كثير من العلماء يصعب التوصل إلى معرفة تاريخ ولادتهم على وجه الدقة إلا من كان منهم من أبناء أصحاب الجاه والسلطان حيث يحتفي بميلادهم. أما أبناء عامة الناس فغالبًا لا يفطن لتأريخ يوم مولدهم لحجب الله علم الغيب عن الناس فيما سيكون للمولود من منزلة في المجتمع الذي سيعيش فيه، وما سيكون عليه من جاه ومنصب.
أما بالنسبة لتأريخ الوفاة فقلما يمتد الجهل إليها، ولذا تجد كتب التراجم للأعلام لا تخلو من سنة الوفاة، وقلما تذكر سنة الميلاد، وإن ذكرتها فغالبًا يكون على سبيل التقدير والاستنتاج والتقريب.
والباقلاني - ﵀ - ولد في أسرة متواضعة لرجل ليس من مشاهير الناس ولا سادتهم، ويدل على ذلك ما تناقلته كتب التراجم من أن والده كان يبيع الباقلاء ليكسب قوته وقوت عياله. كما أن كتب التراجم لم تذكر لنا من نسله - أيضًا - إلا ابنه الحسن، الذي توفى بعد والده، ويبدو أنه كان من طلبة العلم لما جاء في ختام إحدى نسخ كتاب والده "إعجاز القرآن" المحفوظة بالمتحف البريطاني: "هذا ما كتبه المؤلف لخزانة كتب عضد الدولة، وطالع فيه الحسن ابن المؤلف سنة ٣٩٩ هـ". وقد ذكر كل من الخطيب البغدادي وصاحب وفيات الأعيان والقاضي عياض في مصنفاتهم أنه صلى على والده لما توفي.
[ ١ / ٢٤ ]
ذكر الزركلي في الأعلام والخطيب البغدادي في تاريخه وغيرهما ممن ترجم له أنه ولد بالبصرة، فهو بصري المولد، ولكنه نسب إلى بغداد لأنه سكنها إما في فترة طلبه العلم أو بعد نبوغه واكتمال شخصيته العلمية. وما ذكره كثير ممن ترجم له من أن عضد الدولة البويهي، الذي تولى الحكم سنة ٣٦٧ هـ كتب إلى عامله في البصرة أن يشخص إليه الشيخ أبا الحسن الباهلي والشاب المعروف بابن الباقلاني تدل دلالة واضحة على أنه رجع للبصرة بعد نضوجه الفكري، أو أنه تلقى جميع علومه بالبصرة.
من هذه الحادثة أخذ بعض من ترجم له سنة ولادته على وجه التقريب. فكون عضد الدولة استدعاه بعد أن تولى الإمارة سنة ٣٦٧ هـ. وأرسله في سفارة إلى بلاد الروم سنة ٣٧١ هـ. فمعنى ذلك أنه إلتحق بقصر عضد الدولة ليمثل أهل السنة في المناظرات بين هذين العامين، وقد وصف أثناء طلبه بأنه شاب فيغلب على الظن أن عمره حين استدعي يقارب الثلاثين عامًا. وعليه، فما ذهب إليه الزركلي في الأعلام أنه من مواليد عام ٣٣٨ هـ قريب من الصواب، والله أعلم. وأما مصادر التراجم المتقدمة على الزركلي فلم تحدد سنة ميلاده، ولم يبين الزركلي مستنده في تحديد ميلاده. فيغلب على الظن أنه اعتمد على الاستنتاج.
أما نشأة القاضي الباقلاني فعامة مصادر ترجمة ذكرت أن مولده بالبصرة فيلزم أن يكون قد نشأ فيها. وما ذكره الخطيب البغدادي وغيره من أنه أخذ الحديث في بغداد على أبي بكر بن مالك القطيعي وأبي محمد ابن ماسي، وأبي أحمد الحسين بن علي النيسابوري، يدل دلالة واضحة
[ ١ / ٢٥ ]
أنه رحل في طلب العلم إلى بغداد، فقد كانت بغداد حينذاك حاضرة العلم ومركزن العلماء، يشد لها الرحال من كل حدب وصوب. فما ذكره المترجمون من أخذه الحديث على بعض العلماء في بغداد، وما ذكروه من طلب حضوره من عامل البصرة إلى قصر عضد الدولة تدل على أنه بعد تلقي علومه في بغداد رجع إلى البصرة. وبعد التحاقه بديوان عضد الدولة كان ينتقل بين بلدان المشرق. وقد سكن بغداد كما ذكر ابن فرحون المالكي أنه كان يسكن الكرخ. وقد ذكر ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب أنه كان للباقلاني بجامع المنصور ببغداد حلقة عظيمة.
[ ١ / ٢٦ ]
المبحث الثالث