المبحث السابع
(في دراسة مسألة حمل اللفظ
المشترك على معنييه لو معانيه)
سبب اختيار هذه المسألة للدراسة:
اخترت هذه المسألة للدراسة لأمرين:
أولهما: إن الأصوليين لم يحرروا مذهب الباقلاني، بل نسبوا له ما لم يقل به.
وسنذكر حقيقة مذهبه كما هو في كتابنا هذا، ونبين ما نسبه له الأصوليون في كتبهم عند بيان الأقوال في المسألة.
ثانيهما: أن هذه المسألة من أهم المسائل الأصولية اللغوية، التي لها فروع فقهية كثيرة جدًا. وهذا المسألة لأهميتها اشتهرت عند الأصوليين باسم "المسألة الشافعية" كما ذكر ذلك ابن السبكي في رفع الحاجب. وستظهر أهميتها عند ذكر بعض ما يتفرع عليها من فروع في نهاية المسألة.
تحرير محل النزاع:
عنوان الآمدي في الإحكام لها بما يلي:
"اختلف العلماء في اللفظ الواحد، من متكلم واحد، في وقت واحد، إذا كان مشتركًا بين معنيين - كالقرء للطهر والحيض - أو حقيقة في
[ ١ / ١٣٥ ]
أحدهما، مجازًا في الآخر - كالنكاح المطلق على العقد والوطء - ولم تكن الفائدة فيهما واحدة، هل يجوز أن يراد به كلا المعنيين معًا، أو لا؟ ".
ذكرت ما عنون به الآمدي للمسألة، لأن في القيود التي ذكرها تحرير جزئي لمحل النزاع في المسألة. وسأبين ما خرج عن محل النزاع بالقيود التي ذكرها. أضيف قيودًا أخرى لكي يتحرر محل النزاع في المسألة فأقول:
احترز "باللفظ الواحد" عن اللفظين، فإنه يصح أن يراد بهما معنيين إجماعًا.
واحترز بقوله: "من متكلم واحد" عن المتكلمين، لأنه يجوز أن يريد أحدهما باللفظ المشترك أحد المعنيين، ويريد الآخر المعنى الآخر إجماعًا.
واحترز بقوله: "في وقت واحد" عن إطلاق المتكلم الواحد اللفظ المشترك لمعنيين في وقتين، فإن ذلك جائز إجماعًا. فنقول مثلًا: رأيت عينًا، ويريد الباصرة. وفي وقت آخر يقول: رأيت عينًا، ويريد الجارية.
وقال: "إذا كانت مشتركة بين معنيين، أو حقيقة في أحدهما مجازًا في الآخر، لأن الكلام في المسألتين واحد، عند جمهور المتكلمين فيهما. ويلحق بالحقيقة والمجاز ما له معنيان أحدهما صريح والآخر كناية، مثل قولهم: "كثير الرماد". والجمهور على أن الكناية من المجاز خلافًا ومجازان، وقام الدليل على عدم إرادة الحقيقة، فهل يحمل على مجازيه؟
واحترز بقوله: "ولم تكن الفائدة فيهما واحدة" عن اطلاق اللفظ المتواطئ، كالأسود يطلق على الزنجي والقار، فهو يفيد فائدة واحدة، وهي القدر المشترك بينهما، وهذا متفق على أن يدل على معنييه - الزنجي والقار.
[ ١ / ١٣٦ ]
بهذا تبين أنه خرج من محل النزاع: اللفظين، واللفظ الواحد إذا كان من متكلمين أو كان من متكلم واحد ولكن في وقتين، واللفظ المتواطئ لأن الفائدة من إطلاقه على معنييه واحدة.
واشترط القائلون بحمل اللفظ على معنييه أو معانيه أن يكون الجمع بين المعنيين ممكنًا، فخرج بذلك ما كان معنياه ضدين، كاستعمال صيغة "إفعل" في الطلب والتهديد، فإنه لا يمكن الجمع بينهما، ولا الحمل عليهما.
وكذلك يخرج النقيضان، كإطلاق لفظة (عسعس) على الإقبال والإدبار، ولم ينقل عن أحد القول بالجواز في حالة كونهما ضدين أو نقضين إلا عن أبي الحسن الأشعري، كما ذكره الزركشي في البحر المحيط نقلًا عن صاحب الكبريت الأحمر، واستغربت هذا النقل، ونقل الإجماع على المنع في حالة الضدين والنقيضين عن الأستاذ أبي منصور.
وبهذا تحرر محل النزاع في المسألة، وظهر أنه فيما إذا كان الجمع بين معنيي المشترك ممكنًا بالإضافة لكون الإطلاق في آن واحد، من متكلم واحد، بلفظ واحد.
المقصود بالأقسام الثلاثة الداخلة في المسألة:
الأول: اللفظ المشترك:
عرفه فخر الدين الرازي في المحصول بأنه: "اللفظ الموضوع لحقيقتين مختلفتين أو أكثر وضعًا أولًا من حيث هما كذلك".
[ ١ / ١٣٧ ]
فخرج بقوله: "الموضوع لحقيقتين مختلفتين" الأسماء المفردة الموضوعة لحقيقة واحدة.
وخرج بقوله: "وضعا أولًا" ما يدل على معنيين أحدهما حقيقي والآخر مجازي.
وخرج بقوله: "من حيث هما كذلك" اللفظ المتواطئ، فإنه يتناول الماهيات المختلفة، ولكن لا من حيث إنها مختلفة، بل من حيث إنها مشتركة في معنى واحد.
وقوع المشترك في لغة العرب وطرق معرفته:
المشترك واقع في لغة العرب والقرآن والسنة على الصحيح. ومنه لفظ "القرء" للطهر والحيض، "وعسعس" للإدبار والإقبال. "والصريم" لليل المظلم وللصبح.
ويعرف كون اللفظ مشتركًا بطرق ثلاث هي:
١ - يثبت بإحدى طرق إثبات كون المعنى حقيقي على المعنيين أو المعاني كلها، كأن تكون جميع المعاني تبادرها للذهن على حد سواء.
٢ - بسماع أهل اللغة التصريح بالاشتراك في كتبهم اللغوية والمعاجم.
٣ - الاستدلال بحسن الاستفهام، لأن الاستفهام يحسن عند تردد الذهن بين معنيين.
[ ١ / ١٣٨ ]
الثاني: ما له معنى حقيقي ومعنى مجازي:
والمعنى الحقيقي: هو المعنى المستفاد في أصل وضع اللغة. وأما المعنى المجازي: هو المعنى المستفاد من نقل اللفظ إلى معنى آخر، لوجود علاقة بين المعنيين، وقرينة صارفه عن إرادة المعنى المراد في أصل وضع اللغة، وذلك مثل استعمال لفظة "اللمس" في مس البشرة للبشرة على سبيل الحقيقة، وفي الجماع على سبيل التجوز، وكذلك استعمال كلمة "الأب" في الوالد على سبيل الحقيقة وفي الجد على سبيل المجاز.
ويلحق بالحقيقة والمجاز الصريح والكناية، لأن جماهير أهل اللغة على أن الكناية من المجاز خلافًا لفخر الدين الرازي على ما ذكره صاحب الطراز مثل قولهم: "كثير الرماد" فمعناه الصريح أنه كثير الرماد المتخلف من إحراق الحطب. ومعناه المستفاد من الكناية هو كونه كريم. وعند جماهير أهل اللغة إن المعنى الحقيقي والصريح راجح على المعنى المجازي والكناية إذا تجرد عن القرينة الصارفة عن المعنى الحقيقي والصريح.
الثالث: وهو وجود لفظ له معنى حقيقي قامت الدلالة على أنه غير مراد، وله مجازان أو عدة مجازات متساوية فهل يحمل على جميع مجازاته المتساوية إذا كان ممكنًا الجمع بينهما؟. ويمثلون لهذه الصورة بلفظ "الشراء" في قول القائل "لا أشترى" فلها معنى حقيقي، وهو نفي الشراء عن نفسه. فإذا قامت قرينة على عدم إرادته يكون المراد أحد معنييه المجازيين الذين هما: السوم وشراء الوكيل. والنزاع في كون اللفظ يحمل عليهما معًا أولًا".
[ ١ / ١٣٩ ]
الأقوال في المسألة:
١ - ذهب الشافعي وأبو علي الجبائي وعبد الجبار بن أحمد إلى جواز أني يراد باللفظ جميع ما يتناوله إذا تجرد عن القرينة، فيكون إطلاقه على معنييه على سبيل الحقيقة.
نسب هذا القول للثلاثة الرازي في المحصول والآمدي في الإحكام، ونسبه أبو الحسن في المعتمد للجبائي وعبد الجبار، ونسبه إمام الحرمين في البرهان لجماهير الفقهاء ونسبه الزركشي في البحر المحيط للشافعي ولأبي علي ابن أبي هريرة. واختاره أبو إسحاق الشيرازي في اللمع وشرحها والتبصرة، وابن النجار في شرح الكوكب، ونسبه لأكثر أصحابه ونسبه السمرقندي في الميزان لعامة أهل الحديث، واختاره الإسنوي في التمهيد، ونسبه الجصاص لأبي يوسف ومحمد بن الحسن.
ونسب الرازي في المحصول والآمدي في الأحكام وابن الحاجب في المنتهى والإسنوي في نهاية السول وغيرهم إلى الباقلاني هذا القول، وهو مخالف لما هو في كتابه هذا حيث قال في كتابه هذا ص ٤٢٢: "فإن قيل: فهل يجب حمل الكلمة الواحدة - التي يصح أن يراد بها معنى واحد، ويصح أن يراد بها معنيان - على أحدهما أو عليهما بظاهرها أم بدليل يقترن بها؟ قيل: بل بدليل يقترن بها لموضع احتمالها للقصد بها تارة إليهما، وتارة إلى أحدهما، وكذلك سبيل كل محتمل من القول، وليس بموضوع في الأصل لأحد محتملية" وبهذا يظهر أن قول الباقلاني مطابق للقول الثالث وهو قول إمام الحرمين. وقد نقل الزركشي في البحر المحيط
[ ١ / ١٤٠ ]
اضطرابًا شديدًا فيما نسبه العلماء للباقلاني وسيأتي أن إمام الحرمين نقل عن الباقلاني التفريق بين المشترك؟ فإيجاز حمله على معنييه؟ ولكنه لم يجز حمل اللفظ على حقيقتة ومجازة؟ وما هو هنا لا يوافق هذا النقل؟ إلا أن يكون للباقلاني كلام في كتاب آخر يغاير هذا.
٢ - ذهب لمنع حمله على معنييه أبو هاشم الجباني وأبو الحسن الكرخي وأبو عبد الله البصري على ما في المعتمد لأبي حسين البصري. ونسبة الرازي في المحصول لأبي حسين البصري ونسبته ليست صحيحةً. واختاره ونصره ابن الصباغ على ما في البحر المحيط. ونسبةً الجصاص لأبي حنيفةً. ونسبة الباقلاني في كتابه هذا لجماعة من أصحاب أبي حنيفة. واختاره أبو الخطاب في التمهيد. ونقله ابن النجار في شرح الكوكب عن ابن القيم في كتابه جلاء الافهام؟ وعزاء للاكثرين. واختاره الجصاص ووصف حمله على معنييه بالاستحالة ونسبة الأمدي لأبي هاشم وأبي عبد الله البصري. وذكر أبو الحسين أن أبا عبد الله اشترط أربعة شروط. وهي التي سبق أن ذكرتها عند تحرير محل النزاع؟ فهي شروط متفق عليها عند الجميع وليست خاصة بأبي عبد الله البصري.
٣ - يجوز أن يحمل على معنييه إذا وجدت قرينة؟ ولا يحمل على معنييه إذا تجرد عن القرائن؟ وهو ظاهر كلام إمام الحرمين في البرهان؟ وبه قال ابن الحجاج في المنتهى؟ وابن السبكي في جامع الجوامع؟ والقرافي في شرح تنقيح الفصول. وعلى هذا يكون إطلاقه على معنييه مجازًا؟ فلا يحمل إلا بقرينةً. وهو علامة المجاز.
[ ١ / ١٤١ ]
٤ - يجوز الحمل على معنييه في الجمع والمثنى كلفة "الاقراء" دون لفظ "القرء" نقله الزركشي في البحر المحيط عن بعض الشافعية اعتمادًا على حكاية الماوردي ذلك عنهم؟ وهذا القول بناء على جواز تثنية المشترك وجمعه؟ ونقل هذا التفريق ابن النجار في شرح الكوكب المنير.
٥ - يحمل اللفظ المشترك على حقائقه مطلقًا؟ ولا يحمل على حقيقته ومجازه جميعًا. نسبة امام الحرمين في البرهان لجماعة منهم الباقلاني حيث قال: «وعظم نكير القاضي على من يرى الحمل على الحقيقة والمجاز جميعًا. وعلل ذلك بأن الجمع بين الحقيقة والمجاز جمع بين النقيضين». وقد تقدم ما وجدته في التقريب؟ وهو مخالف لهذا النقل عن الباقلاني؟ ولعل ما ذكره إمام الحرمين موجود في كتبه الاخرى أو في هذا الكتاب في موضع آخر لم يبلغ تحقيقنا إليه.
وبهذا القول قال أبويعلي في العدة ١/ ١٨٨. ولكنه ذهب لجواز الحمل بدون تفريق ففي موضع أخر من كتابه العدة وهو: ٢/ ٧٠٣.
٦ - لا يجوز في وضع اللغة استعماله في معنييه على الجمع؟ ولكن يجوز أن يريد به المتكلم المعنيين. وبهذا قال أبو الحسين في المعتمد والغزالي في المستصفي والرازي في المحصول. ومال لاختياره السمرقندي في الميزان ولم يصرح به.
٧ - ذهب الهمام بن الكمال في التحرير على ما في التقرير والتحبير إلى أنه يحمل على معنييه لغةً إذا كان اللفظ مثنى أو مجمع؟ مثل قولهم: «القلم أحد اللسانين؟ والخال أحد الأبوين». ويحمل على معنييه إن كان مفردا عقلًا لا لغةً.
[ ١ / ١٤٢ ]
وهذا القول يشارك القول السادس فيما إذا كان اللفظ المشترك مفردًا.
٨ - ذهب قوم الى التفريق بين النفي والإثبات. فقالوا: يحمل اللفظ المشترك على معانيه في النفي دون الإثبات؟ وذلك لأن النكرة في سياق النفي تعم. ومثلوه بأنه لو حلف لا يكلم مواليه يتناول الاعلى والأسفل.
٩ - الوقف الأمدي في الأحكام ولكنه لم يصرح بالوقف؟ بل ناقش أدلة الفريقين؟ وترك المسألة بدون ترجيح واختار حمله على معنييه في منتهى السول.
الاستدلال:
سأجمل الاستدلال بحيث أذكر أدلة المانعين عمومًا؟ ثم استدل لمجوزي حمل المشترك على معنييه عمومًا. وبعد الانتهاء من الاستدلال للفريقين؟ أذكر معتمد كل قول من الأقوال الفرعية - بإذن الله - وسأبدأ بذكر أدلة المانعين.
أدلة المانعين:
احتج أبو عبد الله البصري بدليل عقلي؟ وهو أن الإنسان يجد من نفسه تعذر استعمال اللفظ في حقيقته ومجازة معًا؟ كما يتعذر تعظيم زيد والاستخفاف به في أن واحد.
ويجاب على ذلك بجوابين:
[ ١ / ١٤٣ ]
الأول: لا نسلم بحكم الأصل. فإنه لا يمتنع تعظيم زيد والاستخفاف به في حال واحد.
الثاني: سلمنا جدلًا بحكم الأصل؟ ولكن يوجد فرق بين الأصل والفرع؟ فالقياس باطل؟ فتعظيم زيد والاستخفاف به في آن واحد يختلف عن حمل اللفظ المشترك على معنييه. أو اللفظ على حقيقته ومجازة؟ فالمتكلم يجوز أن يريد المعنى الحقيقي والمعنى المجازي بخطابين في وقت واحد؟ فالتعظيم بنبئ عن ارتفاع حال المعظم؟ والاستخفاف به ينبئ عن أتضاع حالةً؟ ومحال أن يكون الإنسان في حال واحدةً مرتفع الحال متضع الحال؟ وليس ذلك إرادة الاعتداد بالحيض ثم نحن لا نقول بالحمل إلا فيما يمكن فيه الجمع بين المعنيين.
واحتج أبو عبد الله البصري -أيضًا- بهذا القول بأن المتكلم لو استعمل الكلمة الواحدةً في حقيقتها ومجازها في آن واحد لكان قد أراد استعمالها فيما وضعت له؟ وأراد العدول بها عما وضعت له في آن واحد؟ وذلك متنافي. كما يستحيل إرادة الاقتصار على الشيء والمجاوزة عنه إلى غيره.
ويجاب عن ذلك أن المتكلم إذا استعمل لفظة «النكاح» في العقد وفي الوطء؟ فإنه يكون أراد بها الوطء؟ وأراد بها العقد؟ فلا يوجد في فعله هذا عدول؟ بل يكون استعمالها في معنييها؟ فإن قصد أبو عبد الله انه أراد أن لا يستعملها فيما وضعت له فليس صحيحًا.
فإن قال: هذا لازم على حملكم لها على معنييها.
[ ١ / ١٤٤ ]
يجاب عنه: بأنه لا يلزم؟ لأننا نقول يراد بها المعنى الحقيقي؟ والمعنى المجازي. المستعمل للكلمةً فيما هي مجاز فيه لابد أن يضمر فيها كاف التشبيه؟ وأما المستعمل لها فيما هي حقيقةً فيه فلا يضمر كاف التشبيه فيها. ومحال أن يضمر الشيء ولا يضمره.
ويجاب على ذلك: بأن المتكلم لو قال: «رأيت أسباع» وأراد أنه رأى أسدًا ورجالًا شجعانًا؟ فإنه لا يمتنع أن يضمر كاف التشبيه في بعضهم دون البعض؟ لأن معنى إضمار الكاف هو أن يقصد باسم الأسد ما هو كالأسد.
استدل أبو بكر أحمد بن علي الجصاص في كتابه «الفصول» بأن الصحابة لما اختلف في المراد من قوله تعلى: «أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ» أن كل من أثبت أحد المعنيين نفي المعنى الأخر أن يكون مرادًا. فعلي بن أبي طالب وابن عباس - ﵄ - قالا: المراد الجماع؟ وكان عندها أن اللمس باليد غير مراد.
وذهب ابن عمرو وعبد الله بن مسعود - ﵄ - إلى أن المراد بالآية اللمس باليد دون الجماع. فكانا لآجل ذلك لا يريان أن للجنب أن يتيمم. فحصل من ذلك اتفاقهم على انتفاء إرادة المعنيين جميعًا بلفظ واحد. وهذا يدل على أنهم كانوا لا يجيزون إرادة المعنيين بلفظ واحد.
[ ١ / ١٤٥ ]
ويمكن أن يجاب عن دليل الجصاص هذا بأننا لا نسلم أن كل من أثبت أحد المعنيين نفي المعنى الآخر أن يكون مرادًا. بل يوجد من الصحابة من حمل اللمس على المس باليد؟ ومع هذا أباح التيمم للجنب. مما يدل على أنه حمله على معنييه، والذين نقل عنهم من الصحابة أنه لا يرى للجنب أن يتيمم هو: عمر بن الخطاب؟ وعبد الله بن مسعود؟ وذكر الضحاك أن ابن مسعود رجع عن قوله هذا على ما في مصنف ابن أبي شيبة. ونقل قوله ورجوعه ابن قدامة في المغني أيضًا.
واستدل لهذا القول من جهة اللغةً أبو الحسين في المعتمد بقوله: لا يجوز أن يراد بالكلمة الواحدةً المعنيين المختلفين سواء كانا حقيقتين أو حقيقة ومجازًا. فمثلًا: وضع أهل اللغة كلمة «حمار» للبهيمةً وحدها حقيقةً؟ والبليد وحد مجازًا؟ ولم يستعملوه فيهما معًا. ولو قال: «رأيت حمارين» لم يعقل منه أنه رأى بهيمتين ورجلين بليدين وكذلك في الحقيقتين مثل: القرء للحيض والطهر. فقد وضعته أهل اللغة للحيض وحده؟ وللطهر وحده؟ ولم يضعوه لهما معًا. لأنهم لو وضعوه لهما معًا؟ لكان استعماله في أحدهما مجازًا. وللزم - أيضًا - وضعهم لهما معًا؟ أن يفهم من لفظةً «قرءان» طهرين وحيضتين؟ ولا يمكن أن يكون مرادًا من قوله: اعتدي بقرء أن تعتد بالطهر والحيض معًا.
وأجيب: لا نسلم بأنه إذا لم يكن موضوعًا للمجموع لم يجز استعماله في المجموع؟ بل وضعه لكل واحد من المعنيين كاف في الاستعمال في المجموع مجازًا.
[ ١ / ١٤٦ ]
ويمكن تقرير الجواب على وجه آخر: الوضع لكل واحد من معنييه كاف لاستعماله في الجميع؟ ويكون ذلك استعمالًا له فيما وضع له؟ لأن كل واحد من تلك المعاني قد وضع له ذلك اللفظ؟ ولا يلزم من استعماله في المجموع اشتراط الوضع للمجموع.
٦ - ذكر الباقلاني في كتابه الذي بين يديك أنهم استدلوا لمذهبهم بأنه لو جاز حمل اللفظ على معنييه لجاز أن يراد بالقول «أفعل» الإباحةً والزجر والإيجاب والندب. وكذلك لو جاز الحمل على معنييه لجاز أن يريد بقوله: «اقتلوا المشركين» المشركين والمؤمنين؟ وبقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ» الناس والبهائم.
وأجاب الباقلاني عن ذلك:
بأننا لا نقول بحمل اللفظ على معنييه إلا إذا لم يمتنع الجمع بين المعنيين؟ وفي جميع الأمثلة التي ذكرتموها يمتنع الجمع للتضاد الموجود. كما أن لفظ «الناس» لا يجري على البهائم؟ وكذلك لفظ «المشركين» لا يجري على المؤمنين في حقيقة ولا مجاز.
أدلة المجوزين لاستعماله في معنييه:
١ - وقوعه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ والصلاة من الله ﷾ «الرحمة أو المغفرة بالاتفاق؟ ومن الملائكة «الاستغفار». وهما معنيان متغايران؟ واستعملت لفظةً الصلاةً فيهما دفعةً واحدةً؟ وذلك بإسنادها الى الله تعالى وإلى الملائكة. وإنما عدت إلى الصلاة بحرف «على» ولم تعد باللام لمعنى التعطف والتحنن.
[ ١ / ١٤٧ ]
واعترض على الاستدلال بهذه الآيةً تاج الدين الأرموي بأن قوله تعالى: «يصلون» فيه ضميران؟ أحدهما عائد على الله؟ والآخر عائد إلى الملائكةً؟ وتعدد الضمائر بمنزلة تعدد الأفعال؟ فكأنه قال: «إن الله يصلي وملائكته تصلي». فهو بمثابة ذكر فعلين. ومسألتنا في استعمال اللفظة الواحدة في معنيين وليس في استعمال لفظين في معنيين.
وأجيب على هذا الاعتراض:
بأن الفعل في هذه الآيةً لم يتعدد قطعا؟ وإنما تعدد في المعنى؟ فاللفظ واحد والمعنى متعدد.
واعترض الغزالي - أيضًا - على الاستدلال بهذه الآيةً بأن لفظ الصلاةً في آلية استعمل في القدر المشترك بين المغفرةً والاستغفار؟ وهو الاعتناء وإظهار الشرف. فقال في المستصفي: الأظهر عندنا أن هذا إنما أطلق على المعنيين بإزاء معنى واحد مشترك بين المعنيين؟ وهو العناية بأمر النبي - ﷺ - لشرفه وحرمته؟ والعناية من الله تعالى مغفرة؟ والعناية من الملائكة استغفار ودعاء.
وأجيب على اعتراض الغزالي:
بأن إطلاقها على الاعتناء مجاز لعدم التبادر إلى الذهن؟ وقد ثبت أن الصلاةً في آلية مشتركةً بين المغفرةً والاستغفار؟ فالعمل عليهما أولى لما فيه من مراعاة المعنى الحقيقي.
واعترض - أيضًا - على الاستدلال بالآية: بأنه يجوز أن يكون قد حذف الخبر لوجود قرينةً تدل عليه؟ كما حدث في قول الشاعر:
[ ١ / ١٤٨ ]
نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف
ويكون أصله: إن الله يصلي وملائكته يصلون.
وأجيب: بأن الاضمار خلاف الأصل.
٢ - وقوعه في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾.
ووجه الاستدلال بأنه اسند السجود إلى المذكورين في الآيةً. وحقيقة سجود الناس وضع الجبهةً على الأرض؟ وهو غير متصور من الدواب ومن الشمس والقمر والنجوم؟ فالسجود منها هو الخضوع والخشوع؟ فاستعمل السجود في الآية في معنييه.
واعترض تاج الدين الأرموي على هذا الاستدلال بعدم تسليم أنه استعمال للفظ الواحد في معنييه؟ وإنما هو استعمال ألفاظ متعددةً؟ لأن حرف العطف بمثابة تكرار العامل؟ فيكون تقدير الآيةً: إن الله يسجد له من في السموات؟ ويسجد له من في الأرض؟ وتسجد له الشمس؟ ويسجد له القمر؟ إلى آخر المذكورات في الآيةً؟ فليس فيه إعمال للمشترك في معنييه؟ بل أعمل مرة في معنى؟ ومرة في معنى أخر.
وأجيب على هذا الاعتراض:
بأننا لا نسلم أن حرف العطف بمثابة العامل؟ بل هو موجب لمساواة الثاني بالأول في مقتضى العامل إعرابًا وحكمًا. والعامل في الثاني هو الأول بواسطة العاطف على الصحيح عند النحويين.
[ ١ / ١٤٩ ]
وأجيب بجواب أخر وهو:
أنه لو سلمنا أن العاطف بمثابة العامل للزم أن يكون المراد من سجود الشمس والقمر والجبال والشجر هو موضع الجبهة على الأرض لأنه مدلول الأول؟ وهو باطل؟ لأنه لا يمكن أن يكون سجود الشمس والقمر كذلك.
٣ - استدل أصحاب هذا القول بأن ابن عمر - ﵁ - يرى أن قبلة الرجل لآمراته تنقض الوضوء لأنها من الملامسة. وأنه يرى ان الجنب يلزمه التيمم إذا فقد الماء؟ وأخذ الحكمين من قوله تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ مما يدل على أنه حمل اللمس في الآية على الوطء والمس باليد معًا.
وأجيب: بأنه لا يمتنع أن يكون علم وجوب التيمم على الجنب إذا لم يجد الماء أخذًا من السنةً كحديث عمران بن الحصين المتفق عليه وغيره.
٤ - قال سيبوية: «قول القائل لغيره؟ الويل لك» خبر ودعاء؟ فقد جعله مفيدًا لكلا المعنيين معًا.
وأجاب الآمدي أنه ليس فيه ما يدل على أن كل الألفاظ المشتركةً؟ أو ما له معنيان - أحدهما حقيقي والآخر مجازي موضوعةً لهما معًا؟ كما أن عبارة سيبوية ليست صريحةً في الاستعمال في المعنيين جميعًا في آن واحد؟ بل قد يكون مستعملًا فيهما على البدل.
[ ١ / ١٥٠ ]
٥ - واستدل القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابه هذا على الجواز وإمكان الوقوع. بأن كل عاقل يصح أن يقصد بقوله: لا تنكح ما نكح أبوك؟ نهيه عن العقد وعن الوطء جميعا من غير تكرار اللفظ؟ وقال: ومن ينكر هذا يكون مكابرا.
حجة القول الثالث؟ وهو الذين اشترطوا وجود قرينة للحمل على المعنيين؟ اللفظ المشترك وضع في لغة العرب لمعنييه على البدل؟ واللفظ لا يحمل على المعنى المجازي إلا إذا وجدت قرينة صارفة عن إرادة المعنى الحقيقي.
وأما بالنسبة لماله معنى حقيقي ومعنى مجازي؟ فإن حمل اللفظ على معنييه الحقيقي والمجازي معا استعمال مجازي - أيضا - فلا يتم إلا بوجود قرينة تدل على أن المراد المعنيين معا.
حجة القول الرابع: وهم الذين قالوا بحمله على معنييه في المثنى والجمع دون المفرد. قالوا: المثنى والجمع في حكم تعدد الأفراد؟ فقولك: ثلاث عيون في وة قولك؟ عين وعين وعين؟ فكما تريد أن يجوز بالأولى العين الجارية مثلا؟ وبالثانية العين الباصرة؟ وبالثالثة عين الشمس؟ فكذا في الجمع.
وأجيب: بعدم التسليم أن الجمع في حكم تعديد الأفراد؟ ولو سلمناه لكان في حكم تعديد أفراد نوع واحد.
حجة القول الخامس: وهم الذين فرقوا بين المشترك؟ وبين ما له معنيان؟ أحدهما حقيقي والآخر مجازي؟ فإجازه في الأول دون الثاني.
[ ١ / ١٥١ ]
قالوا: ما له معنيان أحدهما حقيقي والآخر مجازي يحمل اللفظ على معناه الحقيقي إذا تجرد عن القرينة؟ً ويحمل على معناه المجازي إذا وجدت قرينة صارفة له عن المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي؟ فلا يكون اللفظ مجملًا.
أما اللفظ المشترك فحكمه التوقف لأنه مجمل؟ فإذا لم يقم دليل على أن المراد أحدهما يتوقف فيه. فإذا أمكن حمله على معنييه؟ فإنه يحمل؟ وبذلك يحل إشكال التوقف.
حجة القول السادس: وهو من يرى عدم جواز إطلاقه على معنييه معًا في وضع اللغة؟ ويجوز في قصد المتكلم على خلاف وضع اللغة.
واستدل له أبو حسين في المعتمد: المشترك وضع في اللغة لمعانيه على سبيل البدل؟ أما إذا استعمله شخص وقصد به معانيه يكون مقبولًا لإمكانه؟ كقول أحدهم «اعتدي الصوص على عيون زيد» ويقصد على العين الباصرةً ففقؤوها؟ وعلى العين الجارية فغوروها؟ وعلى عين الذهب والفضة فسرقوها؟ وعلى جاسوسة فضربوه صح ذلك.
حجة القول السابع: وهم القائلون يحمل على معنييه لغة إذا كان اللفظ مثنى أو جمعًا ويحمل على معنييه عقلًا لا لغةً إن كان مفردًا.
استدل لذلك الكمال بن الهمام على ما في التقرير والتحيير بأن قولهم: «القلم أحد اللسانين؟ والخال أحد الأبوين» أريد باللسان الكلام حقيقة والقلم مجاز؟ وأريد بالأبوين الوالد حقيقة والخال مجازًا.
[ ١ / ١٥٢ ]
حجة القول الثامن: وهم القائلون بجواز استعمال المشترك في معنييه في السلب دون الإثبات؟ وكذلك فيما له معنيان أحدهما حقيقي والآخر مجازي؟ بأن النكرة في سياق النفي تعم؟ فيجوز أن يراد بها معانيها المختلفة كأن يقول: «لا تعتدي بقرء» فيحمل على معنييه الطهر والحيض. ولو قال اعتدي بقرء فلا يحمل إلا على أحد معنييه إما الطهر وإما القرء.
وضعف الآمدي الفرق بين النفي والإثبات تبعا لأبي الحسين البصري؟ وتابعهما على ذلك البيضاوي في المنهاج على ما في نهاية السول للاسنوي.
كما أنه أجيب عن هذا الدليل بأن النكرة في سياق النفي تعم في أفراد مدلول واحد لا في أفراد المدلولات المختلفة.
حجة القول التاسع: وهو القول بالتوقف.
وسبب توقفه هو تعارض الأدلة عنده مع عدم القدرة على الترجيح بين أدلة الفريقين.
الترجيح:
لقد بينت باختصار ما تمسك به القائلون بالأقوال المتقدمة. مع مناقشة هذه الأدلة في الغالب لتظهر مدى قوة الاحتجاج بها. وظهر لي من ذكر هذه الأدلة ومناقشتها أن اللفظ المشترك وضع في أصل اللغة ليدل على
[ ١ / ١٥٣ ]
معانيه على البدل. فإذا وجدت قرينة تدل على المعنى المراد باللفظ المشترك حمل اللفظ عليه.
وإذا لم توجد قرينة تدل على المعنى المراد؟ فالراجح أنه لا يمتنع أن يرا باللفظ سواء كان مفردًا أو جمعًا مثبتًا أو منفيًا جميع معانيه الصالح لها بشرط إمكان الجمع بين معانيه. وأما إذا لم يكن الجمع بين معانيه ممكنا لتضادها أو تناقضها فلا يجوز حمله على معانيه المختلفة.
ويبقى النزاع في أحاد الصور بين المجوزين لحمل اللفظ على معانيه في تحقق الحمل وعدمه بالفعل بناء على مدى توفر الشروط التي سبق بيانها في تحرير محل النزاع في المسألة.
وقد اختلف الفقهاء في حجكم بعض الفروع الفقهية بناء على اختلافهم في جواز حمل اللفظ على معانيه أو عدم جواز حملها. وسنذكرها كثمرة النزاع في هذه القاعدة الأصولية الهامة.