مذهبه العقدي:
الذي عليه عامة أصحاب كتب التراجم أن أبا بكر الباقلاني كان أشعريًا. ومصنفاته قاطبة تؤيد ذلك. بل كان أعظم أتباع أبي الحسن الأشعري على الإطلاق. وكان المنافح عن مذهبه في زمانه، والمناظر لخصوم الأشاعرة، فلا تجد فصلًا من كتبه إلا وفيه رد على المعتزلة أو نقص لمذهبهم، سواء في كتبه الكلامية أو كتبه الأصولية. وألف العديد من الكتب في تأصيل مذهب الأشاعرة، أو إتمام الجوانب التي لم تكن واضحة في مذهبهم.
ولكن ابن تيمية - ﵀ - وتلميذه ابن القيم يريان أن القاضي الباقلاني يخالف الأشاعرة في بعض القضايا العقائدية الهامة، منها أنه كان يثبت الصفات الخبرية، ومنها إثبات اليد والوجه.
ذكر ابن تيمية - ﵀ - في كتاب "الفتاوي الحموية الكبرى" أن أبا بكر الباقلاني قال في كتابه "الإبانة" تصنيفه: "فإن قال قائل: فما الدليل على أن لله وجهًا ويدًا؟ قيل له: قوله تعالى: ﴿ويَبْقَى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرَامِ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾. فأثبت لنفسه وجهًا ويدًا".
[ ١ / ٣٩ ]
ونقل ابن القيم - ﵀ - في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية" ما نسبه ابن تيمية للباقلاني، ولكن نسبه لكتابه التمهيد.
وفعلًا فقد وجدت في التمهيد ما نسبه له ابن تيمية وتلميذه ابن القيم حيث قال: "باب في أن لله وجهًا ويدين. فإن قال قائل: فما الحجة في أن لله ﷿ وجهًان ويدين؟ قيل له: قوله تعالى: ﴿ويَبْقَى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرَامِ﴾. وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾. فأثبت لنفسه وجهًا ويدين" ثم أنكر الباقلاني قول من أول اليد في هذه الآية بالقدرة أو النعمة.
وبناء على ما تقدم من نقل شيخ الإسلام عنه من كتابه "الإبانة" المفقود حتى الآن. وما هو موجود فعلًا في كتابه "التمهيد" يظهر أن الباقلاني لا يوافق الأشاعرة في نفي بعض الصفات. ولا يؤول النصوص الواردة فيها.
ولكن عدم تأويله للنصوص لم يطرد فقال في كتابه "التمهيد" بالنسبة لصفتي الغضب والرضى "فإن قال قائل: فهل تقولون إنه تعالى غضبان، راض، وأنه موصوف بذلك؟ قيل له: أجل، وغضبه على من غضب عليه ورضاه على من رضي عنه هما: إرادته لإثابة المرضى عنه، وعقوبته للمغضوب عليه لا غير ذلك".
ونقل ابن تيمية - ﵀ - عن الباقلاني في كتابه "الفتاوى الحموية" أن الباقلاني ذكر في كتابه "الإبانة": "فإن قيل، فهل تقولون إنه في كل مكان؟ قيل له: معاذ الله، بل هو مستو عل عرشه، كما أخبر
[ ١ / ٤٠ ]
في كتابه، فقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ وكذلك فعل تلميذه ابن القيم في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية".
أما كتاب الإبانة للباقلاني فلا يعلم مكانه للتأكد من صحة النقل. ولكنه يوجد له كتاب اسمه الإبانة على ما في ترتيب المدارك. وما نقلاه موجود في كتاب "الإبانة" لأبي الحسن الأشعري والموجود في كتب الباقلاني المطبوعة يخالف ما نقله ابن تيمية وتلميذه - رحمهما الله.
يقول الباقلاني في الإنصاف: إن الله جل ثناؤه مستو على العرش مستول على جميع خلقه، كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى﴾ بغير مماسة ولا كيفية ولا مجاورة. وأنه في السماء إله وفي الأرض إله.
وقال الباقلاني في الصفحة الرابعة والستين من الإنصاف: إنه تعالى متقدس عن الاختصاص بالجهات، وكذلك لا يوصف بالتحول والانتقال، ولا القيام ولا القعود إلى أن قال: ولا نقول: إن العرش له قرار ولا مكان، لأن الله تعالى كان ولا مكان".
وبناء على ما تقدم فإن كتب الباقلاني التي بين أيدينا تخالف ما نقله عنه ابن تيمية وتلميذه رحمهما الله تعالى. ولو صح نقلهما عنه لأثلج صدر
[ ١ / ٤١ ]
كل مؤمن يعتقد المعتقد الصحيح. والذي يظهر لي إما أن يكون ما نقلاه موجود فعلًا في كتابه الإبانة، ويكون بذلك قد رجع عما في كتبه التي بين أيدينا إن كان متأخرًا عنها. أو أنه رجع عما في الإبانة إن كانت الإبانة متقدمة. أو أنهما التبس عليهما كتاب أبي الحسن الأشعري الموجود فعلًا فيه هذا الكلام بكتاب الباقلاني. وهذا الاحتمال هو الأرجح في ظني. والله أعلم. لأن أتباعه لم ينسبوا هذا القول له مع شدة حرصهم على نقل أقواله وتدوينها.
وما نسبة ابن تيمية - ﵀ - للباقلاني من مخالفته للأشاعرة، وأنه أقل نفيًا منهم في الصفات يوضح سر قوله عنه في الفتاوي: وهو أفضل المتكلمين المنتسبين للأشعري ليس فيهم مثله لا قبله ولا بعده".
وبهذا يتضح أن الأشاعرة اليوم لا يوافقون الباقلاني في كل شيء حيث إنه يثبت لله وجهًا ويدًا وهم لا يثبتون. كما أنهم لا يوافقون إمامهم أبا الحسن الأِشعري معتقدة، الذي انتهى إليه ودونه في كتابه "الإبانة"، بل بعضهم ذهب لعدم صحة نسبة الكتاب إليه.
بقي خطأ وقع فيه أحد المعاصرين لا يستحق الإشارة إليه لوضوحه من العام والخاص من طلاب العلم، وهو أن الدكتور عبد الكريم بلبع في كتابه "النثر الفني وأثر الجاحظ فيه" قال عندما تكلم عن السجع ومنكريه في القرآن: إنها فكرة قديمة وسائدة منذ أزمان تشبث بها المعتزلة، ومنهم الباقلاني". فالباقلاني وعدواته للمعتزلة يعرفها القاصي والداني، ويشهد لها كل صفحة من كتبه. فهو لا يهادن المعتزلة لا في سفر ولا حضر ولا ليل ولا نهار. ولكن لعل ما ذكره الدكتور زلة قلم.
[ ١ / ٤٢ ]