وقد اختلف الناس في هذا الباب.
فذهب قوم إلى أن جميع أسماء الأشياء في كل لغة والمفهوم منها أخذ وعرف من جهة توقيف الله ﷿ لآدم ﵇ والتعليم له، إما بتولي خطابه أو الوحي إليه على لسان من يتولى خطابه وإفهامه.
وقال آخرون: بل ذلك أجمع إنما عرف واستقر من جهة مواطأة أهل
[ ١ / ٣١٩ ]
اللغات على ذلك وتواضعهم عليه.
وقال آخرون: يمكن أن يكون ذلك إنما عرف واستقر بالتوقيف والوحي من الله ﷿، ويمكن أن يكون إنما عرف وأدرك بمواضعة أهل اللغات وتواطئهم على وضع الأسماء وأقسام الخطاب، وأنه يجوز أيضا أن يكون بعضها مأخوذا عن وحي وتوقيف وبعضها مستقرا بطريق المواطأة والمواضعة، وبعضها مستعملا بقياس على ما تكلم به أهل اللغة. وأنه يجوز أن يتفق لأهل كل لغة أو لأهل بعضها أن يتواطؤا على وضع /ص ٧٠ اسم لشيء، وقد وقف الله سبحانه عليه بعض من أعلمه ذلك قبل أن يتواضع أهل تلك اللغة على الاسم، فتكون المواضعة عليه موافقة للتوقيف على معناه، وأنه يمكن أن يتواضع أهل كل لغة على أن يسموا الأشياء بغير الأسماء التي وضعها الله سبحانه لها ووقف عليها من أعلمه بذلك إن حرم ذلك عليهم وحظره أو لم يحرمه، فإن لم يحظره ووقع منهم لم يكن عصيانا، وإن حرمه عليهم كانوا بذلك عصاه إلا أمة أخبر الله عن عصمتها ورفع الخطأ عنها فيكون للشيء عند ذلك اسمان، أحدهما موقف عليه والآخر متواضع عليه، والقول الأخير المشتمل على جملة ما ذكرناه، فهو الذي نختاره، وبه
[ ١ / ٣٢٠ ]
نقول.
فأما ما يدل على فساد قول من قال إنه لا يصح أن يكون جميع الأقسام وأقسام الخطاب التي يتكلم بها أهل لغة العرب وكل لغة موقفا على جميعها، وأنه لا بد لمن وقف على البعض منها من أن يكون قد سبق نطقه بلسان قد عرفه وعرف معناه والتواضع عليه قبل خطاب الله له وتوقيفه على معناه، إما بمخاطبة أو بالوحي على لسان مخاطب، لأجل أنه إن لم يتقدم له خطاب وتكلم بلغة قبل توقيفه على ما توقف عليه لم يكن له سبيل إلى معرفة معنى ما يخاطب به وتوقف عليه، ومن هذه حاله لا يصح إفهامه وخطابه.
فإنه قول باطل، لأن الله سبحانه إذا أراد إعلام من يخاطب معنى كلامه ومعاني هذه الأسماء باللغات المختلفة وإن لم يكن المخاطب قد نطق قبل ذلك بلغة ولا عرفها فإنه تعالى يسمعه خطابه فيضطر إلى وجود الكلام الذي يسمعه ويعلم ضرورة أنه المتكلم به، فإن اضطر مع ذلك إلى أن المتكلم به هو الله تعالى القديم الصانع للعالم كان مضطرا إلى وجود الكلام وأن المتكلم به هو الله محدث العالم ﷿، وإن لم يضطر إلى العلم بأن المتكلم به هو أنه الخالق للعالم صح أن يدل على أن المتكلم به هو الله رب العالمين بما يقرنه بالخطاب من عظيم الآيات التي يعلم المخاطب من العقلاء عند
[ ١ / ٣٢١ ]
ظهورها أنه لا يقدر عليها إلا الله سبحانه، فيكون عالما بوجود الخطاب عند سماعه ضرورة وأنه لمتكلم به ضرورة، وأن المتكلم به هو القديم المخالف لجميع أجناس العالم بدليل يقترن بذلك، فإذا أعلمه سبحانه هذه الجملة عند خطابه خلق أصواتا وصيغة مبنية بنية الألفاظ العربية /ص ٧١ وغيرها من اللغات وأسمعها ذلك المخاطب، وقال له بكلامه القديم الذي يضطره إلى معرفة معناه. اعلم أن هذه الصيغة قد جعلتها لكذا وكذا، وهذه الأخرى المخالفة لها اسم _أيضا_ لذلك الشيء، وأن الصيغة الأخرى اسم لغير ذلك الشيء، فيعلم ضرورة بما يخلقه الله سبحانه في قلبه من العلم ما وضع الله تعالى له تلك الصيغ والأصوات من المعنى وهو سبحانه المتفرد بالقدرة على خلق العلم ضرورة في غيره بمراده بما قد جعل الصيغ والأصوات المختلفة اسما لها. وإذا كان ذلك كذلك بان أنه قد يصح أن يعلم مراد الله سبحانه بخطابه وما جعل ما يخلقه من الأصوات والصيغ أسماء ومفيدة لما هي مفيدة له وإن لم يتقدم له خطاب وكلام بلغة من اللغات.
ويدل على صحة ذلك _أيضا_ علمنا بأنه قد اضطر الخرس والناطقين إلى المراد بالرموز والإشارات وإفادتها لكل ما يضعه أهل الرموز والإشارة وإن لم يتقدم لهم رموز وإشارات قبل ذلك، فكذلك يصح اضطراره تعالى إلى مراده بكلامه وإلى المراد بما جعل ما يوجده من الأصوات عبارة عنه وإفادة له، فبطل ما قالوه، وثبت بذلك صحة التوقيف من الله سبحانه
[ ١ / ٣٢٢ ]
على أسماء جميع الأشياء بكل لغة وإن لم يتقدم لأهلها نطق بلغة غير التي وقفهم عليها، وهذا واضح لا إشكال فيه.
وأما ما يدل على فساد قول من قال: إنه لا يصح تواضع أهل اللغة على معاني ما يبتدئون به من الكلام دون أن يكونوا قد وقفوا على لغة سبق تكلمهم ونطقهم بها، وإلا لم يتم لهم مواطأة ومواضعة فهو: إنهم إذا كانوا أحياء ناطقين، وكان الكلام والنطق منهم صحيحا، ولهم متأتيا وإقدارهم عليه جائزا ممكنا، وبمثابة إقدارهم على الحركات والاختيارات والإشارات وسائر التصرفات، فكان منهم النطق صحيحا جائزا كسائر مقدوراتهم، فإذا كانوا مع ذلك يدركون المعلومات ويعرفون البعض منها ضرورة وحسا، والبعض منها نظرا وبحثا، ويعرفون لما يعلمونه أمثالا، وربما غاب عنهم الحاضر واحتاجوا أتم حاجة إلى طلبه تارة والإخبار عنه أخرى، والتحذير منه مرة وكانت الإشارة إليه متعذرة عند غيبته وجب لذلك صحة نطقهم بالأصوات وتواضعهم على جعلها تسميات لما حضرهم وغاب عنهم مما بهم حاجة إلى تعريفه والإخبار عنه، ولم يكن ذلك ممتنعا منهم/ ص ٧٢ وجري ذلك مجرى الخلق الكثير والجم الغفير على أكل الطعام عند الجوع والحاجة إليه، وشرب الماء واتقاء الحر والبرد، وفعل كل ما ينتفعون به ويدفعون به ضررا.
وكما يصح ويجوز من أهل الإسلام وغيرهم قاطبة من أهل الملل الاجتماع على فعل كالصلوات والصيام والحج إلى المشاهد المأمور بالقصد إليها، وحضور الجمع والأعياد، وإقامة المناسك لما يعتقدونه فيه من الانتفاع ودفع الضرر، وكذلك سبيل صحة اتفاق أهل كل لغة على وضع أسماء وتخاطب لإفادة ما عرفوه ضرورة ودليلا وتعذر الإشارة إليه عند غيبته، وإذا
[ ١ / ٣٢٣ ]
كان ذلك كذلك بكل [؟ بطل] ما ظنوه من تعذر ذلك وامتناعه.
فإن قال قائل: وكيف يعرف غير المبتدئ بالنطق مراد الناطق بالأصوات؟
يقال له: يعرف ذلك ضرورة عند قوله رجل وإنسان وتكريره لذلك وإتباعه له بالإشارة إليه والإقبال عليه وإيمائه نحوه، فلا يزال يردد ذلك ويكرره حتى يحصل للسامع صورة مراده بتلك الأصوات ضرورة، ثم توافق السامعين لكلامه على قصده في جعل ذلك اسما لما سماه فيتم لذلك المواطأة والمواضعة بينهم والعلم بالمراد بها، ثم يوقفون من خرج عن تلك المواضعة على معناها، وهذا واضح لا إشكال فيه.
ويدل على ذلك _أيضا_ أنه لا يجوز أن تكون أحوال الناطقين العقلاء الأصحاء أدون من حال الخرس في تأتي المواضعة منهم على معاني رموزهم وإشاراتهم، وإن لم يتقدم لهم إشارات أخر وقفوا على معناها، فإذا علم تأتي المواضعة من الخرس على معاني إشاراتهم التي يبتدئون المواضعة عليها كان تأتي ذلك للناطقين على معاني الألفاظ أيسر وأقرب وأخف، ولأن الله سبحانه إذا أراد توقيفهم للمواضعة على ذلك جمع عليه هممهم ووفر دواعيهم وسهل سبيل ذلك لهم وخلق لهم من الألطاف والأسباب التي تحوشهم إلى فعل ذلك ما لا يقدر عليه إلا هو تعالى، فيسهل عليهم عند ذلك الوعر وييسر الصعب فثبت ما قلناه./ ص ٧٣
فأما ما يدل على جواز تواضعهم على أسماء قد وقف الله عليها غيرهم من ملائكته أو غيرهم من أهل اللغات [؟ فذلك] مما لا شبهة فيه، لأن إقدارهم على فعل ذلك وجمع هممهم ودواعيهم إليه [و] توقيفه لغيرهم على مثل ما
[ ١ / ٣٢٤ ]
تواضعوا عليه غير ممتنع ولا متعذر عليه سبحانه، فوجب القضاء بصحة ذلك.
وأما ما يدل على صحة وقوع ذلك منهم إن كان محللا أو محرما فلا شبهة فيه، لأنهم يصح أن يفعلوا الحلال والحرام ويجتمعوا عليه إما لداع واحد أو لدواع متفرقة، ولو منعت العادة من اتفاق مثل ذلك من العدد الكثير لم يمنع وقوعه من العدد اليسير، فهذا مما لا إشكال فيه فيكون للشيء اسمان. أحدهما موقف على معناه، والآخر متواضع عليه ويكون أحدهما متواضعا عليه عند أهل اللغة، والآخر واقعا من غيرهم على جهة القياس، ويكون ذلك اسما بالقياس على اللغة لا لأهلها.
وقد اعتل المحيلون للتواضع من الخلق على معاني اللغات بقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسماء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى المَلائِكَةِ﴾ الآية، ولا متعلق لهم فيها من وجوه:
أحدها: إنها ليست بخبر عن إحالة تواضع أهل اللغات على أسماء الأشياء التي علم آدم ﵇ أسماءها وإنما هي خبر عن أنه علمها آدم ووقفه عليها، وذلك ما لا ننكره، وإنما ننكر قولهم بإحالة المواضعة عليها مع تعليمه آدم إياها ومع ترك تعليمه له لو ترك ذلك، فما الدليل على هذا إذا أوردوه إن كنتم قادرين؟
والوجه الآخر: إنه لم يخبر أنه تعالى وقف جميع الخلق على أسماء الأشياء، وإنما أخبر أنه وقف آدم على ذلك، فلعله مع توقيفه له قد اتفق لأهل كل لغة تواضعهم على مثل ما وقفه عليه أو على كثير منه فما الذي يدفع
[ ١ / ٣٢٥ ]
ذلك؟
والوجه الآخر: إنه يمكن أن يكون إنما أراد سبحانه أنه علم آدم أسماء الأشياء كلها بلغة من اللغات مبتدأه له لم ينطق بها أحد وأن تكون الملائكة المخلوقة قبله قد كانت تواضعت على أسماء لتلك الأشياء وألفاظ وتخاطب يتفاهمون به غير الأسماء المبتدأة لآدم، فيكون لها أسماء وقف الله آدم عليها لا تعرفها الملائكة، وأسماء لها قد تواضعت عليها وعرفتها الملائكة قبل تلك الأسماء، ولا سبيل إلى دفع جواز ذلك /ص ٧٤ والتأويل.
ويمكن أن يكون الله سبحانه أراد أنه علم آدم اسم كل شيء خلقه إذ ذاك من الملائكة والسموات، وما خلقه في الجنة ولم يعلمه أسماء ما يحدثه من بعد، وقوله: "الأسماء" لا يدل بظاهره على العموم والاستغراق، وكذلك قوله "كلها". وكل تأكيد جري مجراه لا يدل على العموم لما نذكره من بعد، فبطل التعلق بالآية، على أنه إنما قال سبحانه إنه علم آدم الأسماء كلها ولم يخبر كيف علمه بأن وقفه أو بأن أنطقه وأقدره على النطق وجمع دواعيه على مواضعه الملائكة على دلالة ما ينطق به. وإذا أقدره على ذلك وخلق فيه العلم به وجمع همته عليه كان معلما له الأسماء وإن لم يعلمه ذلك توقيفا، فسقط ما قالوه. وقد قال الله سبحانه في كتابه ﴿تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ وإن لم يذكره بأخص أسمائه بل سمى بعضه ودل على بعضه.
[ ١ / ٣٢٦ ]
ومما يدل على كون الملائكة متخاطبين ومتواضعين على تخاطب بأسماء يعرفونها قبل خلق آدم ﵇ قوله سبحانه: ﴿وَإذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ وقوله تعالى لما خلقه وصوره وأحياه وعلمه الأسماء: ﴿أَنْبِئُونِي بِأسماء هَؤُلاءِ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾. فلو لم يكونوا عالمين بالخطاب وبأسماء الأشياء وما يذكره لهم كيف كانوا يفهمون ويجيبون ويقولون: "سبحانك"، وما ذكره عنهم مما يكثر ذكره وتتبعه، فكل هذا يدل دلالة ظاهرة على صحة ما قلناه وفساد تأويلهم، وهذه جملة في هذا الباب كافية إن شاء الله.
[ ١ / ٣٢٧ ]
باب