نقل القاضي عياض في ترتيب المدارك عن أبي عبد الله الصيرفي أنه قال: "كان صلاح القاضي أكثر من علمه، وما نفع الله هذه الأمة بكتبه وبثها فيهم إلا بحسن نيته، واحتسابه بذلك".
ونقل عن الخطيب البغدادي أنه قال: "إن ورد القاضي كل ليلة كان عشرين ترويحه، ما تركها في حضر ولا سفر".
هذه أبرز صفات الباقلاني التي استطعت إثباتها بالنقل عمن ترجم له. وعدلت عن ذكر كثير من الحوادث التي تثبت هذه الصفات خشية من التطويل.
[ ١ / ٤٩ ]
المبحث الثامن
(أ) ثناء العلماء عليه:
لقد ذكرت في مبحث صفاته بعض ما أثني به عليه أهل العلم، وسأضيف لما تقدم بعض ما وصفه به العلماء في ترجمتهم له. فالباقلاني - ﵀ - قام بتثبيت مذهب الأشاعرة، وشارك في تأصيله وانتشاره، فكان أكثر انتاجه العلمي يتصل بعلوم الدين وعقائد الإسلام. فكان تارة يؤصل الأصول ويوضح المذهب، وتارة ينافح عنه من هجوم المعتزلة، ويرد على أصحاب الآراء المخالفة، ويبين زيف عقائدهم، وسيظهر ذلك جليًا في المبحث الذي سأعقده لمصنفاته. ولم يقتصر الباقلاني في دفاعه عن الإسلام من هجوم النصارى، وعن مذهبه من هجوم المعتزلة على التأليف والتصنيف، بل كان يصارعهم وجهًا لوجه في المناظرات. وسنذكر بعض ما ورد في كتب التراجم مما يبين منزلته بين علماء زمانه، ومن ذلك:
١ - نقل القاضي عياض في ترتيب المدارك عن أبي الحسن بن جهضم الهمذاني أنه قال: "كان الباقلاني شيخ المالكيين في وقته، وعالم عصره المرجوع إليه فيما أشكل على غيره".
ونقل عن غيره أنه قال: إليه انتهت رئاسة المالكيين في وقته، وكان حسن الفقه عظيم الجدل، وكانت له بجامع المنصور ببغداد حلقة عظيمة وكان ينزل الكرخ".
ونقل عن أبي عبد الله بن سعدون الفقيه قوله: إن سائر الفرق رضيت بالقاضي أبي بكر في الكم بين المتناظرين".
[ ١ / ٥٠ ]
ونقل عن أبي عمار الميورفي أنه قال: "كان ابن الطيب مالكيًا فاضلًا متورعًا ممن لم تحفظ له قط زلة، ولا نسبت إليه نقيصة، وكان يلقب بلقب بشيخ السنة، ولسان الأمة، وكان فارس هذا العلم مباركًا على هذه الأمة، وكان حصنًا من حصون المسلمين، وما سر أهل البدعة بشيء مثل سرورهم بموته. ولي القضاء بالثغر، حسبت مؤلفات القاضي وإملاآته فقسمتها على أيام عمره من مولده إلى موته، فوجدت أنه يقع لكل يوم منها عشر ورقات أو نحوها".
٢ - ونقل القاضي عياض في ترتيب المدارك وابن عساكر في تبيين كذب المفتري عن شيخ الحنفية أبي بكر الخوارزمي أنه قال: "كل مصنف في بغداد إنما ينقل من كتب الناس إلى تصانيفه سوى القاضي أبي بكر، فإن صدره يحوى علمه وعلم الناس".
٣ - يقول الخطيب البغدادي في تاريخ: "إنه كان أعرف الناس بعلم الكلام، وأحسنهم خاطرًا، وأجودهم لسانًا، وأوضحهم بيانًا، وأصحهم عبارة، وله التصانيف الكثيرة المنتشرة في الرد على المخالفين من الرافضة والمعتزلة والجهمية والخوارج وغيرهم".
٤ - ونقل القاضي عياض وابن عساكر عن الخطيب البغدادي أنه قال: "كان يدرس نهاره وأكثر ليله، وكان كل ليلة إذا صلى العشاء وقضي ورده - وكان ورده عشرين ترويحه ما تركها في حضر ولا سفر - وضع الدواة - وكان ورده عشرين ترويحه ما تركها في حضرة ولا سفر - وضع الدواة بين يديه، وكتب خمسًا وثلاثية ورقة تصنيفًا من حفظه. فإذا صلى الفجر دفعها إلى بعض أصحابه، وأمره بقراءتها عليه، وأملى عليه الزيادات.
[ ١ / ٥١ ]
٥ - نقل ابن عساكر عن الصاحب بن عباد أنه كان إذا انتهى إلى ذكر الباقلاني وابن فوركن والاسفرائيني، وكانوا متعاصرين من أصحاب الأشعري، قال لأصحابه: "ابن الباقلاني بحر مغدق، وابن فورك صل مطرق والاسفرائيني نار تحرق".
٦ - ونقل ابن عساكر أن الإمام أبا عبد الله الحسن بن أحمد الدامغاني قال: "لما قدم القاضي أبو بكر الأشعري بغداد دعاه الشيخ أبو الحسن التميمي الحنبلي، وذلك سنة ٣٧٠ هـ. وكان الحنبلي إمام عصره في مذهبه، وشيخ مصره في رهطه، وكان بحضور أبي عبد الله بن مجاهد، وأبي الحسين محمد بن سمعون شيخ الوعاظ وأبي الحسن الفقيه وأبي بكر الأبهري شيخ المالكية، وأبي القاسم الداركي شيخ الشافعية، وأبي الحسن طاهر بن الحسن شيخ المحدثين. وكانوا قمة العلم في زمانهم وتناظر ابن مجاهد والباقلاني في مسألة الإجتهاد وتعلق الكلام بينهما إلى الفجر، وظهر كلام القاضي على ابن مجاهد. وكان أبو الحسن التميمي يقول لأصحابه: "تمسكوا بهذا الرجل، فليس للسنة عنه غنى".
٧ - قال ابن خلدون في مقدمته عن الباقلاني: "تصدر للإمامة في طريقتهم - يعني الأشاعرة - وهذبها، ووضع المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة، وذلك مثل إثبات الجوهر الفرد، وأن العرض لا يقوم بالعرض، وأنه لا يبقى زمانين وأمثال ذلك".
٨ - نقل اليافعي في مرآة الجنان عن أبي القاسم عبد الواحد بن علي بن برهان النحوي قوله: من سمع مناظرة القاضي أبي بكر لم يستلذ
[ ١ / ٥٢ ]
بعدها بسماع كلام من المتكلمين والفقهاء والخطباء لطيب كلامه وفصاحته، وحسن نظمه وإشارته".
٩ - قال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية في الفتاوي: "وقال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن الباقلاني المتكلم، وهو أفضل المتكلمين المنتسين إلى الأشعري ليس فيهم مثله لا قبله ولا بعده".
وقال في الفتاوى - أيضًا - "فالأشعري نفسه لما كان أقرب إلى قول الإمام أحمد ومن قبله من أئمة السنة كان عندهم - يعني عند الحنابلة - أعظم من أتباعه. والقاضي أبو بكر بن الباقلاني لما كان أقربهم إلى ذلك كان أعظم عندهم من غيره".
وقال ابن تيمية في موضع آخر من الفتاوي: "والباقلاني أكثر إثباتًا بعد الأشعري في الإبانة، وبعد الباقلاني ابن فورك فإنه أثبت بعض ما في القرآن".
١٠ - ذكر ابن عساكر في تبيين كذب المفتري: "أن أبا الفضل التميمي الحنبلي حضر يوم وفاة الباقلاني العزاء حافيًا مع إخوته وأصحابه، وأمر أن ينادى بين يدي جنازته: هذا ناصر السنة والدين، هذا إمام المسلمين، هذا الذي كان يذب عن الشريعة ألسنة المخالفين. هذا الذي صنف سبعين ألف ورقة ردًا على الملحدين. وقعد للعزاء مع أصحابه ثلاثة أيام، فلم يبرح، وكان يزور تربته كل يوم جمعة في الدار".
١١ - رثاه طائفة من الشعراء ومن ذلك:
[ ١ / ٥٣ ]
أنظر إلى جبل تمشي الرجال به وانظر إلى القبر مايحوي من الصلف
وانظر إلى صارم الإسلام منغمدًا وانظر إلى درة الإسلام في الصدف
هذا غيض من فيض ذكرته ليدل على العديد من كلمات الثناء التي كان الباقلاني أهلاها، والتي لو سطرتها كلها في هذا الفصل لناء عن اتساعها وستتضح منزلته بين العلماء بصورة أبهى وأجلى عند ذكر مصنفاته ومناظراته، فهي خير شاهد له على منزلته العالية ومرتبته الباهرة.