اعلموا أنها في الأصل على ضربين:
فضرب منها كسب لعاقل مكلف، والضرب الثاني كسب لغير عاقل، فالعاقل منهم الملائكة والجن والبالغون من الإنس غير المنتقصين، والذي ليس بعاقل منهم البهائم والأطفال والمنتقصون من البله والمجانين، وأفعال هؤلاء باتفاق غير داخله تحت التكليف لخروجهم عن العقل والتمييز وصحة تلقي التعبد والعلم به وقصد ما يكلفونه بعينه، ولسنا نعني بزوال التكليف عنهم فيها إلا ترك المطالبة لهم بالاجتناب لها أو الإقدام عليها، وحصول وعد ووعيد وثواب وعقاب ومدح وذم عليها، ولا نعني به سقوط أحكام شرعية تجب فيها على ولي الطفل والمجنون، وصاحب البهيمة وقائدها من ضمان جناية، وغرم متلف، وقيمة أرش ووجوب زكاة في مال، غير أن لزوم ذلك لوليهما ليس بأمر وخطاب لهما، وإنما هو تكليف لغيرهما.
فصل
ولو حصل لبعض من لم يبلغ الحلم عقل البالغين لصح تكليفه التوحيد مما دونه، وغير محال في العقل حصول بعضهم كذلك، غير أنه معلوم بالسمع أنه لا يحصل لأحد منهم بدلالة وهي قوله ﷺ: "وعن الطفل حتى يبلغ".
[ ١ / ٢٣٦ ]
ففي رفع القلم عنه دليل على عدم تمييزه لما يعرفه العقلاء، وسقوط فرائض الدين عنه من الصيام والجهاد وغير ذلك دليل على ما قلناه، وهذا مما سبق الإجماع عليه قبل خلاف من يحكي ذلك عنهم من أهل العراق وغيرهم.
فأما تعلقهم في ذلك بوجوب ضربهم على الصلاة لعشر، ولزوم غرم الجنايات في أموالهم، والزكوات على قول بعضهم، وإجزاء صلواتهم إذا
[ ١ / ٢٣٧ ]
فعلت بشروطها عند دخول وقت الصلاة وقبل بلوغهم وسقوط الفرض بها عنهم/ ص ٢٩، وأن ذلك دليل على أنهم مكلفون ومخاطبون، فإنه تعلق باطل.
فأما ضربهم عليها لعشر، فمن تكليف الأب والولي لينشئا الطفل عليها ويألف إيقاعها، وأما لزوم الغرم والزكاة فمما يلزم الولي دون الطفل.
وأما قول من زعم أن صلواته قبل بلوغه إذا فعلت في الوقت بشروطها أجزأت عن الصلاة الواجبة عليه عند البلوغ فإنه لا حجة فيه، لأنه لا يمتنع أن يسقط عنه الفرض إذا بلغ بسبب فعل مثله قبل بلوغه وإن لم يكن ما فعله واجبًا، إذا دل السمع على أنه قائم مقامه، كما يقول بعض الفقهاء إن الصلاة المفعولة في أول الوقت نفل ليس بفرض وإن سقط بها الفرض عند وجوبه وتضيقه، فبطل ما قالوه، وثبت أن الطفل غير مكلف على وجه.
[ ١ / ٢٣٨ ]
باب