تفريعًا على قول من يثبتها، وهذا ضعيف. فإنه من أين له الحكم عليهم أنهم يسوون بين النسبة إلى المسمين".
وتعقيبًا على كلام الإبياري أقول: "لقد تقدم في تحقيق الأقوال في المسألة أن ما نسبه إمام الحرمين في البرهان للقاضي أبي بكر الباقلاني
[ ١ / ١٣٠ ]
من عدم تصرف الشرع أدنى تصرف في الألفاظ اللغوية لا بزيادة ولا بنقص مخالف لما صرح به الباقلاني، ونقلته عنه من التقريب، وقد جرى الإبياري في نقده على ما نقله إمام الحرمين عن الباقلاني في البرهان. ولذا ما نقد به الإبياري الباقلاني صحيح لو كان نقل إمام الحرمين لمذهب الباقلاني صحيحًا. ولذا استدرك الإبياري في نقده بعبارة لطيفة، تدل على شدة يقظته، وحدة ذكائه، وذلك لبعد احتمال وقوع الباقلاني في مثل هذا التناقض.
وبناء على ما تقدم أقول: لقد صرح الباقلاني في كتابه هذا بأن المشرع استعمل بعض الألفاظ اللغوية، وتصرف فيها نوعًا من التصرف، ولهذا حكمه عليها بالإجمال متناسب مع مذهبه لترددها بين إرادة المعنى اللغوي والمعنى الشرعي عند إطلاقها. فمثلًا لفظ " الوضوء" هل يراد به الطهارة التي تبيح الصلاة وترفع الحدث، أو يراد به النظافة، وكذلك غيرها. الإبياري معذور في نقده الباقلاني، أو يراد به النظافة، وكذلك غيرها. والإبياري معذور في نقده الباقلاني، لأنه بناء على ما وجده في البرهان، فظنه هو حقيقة مذهب الباقلاني.
٣ - وممن قال بالاجمال القاضي أبو يعلي في العدة حيث قال: "فأما قوله تعالى: ﴿وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكَاةَ﴾ فإن ذلك مجمل، لأن الصلاة في اللغة الدعاء، فكان كما قال تعالى: ﴿ومَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِندَ البَيْتِ إلاَّ مُكَاءً وتَصْدِيَةً﴾ وفي الشريعة هي التكبير والقيام والقراءة والركوع والسجود والتشهد والسلام، ولا يقع على شيء من ذلك اسم الصلاة، فإذا كان اللفظ لا يدل على المراد به ولا ينبئ عنه وجب أن يكون
[ ١ / ١٣١ ]
مجملًا، وكذلك الزكاة في اللغة النماء والزيادة، من قولهم زكا الزرع إذا زاد ونما، والمراد في الشريعة بالزكاة غير ذلك، واللفظ لا يدل عليه ولا بنبئ عنه. وهذا ظاهر كلام أحمد - ﵀ - ذكره في كتاب طاعة الرسول ﷺ. ثم قال: "ومن أصحاب الشافعي من قال: ليس بمجمل، وأن الصلاة في اللغة دعاء، فكل دعاء يجوز إلا أن يخصمه الدليل".
٤ - وقال الغزالي في المستصفي:
"والمختار عندنا أن ما ورد في الإثبات والأمر فهو للمعنى الشرعي، وما ورد في النهي كقوله ﷺ: "دعي الصلاة أيام أقرائك". فهو مجمل.
وبني على قول الغزالي هذا صحة صيام النفل بنية من النهار لقوله ﷺ: "إني إذن صائم" حملا على الصيام الشرعي. أما نهيه ﷺ عن صيام يوم النحر فيكون مجملًا، لأنه في النهي.
قال الآمدي في الإحكام:
"والمختار ظهوره في المسمى الشرعي في طرف الإثبات، وظهوره في المسمى اللغوي في طرف الترك".
[ ١ / ١٣٢ ]
١ - فمن فروع خلافهم هذا اختلافهم في المراد بقوله ﷺ: "الطواف بالبيت صلاة" هل المراد به أن الطواف كالصلاة حكمًا في الافتقار للطهارة، فيكون المراد بالصلاة الصلاة الشرعية، أو أن الطواف يشتمل على الدعاء الذي هو صلاة لغة.
٢ - وكذلك اختلافهم في المراد بقوله ﷺ: "الاثنان فما فوقهما جماعة" هل المراد به أقل عدد تنعقد به الجماعة في الصلاة أو المراد به الجماعة الحقيقية. فذهب جماعة إلى أن لفظ الصلاة، ولفظ الجماعة في الحديثين مجملان، فلا يحمل كل لفظ على أحد معنييه إلا بقرينة، وذهب آخرون إلى أنه أظهر في المعنى الشرعي. فيحمل الحديث الأول على أن الطواف كالصلاة في اشتراط الطهارة ويحمل الثاني على أن أقل عدد يحصل به فضيلة الجماعة هو اثنان.
٣ - وكذلك اختلفوا في قوله ﷺ "توضؤا مما مست النار" هل المقصود به الوضوء الشرعي أو الوضوء اللغوي. فمنهم من قال: إنه مجمل لوجود الاحتمالين، فلا يحمل على أحدهما إلا بقرينة. ومنهم من يرى أنه يحمل على المسمى الشرعي، لأن حمل لفظ المشرع على عرفه أظهر.
[ ١ / ١٣٣ ]
٤ - وكذلك اختلفوا في المراد من قوله ﷺ: "لا ينكح المحرم ولا ينكح". فذهب أصحاب أبي حنيفة إلى أن المراد به المعنى اللغوي، وهو الوطء ومنه قول الشاعر:
كبكر تريد لذيذ النكا ح وتهرب من صولة الناكح
ولذا ذهب الحنفية إلى أنه يحرم الوطء على المحرم ولا يحرم عليه العقد.
وذهب المالكية وغيرهم إلى حمل النكاح في الحديث على العقد، ولهذا ذهبوا إلى تحريم العقد أيضًا، وذلك لأن حمل كلام المشرع على المعنى الشرعي أظهر.
٥ - وكذلك اختلفوا في المراد بقوله تعالى: ﴿ولا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾. فحمل الحنيفة كلمة (ما نكح) على معناها اللغوي، وهو الوطء فيكون المعنى لا تطؤا ما وطأها الأب بزنى أو غيره، ولذا من زنى بها الأب فهي موطوءة له.
وذهب الشافعية وغيرهم إلى أن المراد بالنكاح في الآية العقد، لأن النكاح حقيقة شرعية، ولفظ الشرع يحمل على المعنى الشرعي، ولذا فإن الزنى لا يوجب حرمة المصاهرة عندهم.
[ ١ / ١٣٤ ]