قولنا واجب وفرض ولازم وحتم واحد. أما ما يقوله أهل العراق من أن في الواجب ما ليس بفرض، وإن كان كل فرض واجبًا فإنه قول لا وجه له.
[ ١ / ٢٩٤ ]
ولو أنهم قالوا: إن من الفرض ما ليس بواجب لكان ذلك أولى وأقرب، لأن الفرض هو التقدير مأخوذ ذلك من فرض القوس ومن فرائض الصدقة، وفرائض المواريث الذي هو تقدير الواجب منها. وقد يقدر النفل من الفعل، وتمتيع المطلقة، وغير ذلك فلا يكون واجبًا لتقديره ويوصف بأنه فرض. والواجب اللازم الذي لا محيد عنه مأخوذ ذلك من وجوب الحائط إذا سقط، وليس كل فرض واجبا فصار قلب ما قالوه أولى.
وأعلموا - وفقكم الله- أنه ربما حصل الخلاف في ذلك خلافًا في عبارة، وربما حصل في معني. فالخلاف في العبارة أن يقولوا نريد بقولنا: الوتر واجب وليس بفرض، أنه سنة مؤكدة. وأن الثواب عليها والمدح لفاعلها أكثر منه ما قصر عن رتبته، وهذا صحيح غير منازع فيه، لأنه لا خلاف في أن / ص ٧ من المسنون ما بعضه آكد من بعض وأجزل ثوابًا.
وأما الخلاف في المعني فهو ما حصله متأخروهم من أن معني الواجب الذي ليس بفرض أنه ما علم وجوبه من وجه وطريق غير مقطوع به علي الله تعالي، ولا يكفر من أنكره ورده. والواجب الفرض كالصلوات الخمس، وكل ما علم وجوبه بطريق يقطع به على الله تعالي ويكفر من جحده ورده. ويخرج بجحده عن طريقة التأويل، وهذا خطأ من قولهم، لأجل أن قول القائل القائل إن وجوب الشيء معلوم بطريق لا يقطع به على الله خطأ، وذلك لأن ما علم وجوبه فلن يجوز أن يكون طريق العلم بوجوبه إلا ما يقطع به على الله
[ ١ / ٢٩٥ ]
تعالى، وكل طريق للعلم بحكم من الأحكام واجبًا كان أو ندبًا أو مباحًا، فإنه لا يكون إلا معلومًا مقطوعًا به على الله تعالي.
فقولهم "هو ما علم وجوبه" يقتضي العلم بوجوبه والقطع به علي الله تعالي. وقولهم. " من طريق لا يقطع به علي الله تعالي" نقض لقولهم: "إن وجوبه معلوم" فبان ظهور الغلط في هذا الكلام وكل طريق ليقطع بموجبه علي الله تعالي، فهو طريق للظن لوجوبه لا للعلم بذلك من حاله.
فإن قالوا. لم نرد هذا، وإنما أردنا أن من الواجبات ما يعلم وجوبه ضرورة من دين النبي ﷺ كالحج والصلوات الخمس، ومنه ما يعلم وجوبه بدليل لا يكفر من رده وتأوله وجهل موجبه لموضع خفائه والتباسه كوجوب العمل بخبر الواحد والقياس في الأحكام، والحكم بصحة الإجماع ووجوب/ ص ٥٨ الوتر ونحوه، فهذا واجب وليس بفرض، لأن الدليل علي وجوبه مشتبه، والأول غير ملتبس ولا مختلف فيه.
يقال لهم، أما فصلكم بين ما علم وجوبه ضرورة من دين النبي ﷺ وبين ما علم وجوبه بدليل، وبين ما علم بجلي من الأدلة متفق عليه، وبين ما علم بطريق ملتبس فأمر لا خلاف فيه بين أهل العلم،
وأما قولكم. إن ما علم وجوبه بطريق ملتبس ومختلف فيه واجب ليس بفرض فإنه غلط، لأن الواجب إذا كان واجبًا في نفس يلحق المأثم بتركه سواء كان الطريق إلي وجوبه جليًا أو خفيًا ملتبسًا أو واضحًا مختلفًا فيه أو متفقًا عليه، فلا معتبر بطريق العلم إلي وجوبه وإن اختلفت في مراتبها ونصيتها. وإنما المعتبر بكون الشيء مفروضًا في نفسه، ولا يجب أن يكون
[ ١ / ٢٩٦ ]
ما علم وجوبه من دين النبي ﷺ بدليل يمكن التأويل في مثله والغلط في اعتقاد موجبه، وما علم بالخفي من الأدلة وبالجلي منها مخالف في كونه واجبًا فرضا لما علم وجوبه من دينه ﷺ ضرورة وباتفاق من الأمة، بل هما واجبان مفروضان وإن اختلفت الطرق إلي العلم بوجوبها.
وفعلهم هذا يوجب أن لا يكون الفرض من دين الرسول ﷺ إلا ما علم وجوبه ضرورة، وباتفاق من الأمة، وطريق غير سائغ فيه التأويل.
وهذا يوجب أن [لا] يكون فرض العامي الرجوع إلي قول المفتي، لأن ذلك مختلف فيه، ولا يكون فرض العالم العمل بالقياس وخبر الواحد والإجماع والعموم، لأن ذلك مختلف فيه وغير معلوم صحته بضرورة ولا اتفاق.
وأن لا يكون ترك استباحة الدار وقتل الذراري والأطفال فرضًا في الدين لأنه مختلف فيه، والخوارج متأولة في دفعه وغير عالمة بتحريمه ضرورة.
ويجب - أيضًا- أن لا يكون اعتقاد التوحيد والنبوة فرضًا، لأنه ليس بمعلوم ضرورة والدليل /ص ٥٩ عليها أخفي وأشد التباسا، ولما بطل هذا أجمع بطل ما قالوه.
ولو سلمت دعواهم هذه لساغ لغيرهم أن يقول إن الواجب الذي ليس
[ ١ / ٢٩٧ ]
بفرض ما علم ضرورة وبطريق غير مختلف فيه. والواجب الفرض ما علم بطريق تحتمل التأويل، ولا يكفر من رده فلا يجدون في ذلك فصلًا.
وقد حكي عن قوم أنهم قالوا: الفرض من الواجبات: " ما نطق القرآن بوجوبه دون ما تقرر وجوبه بسنة الرسول ﷺ عن وحي ليس بقرآن، وما وقع باجتهاده ﷺ. وهذا باطل، لأن القرآن قد نطق بالندب في الأفعال- كما نطق بالواجب الفرض- في قوله تعالي ﴿وَافْعَلُوا الخَيْرَ﴾ ﴿وأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ ﴿ومَتِّعُوهُنَّ عَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ في أمثال هذا.
ونطقت السنة بالواجب الفرض من فرض النية في الصلاة، وتقدير دية الأصابع، ووجوب الدية علي العاقلة. ووجوب كثير من قصاص الجنايات، إلي ما يكثر تتبعه من الفرائض الثابتة بالسنة، فبطل ما قالوه، وثبت أن الواجب هو الفرض.
[ ١ / ٢٩٨ ]
باب