ذكر القاضي عياض في ترتيب المدارك للباقلاني ثمانية كتب في أصول الفقه. الذي يغلب على ظني أنها على وجه الحقيقة خمسة. ويكون قد كرر ثلاثة منها لتعدد تسميتها، وهو أنه ورد تسميتها تارة بكتاب الأصول الكبير، وكتابه الأوسط وكتابه الصغير، ووردت مرة أخرى باسم التقريب والإرشاد الكبير والأوسط والصغير. أما الكتابان الآخران لم يحدث فيهما تعدد الاسم وهما: المقنع في أصول الفقه وكتاب أمالي إجماع أهل المدينة.
والباقلاني - ﵀ - اشتهر عنه بسط العبارة في مؤلفاته، كما غلب عليه الاستطراد في نصب الحجج والبراهين بما لا تحتاج كتبه معه إلى شرح وتوضيح. وهذا شأن الباقلاني حتى في مناظراته، كما أورد ذلك عنه كل من ترجم له. فنقل القاضي عياض في ترتيب المدارك قول معاصريه فيه، فقال: "كان القاضي أبو بكر يهم أن يختصر ما يصنفه فلا يقدر لسعة علمه وحفظه".
ويقول اليافعي في مرآة الجنان: "وكان ذا باع طويل في بسط العبارة مشهورًا بذلك حتى أنه جرى بينه وبين أبي سعيد الهاروني مناظرة يومًا، فأطال القاضي أبو بكر فيها الكلام ووسع في العبارة، وزاد في الإسهاب، وبالغ في الإيضاح والإطناب، ثم التفت إلى الحاضرين، وقال: اشهدوا على أنه إن أعاد ما قلت، لا غير، لم أطالبه بالجواب".
[ ١ / ٩٨ ]
وقال ابن خلكان في وفيات الأعيان: "وكان كثير التطويل في المناظرة مشهورًا بذلك عند الجماعة".
وقد ذكر أبو المظفر الاسفرائيني في كتابه التبصير في الدين "إن كتاب الباقلاني الكبير في الأصول اشتمل على عشرة آلاف ورقة".
وبعد أن ألفه شعر القاضي الباقلاني لطول الكتاب أنه بحاجة إلى اختصار، فاختصره في الأوسط. ثم شعر ثانية أنه في حاجة إلى اختصار، فاختصره في الصغير - وهو الذي بين أيدينا - وهذا الكتاب ذكر ابن السبكي أنه كان عنده في أربع مجلدات. ومعظم من ينقل آراء الباقلاني ينقلها منه، ولذا كان أكثر تداولًا من الكبير والأوسط.
ولم يبلغني أن أحدًا شرح الكتاب الذي بين أيدينا، وذلك لأنه مبسوط العبارة مع أنه مختصر لكتابه الكبير. ولذا فإن كتابه الكبير يقوم مقام الشرح له، ولذا كان يحيل عليه وعلى الأوسط في كتابه الذي بين أيدينا. وحتى ولو قدر له أن شرح، فلا يتصور أن يكون في قيمة أصله، لأن خير من يشرح عبارة مؤلف من المؤلفات هو مؤلفه، لأنه أعلم بمقصوده.
والكتاب الذي بين أيدينا مع أنه مختصر لكتاب من قبل مؤلفه، فهو أيضًا أشد حاجة من الشرح إلى ربط أفكاره بعضها مع بعض، لأن طوله قد ينسي المتأخر المتقدم. كما أنه بحاجة إلى بيان مواضع الإحالات الكثيرة، التي كان يحيلها على كتبه الأخرى الأصولية وغيرها.
وشعر إمام الحرمين الجويني - ﵀ - أن الكتاب بحاجة إلى اختصار، ولذا قام بالمهمة فاختصره قبل أن يصنف كتابه "البرهان" الذي
[ ١ / ٩٩ ]
استقلت فيه شخصيته العلمية، والذي أكثر فيه من مخالفة القاضي الباقلاني، وقد سمى إمام الحرمين المختصر ب "تلخيص التقريب".
وتلخيص التقريب عندي صورة لمخطوطته في ٢١٠ ورقات، كل ورقة فيها خمسة وعشرون سطرًا. وهي مكتوبة بخط دقيق. وفي هوامشها مقابلات. وبأولها تمزيق وسقط لعبث الأرضة بها في أكثر من عشرين ورقة من أولها. وسقط من وسطها ورقة كاملة لعلها من المصور. ويوجد للمخطوط صورة في قسم مخطوطات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة برقم (١٨٧٢) والأصل موجود في جامع المظفر بتعز بالجمهورية اليمنية برقم (٣١٤).
وبمقابلة الكتاب الذي بين أيدينا بكتاب إمام الحرمين وجدت أنه اختصره إلى النصف تقريبًا. وقد كان في اختصاره له مقرًا لأقواله قلما يخالفه في رأي كسائر المبتدئين في متابعة من يشتغلون بكتبهم. وهذا كان هو شأن الغزالي مع إمام الحرمين، كان متابعًا له في كتابه المنخول. ولكن لما نضج فكره واستقلت شخصيته وألف المستصفى خالف إمام الحرمين في كثير من اختياراته.
وكثير ممن ينقل آراء الباقلاني من المتأخرين يعتمد في نقلها على "تلخيص التقريب" لإمام الحرمين. وقد حدث خلط من بعض الأصوليين بين كتاب إمام الحرمين " التلخيص" وبين الكتاب الذي نحققه، لأن بعض الأصوليين يطلق على هذا الكتاب "مختصر التقريب" وبعضهم يقرن اسم الكتاب باسم المؤلف فيقرنه بإمام الحرمين، أو بالباقلاني، فيكون تمييزًا لأحدهما عن الآخر.
[ ١ / ١٠٠ ]
المبحث الخامس