استدل من توسيط بين المذهبين سواء صرح بالنقل مع وجود علاقة، أو أثبت تصرف المشرع، ولكن لم يسمه نقلًا. وبعض أصحاب هذا القول مثل فخر الدين الرازي اقتصر على تسميتها مجازات لغوية، وبعضهم قال: إن هذه المجازات اللغوية اشتهرت حتى أصبحت المعاني المجازية هي المتبادرة إلى الذهن. وبذلك أصبحت حائق شرعية.
ويمثل هذا الرأي الوسط جماهير الأصوليين منهم الشافعي وإمام الحرمين والغزالي وابن برهان وغيرهم. وقد أنكر هؤلاء على أصحاب القول بالنقل للألفاظ اللغوية من اللغة إلى الشرع، نقلًا بدون علاقة، وهم المعتزلة، كما تقدم في إجابتهم عن أدلة المعتزلة. وأنكر على من أنكر تصرف المشرع في بعض الألفاظ بنوع من التصرف، سواء سموه نقلًا لوجود علاقة، أو لم يسموه نقلًا.
وقال هؤلاء: إن الموضوعات الشرعية مسميات لم تكن معهودة من قبل، فلابد لها من أسماء تعرف بها تلك المسميات. وهذا التصرف الذي حدث من المشرع فيها لا يخرج عن حالتين:
[ ١ / ١٢٢ ]
أولهما: تخصيص اللفظ ببعض المسميات، كما فعل أهل اللغة في الألفاظ العرفية، كلفظ الدابة: ولم ينكر أحد هذا التصرف. ومثله فعل المشرع في لفظ الحج والصوم والإيمان. حيث استعملها في معان لها علاقة بمعناها اللغوي. فهو ليس نقلًا كليًا للفظ. كما يقول المعتزلة، بل يوجد ارتباط وعلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي.
ثانيهما: إطلاق أهل اللغة الاسم على ما يتعلق به ويتصل به، كتسميتهم الخمر محرمة، وفي الحقيقة المحرم شربها. وكذلك تصرف المشرع في لفظ الصلاة بعد أن كانت لا يفهم منها إلا الدعاء، أصبحت في الشرع تدل عليه وعلى غيره معه من تكبير وقراءة وركوع وسجود وقيام، وكل ما أدخله عرف الشرع في معناها.
وبذلك أثبت أصحاب هذا القول تصرفًا للمشرع في بعض الألفاظ، ولكن انكروا على المعتزلة ما ذهبوا إليه من القول بالنقل بدون ارتباط أو علاقة.
ومما أنكر به أصحاب هذا القول على من لم يُثبت للمشرع تصرفًا ما قاله الغزالي: "إنه لا سبيل إلى إنكار تصرف الشرع في هذه الأسامي، ولا سبيل إلى دعوى كونها منقولة عن اللغة بالكلية كما ظنه قوم". ثم قال: "فتسليم هذا القدر من التصرف بتعارف الاستعمال للشرع أهون من إخراج السجود والركوع من نفس الصلاة، فما أحدثه الشرع من عبادات ينبغي أن تكون لها أسماء معروفة، ولا يكون ذلك إلا بنوع تصرف في الألفاظ اللغوية".
وأما إمام الحرمين فعبارته في حق الطرفين حادة كعادته. فقال في شأن المعتزلة، ومن قال بقولهم: "ومن قال: إنها نقلت نقلًا كليًا، فقد
[ ١ / ١٢٣ ]
زل، فإن في الألفاظ الشرعية اعتبار للمعاني اللغوية". وقال في حق الباقلاني ومن تابعه: "أما القاضي - ﵀ - فإنه استمر في لجاج ظاهر، فقال في الصلاة إنها الدعاء، وطرد ذلك في الألفاظ التي فيها الكلام، وهذا غير سديد".
والذين لم يعبروا عن تصرف المشرع بالنقل احتجوا:
١) - بأن النقل خلاف الأصل.
٢) - التجوز في استعمال اللفظ أو قصره على بعض معانيه لا يسمى نقلًا، لأنه كفعل أهل العرف. ولم يسم أهل العرف ما فعلوه نقلًا.
٣) - لم يسموه نقلًا كرد فعل على مذهب المعتزلة والخوارج، الذين تشددوا في تسميته نقلًا. ولما ترتب على قول المعتزلة في بدعة الطعن على الصحابة بقولهم إن الإيمان الذي حدث منهم هو الإيمان اللغوي. ولم يحدث منهم الإيمان الديني.