تحت التكليف وما ليس بداخل تحته
اعلموا - أحسن الله توفيقكم - أن أحكام جميع الأفعال/ ص ٤٣ لا تخرج عن حكمين عقلي وشرعي لا ثالث لهما:
فأما الأحكام العقلية الثابتة لها فهي التي تكون عليها في ذواتها من الأحكام والصفات إما لأنفسنا وما هي عليه من أجناسها التي خلقها الله ﷿ عليها، أو لمعان تتعلق بها ضربًا من التعلق.
فالأول: نحو كون الفعل حركة وسكونًا وإرادة وعلمًا ونظرًا وأمثال ذلك.
والثاني: نحو كون الفعل مقدورًا ومعلومًا ومدركًا ومرادًا ومذكورًا، وأمثال هذا مما يوصف به لتعلق العلم والإرادة والقدرة والذكر بها، وكذلك وصفها بأنها أعراض وحوادث وموجودة - وغير باقية، ونحو هذا إنما هي أحكام عقلية، ولا يجوز أن يثبت لها حكم عقلي لمعان توجد بها وتختص بذواتها لكونها أعراضًا يستحيل حملها لأمثال لها من الأعراض، وذلك نحو استحالة وصفها بأنها متحركة وساكنة وحية وعالمة مريدة، وأمثال ذلك، وكل
[ ١ / ٢٧٠ ]
الأحكام التي قدمنا ذكرها أحكام عقلية غير شرعية.
ومعنى إضافتها إلى العقل أنها مما يعلم كون الفعل عليها بقضية العقل المنفرد عن السمع وقبل مجيء السمع، وكل حكم للفعل علم من هذا الطريق مما ذكرنا وأضربنا عن ذكره فإنه حكم عقلي ليس بشرعي، ولا نعني بذلك أنه لا يصح أن يرد الشرع بالإخبار عن كونها كذلك وتأكيد أدلة العقل على أحكامها، وإنما نعني أنها مما يعلم بها عقلًا، وإن لم يرد السمع، وقد دخل في هذه الجملة سائر أفعال العباد المكلف منهم وغير المكلف، وأفعال سائر الحيوان - أيضًا - لأنها كلها لا تنفك من الأحكام التي ذكرناها.
والضرب الآخر من أحكامها أحكام شرعية، وهي التي تختص بها أفعال المكلفين من العباد دون غيرها، وذلك نحو كون الكسب حسنًا وقبيحًا ومباحًا ومحظورًا وطاعة وعصيانًا وواجبًا وندبًا وعبادة لله وقربة وحلالًا وحرامًا ومكروهًا ومستحبًا، وأداء وقضاء ومجزئًا صحيحًا وفاسدًا وعقدًا ماضيًا نافذًا صحيحًا أو باطلًا وفاسدًا فكل هذه/ ص ٤٤ الأحكام الثابتة للأفعال شرعية، لا سبيل إلى إثبات شيء منها والعلم به من ناحية قضية العقل، وهذا هو معنى إضافتها إلى الشرع، لا معنى لها سوى ذلك، غير أنه لا يمكن أن يعرف أحكامها الشرعية إلا كامل العقل ومستدل بعقله على صحة السمع، وصدق مورده، وتلقي التوقيف على هذه الأحكام من جهته، ولولا ورود السمع بها لما علم بالعقل شيء منها لما نبينه وندل عليه من بعد.
[ ١ / ٢٧١ ]
فإن قال قائل، فإذا صح عندكم ورود السمع بالأخبار عن هذه الأحكام العقلية وكونه طريقًا إلى العلم بها أو إلى تأكيد العلم بها كما يصح أن يعلم عقلًا، فلم قلتم هي عقلية دون أن تقولوا هي أحكام شرعية أو تقولوا هي عقلية شرعية لحصول العلم بها من الطريقتين؟
يقال له، أما من قال لا تعلم أحكامها هذه بالسمع، وإنما يجب أن تعلم عقلًا، وإنما يرد السمع بتأكيد أدلة العقل فقد يسقط عنه هذا الإلزام، لأنه يجعل معنى هذه الإضافة إلى ما يعلم الحكم به، وإن لم يكن بسمع، وإذا لم يقل ذلك، قلنا: إنما وجه إضافتها إلى العقل دون السمع أمران:
أحدهما: إنها أحكام معلومة بالعقل قبل ورود السمع، ولو لم يرد سمع أصلًا لكانت إضافتها لذلك إلى العقل أولى.
والوجه الآخر: إنها تعلم بالعقل لو لم يرد السمع، ولا يصح أن تعلم بالسمع لو لم تثبت بالعقل، فصارت إضافتها لأجل ذلك إلى العقل أولى.
فأما قول المطالب فهلا قلتم إنها شرعية عقلية، فإن أراد به أنها لا تعلم إلا باقتران العقل والسمع أو بكل واحد منهما وإن لم يحصل الآخر، فذلك باطل، لأنها تعلم وإن لم يقترنا وتعلم بمجرد العقل لو فرض عدم السمع، ولا يصح أن تعلم بالسمع لو فرض عدم العقل.
[ ١ / ٢٧٢ ]
فإن أراد بذلك أنها تعلم عقلًا ويصح أن تعلم سمعًا أو يؤكد السمع الأدلة العقلية عليها كان ذلك صحيحًا، ولا معتبر بالعبارات والإطلاقات.
[ ١ / ٢٧٣ ]
باب