بدأ القاضي الباقلاني - ﵀ - طلب العلم في مسقط رأسه - البصرة - ثم رحل إلى بغداد، ونهل العلم على طائفة من العلماء الأفذاذ سنترجم لطائفة منهم ممن بلغنا أنه أخذ عنهم العلم. ذكر الخطيب البغدادي في تاريخه أنه أخذ الحديث عن أبي بكر بن مالك القطيعي وأبي محمد بن ماسي وأبي أحمد الحسين بن علي النيسابوري، وأخذ علم النظر عن أبي عبد الله بن مجاهد الطائي. فذكر ابن السبكي في طبقاته أنه تتلمذ - أيضًا - على أبي الحسن الباهلي إلا أنه كان أخص بأبي عبد الله بن مجاهد، فأما الاستاذ أبو إسحاق وابن فورك فكانا أخص بالباهلي. وفيما يلي تراجم لبعض من بلغنا أن الباقلاني أخذ عنهم:
١ - ابن مجاهد: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن مجاهد الطائي، صاحب أبي الحسن الأشعري. قدم من البصرة، وسكن بغداد، ودرس عليه الباقلاني الأصول والكلام، كان حسن السيرة والتدين. كان فقيهًا حافظًا متقنًا. له تصانيف كثيرة في أصول الدين. ذكر ابن السبكي وغيره أن الباقلاني تتلمذ عليه. توفي بعد سنة ٣٦٠ هـ.
٢ - أبو الحسن الباهلي البصري صاحب أبي الحسن الأشعري: كان رئيسًا مقدمًا عند الإمامية أولًا، فانتقل لمذهب الأشعري بسبب مناظرة
[ ١ / ٢٧ ]
جرت له مع الشيخ أبي الحسن الأشعري ألزمه فيها الحجة. نشر علم أبي الحسن الأشعري في البصرة. كان من عادته أن يحتجب في درسه عن تلاميذه، وكذلك عن جاريته التي تخدمه، وعن كل الناس، فيرخي الستار بينه وبينهم. وسئل عن سبب ذلك فقال: "إنكم ترون السوقة، وهم أهل الغفلة فتروني بالعين التي ترون أولئك بها". وقال القاضي الباقلاني: كنت أنا وأبو إسحاق الاسفرائيني وابن فورك معًا في درس الشيخ الباهلي، وكان يدرس لنا في كل جمعة مرة واحدة، وكان منا في حجاب يرخي الستر بيننا وبينه. توفي الباهلي سنة ٣٧٠ هـ.
٣ - أبو بكر الأبهري: محمد بن عبد الله شيخ المالكية في عصره. أخذ عنه خلق كثير منهم الباقلاني، الذي صحبه وأطال صحبته. أخرج في آخر حياته ثلاثة آلاف مثقاف فوزعها على تلاميذه. أعطى الباقلاني منه مائة مثقال. ذكر ابن النديم في الفهرست أن مولده بأبهر بأرض الجبل سنة ٢٨٧ هـ. وتوفي يوم السبت الخامس من شوال سنة ٣٧٥ هـ. له شرح كتاب ابن عبد الحكم الصغير، وكذلك الكبير. وله كتاب الرد على المزني، وكتاب فضل المدينة على مكة، وكتاب في أصول الفقه.
٤ - أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي. ولد سنة ٢٧٤ هـ، وتوفي سنة ٣٦٨ هـ. كان يسكن قطيعة الدقيق في بغداد. وهو راوي مسند الإمام أحمد، رواه عنه الدارقطني، وأبو حفص بن شاهين، وغيرهما. أخذ عنه الباقلاني الحديث، كما ذكر الخطيب البغدادي في تاريخه.
[ ١ / ٢٨ ]
٥ - أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن أيوب بن ماسي. ولد سنة ٢٧٤ هـ. وتوفي سنة ٣٦٩ هـ. وهو محدث ثقة ثبت. ذكر الخطيب البغدادي أنه أخذ عنه الحديث.
٦ - أبو عبد الله محمد بن خفيف الشيرازي، المتوفي سنة ٣٧١ هـ. كان من أولاد الأمراء فتزهد حتى بلغ الذروة في الزهد. كان صاحب أحوال ومقامات، وهو من أعيان تلاميذ أبي الحسن الأشعري. أصبح شيخ فقهاء الشافعية في بلاد فارس. كان عظيم التمسك بالكتاب والسنة. ازدحم الناس على جنازته يوم وفاته حتى صلوا عليه مائة مرة. أخذ عنه الباقلاني أصول الفقه.
٧ - أبو أحمد الحسين بن علي النيسابوري، ولد سنة ٢٩٣ هـ، وتوفي سنة ٣٧٥ هـ. محدث حجة. قال الحاكم: صحبته حضرًا وسفرًا نحو ثلاثين عامًا فما رأيته ترك قيام الليل. أخذ عنه الباقلاني الحديث.
٨ - أبو أحمد الحسن بن عبد الله العسكري. ولد سنة ٢٩٣ هـ، وتوفى سنة ٣٨٢ هـ. إمام في الأدب. وصاحب أخبار ونوادر. له شعر جيد. حرص الصاحب ابن عباد على لقياه، فلم يظفر بذلك. أخذ عنه الباقلاني مسائل في النقد والبلاغة.
٩ - أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني المالكي المتوفي في سنة ٣٨٦ هـ. فقيه، نظار، حافظ، حجة. جامع مذهب مالك، وشارح أقواله. إمام المالكية في عصره. كان واسع العلم كثير الحفظ والرواية. يجيد
[ ١ / ٢٩ ]
الشعر مع صلاح وورع وعفة. كان يلقب بمالك الصغير. حاز رئاسة الدين والدنيا، فعرف قدره الأكابر. أخذ عنه الباقلاني الفقه. دفن بداره في القيروان.
١٠ - أبو الحسين بن سمعون محمد بن أحمد بن اسماعيل البغدادي. الواعظ، صاحب الأحوال والمقامات، كان لطيف العبارة، حسن الوعظ، اشتغل الناس بتدوين حكمه وجمع كلامه. ومن لطيف كلامه ما رواه عنه الصاحب بن عباد، حيث قال: سمعت ابن سمعون وهو يقول: "سبحان من أنطق باللحم، وبصر بالشحم، واسمع بالعظم" وذكر ابن عساكر في تبيين كذب المفتري أن الأستاذ أبا إسحاق الاسفرائيني والباقلاني كانا يأتيناه فيقبلان يده. ولد ابن سمعون سنة ٣٠٠ هـ، وتوفي سنة ٣٨٧ هـ.
١١ - محمد بن عمر البزاز، المشهور بابن بهتة. المتوفى سنة ٣٧٤ هـ.
[ ١ / ٣٠ ]
المبحث الرابع