(وَيَنْقَسِمُ كُلٌّ مِنْ الْمُفْرَدِ وَالْمُرَكَّبِ) إلَى مَا تَقِفُ عَلَيْهِ وَلَا عَلَيْنَا أَنْ نَبْدَأَ بِبَيَانِ أَقْسَامِ الْمُرَكَّبِ لِقِلَّتِهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى أَقْسَامِ الْمُفْرَدِ (فَالْمُرَكَّبُ إنْ أَفَادَ نِسْبَةً تَامَّةً)، وَهِيَ تَعَلُّقٌ لِأَحَدِ جُزْأَيْهِ بِالْآخَرِ يُفِيدُ الْمُخَاطَبُ مَعْنًى يَصِحُّ السُّكُوتُ عَلَيْهِ (بِمُجَرَّدِ ذَاتِهِ) أَيْ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ لَاحِقٍ بِهِ مُحَصِّلٍ لِهَذِهِ الْإِفَادَةِ أَوْ مَانِعٍ مِنْهَا (فَجُمْلَةُ) أَيْ فَهُوَ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ إنْ بُدِئَ بِاسْمٍ كَزَيْدٍ قَائِمٌ، وَإِنَّ زَيْدًا عَالِمٌ، وَفِعْلِيَّةُ إنْ بُدِئَ بِفِعْلٍ نَحْوَ قَامَ مُحَمَّدٌ
[ ١ / ٨٤ ]
وَيَا عَبْدَ اللَّهِ، وَإِنْ أَكْرَمَتْنِي أَكْرَمْتُك وَيُقَالُ لِهَذِهِ شَرْطِيَّةٌ، وَأَمَامُك أَوْ فِي الدَّارِ مِنْ زَيْدٍ أَمَامُك أَوْ فِي الدَّارِ وِفَاقًا لِلْبَصْرِيِّينَ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ فِي تَقْدِيرِهِمْ مِثْلُهُ بِنَحْوِ حَصَلَ أَوْ اسْتَقَرَّ وَيُقَالُ لِهَذِهِ ظَرِيفَةٌ وَخِلَافًا لِلْكُوفِيِّينَ فِي تَقْدِيرِهِمْ إيَّاهُ بِنَحْوِ حَاصِلٌ أَوْ مُسْتَقِرٌّ فَجَعَلُوهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُفْرَدِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ السَّرَّاجِ بِجَعْلِهِ قِسْمًا بِرَأْسِهِ لَا مِنْ الْمُفْرَدِ وَلَا مِنْ الْجُمْلَةِ (أَوْ نَاقِصَةً) أَيْ، وَإِنْ أَفَادَ نِسْبَةً نَاقِصَةً، وَهِيَ تَعَلُّقٌ لِأَحَدِ جُزْأَيْهِ بِالْآخَرِ غَيْرُ مُفِيدٍ مَا يَصِحُّ السُّكُوتُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ ذَاتِهِ.
(فَالتَّقْيِيدِيُّ) أَيْ فَهُوَ الْمُرَكَّبُ التَّقْيِيدِيُّ لِتَقْيِيدِ كُلٍّ مِنْ جُزْأَيْهِ بِالْآخَرِ، وَالنَّاقِصُ لِنُقْصَانِ نِسْبَتِهِ عَنْ نِسْبَةِ الْأَوَّلِ فَيَشْمَلُ سَائِرَ الْمُرَكَّبَاتِ حَاشَا الْإِسْنَادِيِّ (وَمُفْرَدٌ أَيْضًا) أَيْ، وَهُوَ مُفْرَدٌ أَيْضًا فِي اصْطِلَاحِ النَّحْوِيِّينَ؛ لِأَنَّ الْمُفْرَدَ عِنْدَهُمْ مَقُولٌ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ عَلَى هَذَا كَمَا هُوَ مُرَادُهُمْ بِهِ فِي تَقْسِيمِ خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ إلَى مُفْرَدٍ وَجُمْلَةٍ، وَعَلَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ اسْتِطْرَادًا بِقَوْلِهِ (وَكَذَا فِي مُقَابَلَةِ الْمُثَنَّى وَالْمَجْمُوعِ) كَمَا هُوَ ظَاهِرُ تَقْسِيمِ الِاسْمِ إلَيْهِ وَإِلَيْهِمَا، وَفِي مُقَابَلَةِ الْمُثَنَّى وَالْمَجْمُوعِ جَمْعُ سَلَامَةَ لِغَيْرِ الْمُؤَنَّثِ كَمَا هُوَ مُرَادُهُمْ بِهِ فِي بَابِ الْإِعْرَابِ بِالْحَرَكَاتِ الثَّلَاثِ (وَالْمُضَافِ) أَيْ، وَعَلَى مَا هُوَ فِي مُقَابَلَةِ الْمُضَافِ إلَى غَيْرِهِ وَالْمُشَبَّهِ بِهِ كَمَا هُوَ مُرَادُهُمْ بِهِ فِي قَوْلِهِمْ الْمُنَادِي الْمُفْرَدُ الْمَعْرِفَةُ يُبْنَى عَلَى مَا يُرْفَعُ بِهِ فَإِنْ قِيلَ يُشْكِلُ هَذَا بِاسْمِ الْفَاعِلِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ كَقَائِمٍ فَإِنَّهُ يُفِيدُ نِسْبَةً نَاقِصَةً مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُرَكَّبٍ تَقْيِيدِيٍّ فَالْجَوَابُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَنَحْوَ قَائِمٍ) مِنْ الصِّفَاتِ فِي حَدِّ ذَاتِهِ (لَا يَرِدُ) عَلَى الْمُرَكَّبِ (؛ لِأَنَّهُ مُفْرَدٌ) لِصِدْقِ تَعْرِيفِ الْمُفْرَدِ عَلَيْهِ (وَأَيْضًا) لَيْسَ بِمُفِيدٍ نِسْبَةً نَاقِصَةً وَضْعًا بَلْ هُوَ وَضْعًا (إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى ذَاتٍ مُتَّصِفَةٍ) بِالْمَعْنَى الَّذِي اُشْتُقَّ هُوَ مِنْهُ (فَتَلْزَمُ النِّسْبَةُ) أَيْ نِسْبَتُهُ إلَى شَيْءٍ آخَرَ (عَقْلًا) ضَرُورَةَ أَنَّ الْوَصْفَ لَا بُدَّ أَنْ يَقُومَ بِمَوْصُوفٍ (لَا مَدْلُولِ اللَّفْظِ) أَيْ لَا أَنَّ النِّسْبَةُ الْمُشَارِ إلَيْهَا مَقْصُودَةُ الْإِفَادَةِ مِنْ لَفْظِهِ مَدْلُولًا لَهُ فَلَا نِسْبَةَ وَضْعِيَّةً فِيهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَا تَامَّةً وَلَا نَاقِصَةً ثُمَّ لَوْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ اسْمُ الْفَاعِلِ الْمَخْبَرُ بِهِ عَنْ الْمُبْتَدَأِ الْمُسْنَدِ إلَى ضَمِيرٍ يَرْجِعُ إلَيْهِ مَعَ الضَّمِيرِ جُمْلَةً كَالْفِعْلِ إذَا كَانَ كَذَلِكَ لَقِيلَ فِي جَوَابِهِ (وَحَالَ وُقُوعِهِ) أَيْ اسْمُ الْفَاعِلِ (خَبَرًا فِي نَحْوِ زَيْدٌ قَائِمٌ نِسْبَتُهُ إلَى الضَّمِيرِ) الْمُسْتَتِرِ فِيهِ، وَهُوَ هُوَ الرَّاجِعُ إلَى زَيْدٍ (لَيْسَتْ تَامَّةً بِمُجَرَّدِ ذَاتِهِ) أَيْ قَائِمٌ (بَلْ التَّامَّةُ) نِسْبَتُهُ (إلَى زَيْدٍ) فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَعَ ضَمِيرِهِ جُمْلَةٌ (وَلِذَا) أَيْ وَلَكَوْن نِسْبَةِ قَائِمٍ إلَى الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِيهِ لَيْسَتْ بِتَامَّةٍ (عُدَّ) قَائِمٌ (مَعَهُ) أَيْ مَعَ ضَمِيرِهِ (مُفْرَدًا) لَا جُمْلَةً كَمَا هُوَ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى مَا فِي شَرْحِ التَّسْهِيلِ لِمُصَنِّفِهِ، وَعَلَّلَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي أَمَالِي الْمَسَائِلِ الْمُتَفَرِّقَةِ بِوَجْهَيْنِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْجُمْلَةَ هِيَ الَّتِي تَسْتَقِلُّ بِالْإِفَادَةِ بِاعْتِبَارِ الْمَنْسُوبِ وَالْمَنْسُوبِ إلَيْهِ، وَاسْمُ الْفَاعِلِ مَعَ ضَمِيرِهِ لَيْسَ كَذَلِكَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ لَفْظُهُ بِاخْتِلَافِ الْعَوَامِلِ، وَهُوَ حُكْمُ الْمُفْرَدَاتِ، وَعَبَّرَ ابْنُ مَالِكٍ عَنْ هَذَا بِقَوْلِهِ لِتَسَلُّطِ الْعَوَامِلِ عَلَى أَوَّلِ جُزْأَيْهِ الثَّانِي أَنَّ وَضْعَهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ مُعْتَمِدًا عَلَى مَنْ هُوَ لَهُ؛ لِأَنَّ وَضْعَهُ عَلَى أَنْ يُفِيدَ فِي ذَاتِ تَقَدُّمَ ذِكْرِهَا فَيَسْتَقِلُّ مَعَ الْمُعْتَمِدِ عَلَيْهِ بِالْإِفَادَةِ فَاسْتِعْمَالُهُ مُبْتَدَأً مُسْتَقِلًّا بِفَاعِلِهِ خُرُوجٌ عَنْ وَضْعِهِ اهـ.
عَلَى أَنَّ مِنْهُمْ مِنْ يَقُولُ بِأَنَّ الْفِعْلَ مَعَ مَرْفُوعِهِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ لَيْسَ بِجُمْلَةٍ حَالَ كَوْنِهِ خَبَرًا أَيْضًا قَالَ، وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ فِي نَحْوِ زَيْدٌ قَامَ أَبُوهُ خَبَرَانِ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالضَّرُورَةِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْفِعْلُ مَعَ مَرْفُوعِهِ حَالَ كَوْنِهِ مُنْفَرِدًا جُمْلَةً تَامَّةً اسْتَصْحَبُوا إطْلَاقَ الْجُمْلَةِ عَلَيْهِ حَالَ كَوْنِهِ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مَا كَانَ عَلَيْهِ وَالْمُشْتَقُّ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مَعَ مَرْفُوعِهِ جُمْلَةً تَامَّةً ضَرُورَةَ احْتِيَاجِهِ إلَى ضَمِيمَةٍ أُخْرَى لَمْ يَجْعَلُوهُ جُمْلَةً، وَهَذَا هُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي وَجْهِ الْفَرْقِ بَيْنَ كَوْنِ الْفِعْلِ مَعَ مَرْفُوعِهِ جُمْلَةً دُونَ اسْمِ الْفَاعِلِ مَعَ مَرْفُوعِهِ.
هَذَا كُلُّهُ عَلَى اصْطِلَاحِ النَّحْوِيِّينَ (وَعَلَى الْمَنْطِقِيِّينَ) أَيْ وَأَمَّا عَلَى اصْطِلَاحِهِمْ (فِي اعْتِبَارِهِ) أَيْ اعْتِبَارِهِمْ الضَّمِيرَ (الرَّابِطَةَ) الْغَيْرَ الزَّمَانِيَّةِ فِي الْقَضَايَا الْحَمْلِيَّةِ لِيَرْتَبِطَ بِهَا الْمَحْمُولُ بِالْمَوْضُوعِ، وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ وُقُوعِ النِّسْبَةِ أَوْ لَا، وُقُوعُهَا سُمِّيَ بِهَا لِدَلَالَتِهِ عَلَى النِّسْبَةِ الرَّابِطَةِ بَيْنَهَا تَسْمِيَةً لِلدَّالِّ بِاسْمِ الْمَدْلُولِ فَيَكُونُ اسْمُ الْفَاعِلِ فِي نَحْوِ زَيْدٌ قَائِمٌ لَيْسَ بِجُمْلَةٍ (أَظْهَرُ)
[ ١ / ٨٥ ]
لِانْتِفَاءِ الْإِسْنَادِ إلَيْهِ أَصْلًا كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (فَإِسْنَادُهُ) أَيْ اسْمُ الْفَاعِلِ عَلَى اصْطِلَاحِهِمْ (لَيْسَ إلَّا إلَى زَيْدٍ) لَا إلَى هُوَ الرَّابِطَةِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ وَبِهِ؛ لِأَنَّهَا نِسْبَةٌ يَرْتَبِطَانِ بِهَا مَعْقُولَةٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا حَاصِلَةٌ بَيْنَهُمَا آلَةٌ لِتَعْرِفَ حَالَهُمَا فَلَا يَكُونُ مَعْنًى مُسْتَقِلًّا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَحْكُومًا عَلَيْهِ أَوْ بِهِ فَفَائِدَتُهَا كَمَا قَالَ (وَهُوَ) أَيْ الضَّمِيرُ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ هُوَ الَّذِي (يُفِيدُ أَنَّ مَعْنَاهُ) أَيْ اسْمِ الْفَاعِلِ مَحْمُولٌ (لَهُ) أَيْ لِزَيْدٍ (وَإِلَّا اسْتَقَلَّ كُلٌّ بِمَفْهُومِهِ) أَيْ، وَإِلَّا لَوْ كَانَ الضَّمِيرُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ غَيْرَ مُفِيدٍ هَذَا اسْتَبَدَّ كُلٌّ مِنْ الْمَوْضُوعِ وَالْمَحْمُولِ بِمَفْهُومِهِ عَنْ الْآخَرِ (فَلَمْ يَرْتَبِطْ) كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ فَيَنْبَغِي كَوْنُهُمَا قَضِيَّةً بَلْ يَكُونَانِ مِنْ قَبِيلِ تَعْدَادِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي حَقُّهَا أَنْ يَنْعَقَ بِهَا وَالْفَرْضُ خِلَافُهُ (وَغَايَةُ مَا يَلْزَمُ) مِنْ هَذَا (طَرْدُهُ) أَيْ اعْتِبَارُ الضَّمِيرِ (فِي الْجَامِدِ) مِنْ الْأَخْبَارِ كَمَا فِي الْمُشْتَقِّ مِنْهَا لِعَيْنِ هَذَا الْمَعْنَى (وَقَدْ يَلْتَزِمُ) طَرْدُ اعْتِبَارِ الضَّمِيرِ فِي الْجَامِدِ أَيْضًا (كَالْكُوفِيِّينَ) فَإِنَّهُمْ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْمُبْتَدَأِ مُشْتَقًّا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُشْتَقٍّ فِيهِ ضَمِيرٌ، وَيَتَأَوَّلُونَ غَيْرَ الْمُشْتَقِّ بِالْمُشْتَقِّ؛ لِيَحْتَمِلَ الضَّمِيرَ فَيَتَأَوَّلُونَ زَيْدٌ أَسَدٌ بِشُجَاعٍ، وَأَخُوك بِمُوَاخِيك وَغَيْرَهُمَا بِمَا يُنَاسِبُهُ مِنْ الْمُشْتَقَّاتِ بَلْ عَنْ الْكِسَائِيّ أَنَّ الْجَامِدَ يَتَحَمَّلُ الضَّمِيرَ، وَإِنْ لَمْ يُؤَوَّلْ بِمُشْتَقٍّ، وَقَدْ يُعْزَى إلَى الْكُوفِيِّينَ وَالرُّمَّانِيِّ أَيْضًا، وَهُوَ غَيْرُ الْمَشْهُورِ عَنْهُمْ.
ثُمَّ فِي شَرْحِ التَّسْهِيلِ لِمُصَنِّفِهِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا انْتِسَابُهُ إلَى الْكِسَائِيّ دُونَ تَقْيِيدٍ فَعِنْدِي اسْتِبْعَادُ إطْلَاقِهِ إذْ هُوَ مُجَرَّدٌ عَنْ الدَّلِيلِ، وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ حَكَمَ بِذَلِكَ فِي جَامِدٍ عُرِفَ لِمُسَمَّاهُ مَعْنًى مُلَازِمٌ لَا انْفِكَاكَ عَنْهُ كَالْإِقْدَامِ وَالْقُوَّةِ لِلْأَسَدِ وَالْحَرَارَةِ وَالْحُمْرَةِ لِلنَّارِ اهـ. فَيَتَحَصَّلُ أَنَّ لِتَحَمُّلِ الْجَامِدِ الضَّمِيرِ نَظَرَيْنِ التَّأْوِيلُ بِالْمُشْتَقِّ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَقَاءُ عَلَى مَدْلُولِهِ وَلَمْحُ الْمَعْنَى الْمُلَازِمِ لِلْمُسَمَّى، وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُ الْكِسَائِيّ،.
وَقَالَ الإستراباذي: وَأَمَّا الْجَامِدُ فَإِنْ كَانَ مُؤَوَّلًا بِالْمُشْتَقِّ نَحْوَ: هَذَا الْقَاعُ عَرْفَجٌ كُلُّهُ أَيْ غَلِيظٌ تَحَمَّلَ الضَّمِيرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُؤَوَّلًا بِهِ لَمْ يَتَحَمَّلْهُ خِلَافًا لِلْكِسَائِيِّ وَكَأَنَّهُ نَظَرَ إلَى أَنَّ مَعْنَى زَيْدٌ أَخُوكَ مُتَّصِفٌ بِالْأُخُوَّةِ، وَهَذَا زَيْدٌ مُتَّصِفٌ بِالزَّيْدِيَّةِ أَوْ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِكَذَا، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ عَرَضَ فِيهِ مَعْنَى الْإِسْنَادِ بَعْدَ إنْ لَمْ يَكُنْ فَلَا بُدَّ مِنْ رَابِطٍ، وَهُوَ الَّذِي يُقَدِّرُهُ أَهْلُ الْمَنْطِقِ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ فَالْجَامِدُ كُلُّهُ عَلَى هَذَا مُتَحَمِّلٌ لِلضَّمِيرِ عِنْدَ الْكِسَائِيّ لَكِنَّهُ لَمَّا لَمْ يُشَابِهْ الْفِعْلَ لَمْ يَرْفَعْ الظَّاهِرَ كَالْمُشْتَقِّ وَلِذَا لَمْ يَجْرِ عَلَى ذَلِكَ الضَّمِيرُ تَابِعٌ لِخَفَائِهِ فَإِذًا لَا ضَيْرَ فِي الْتِزَامِ مُلْتَزِمٍ لِهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ الْكُوفِيُّونَ بَلْ لِمَا عَلَيْهِ الْكِسَائِيُّ (وَإِنْ كَانَ) الْتِزَامُ طَرْدِهِ عِنْدَ الْمَنْطِقِيِّينَ (عَلَى غَيْرِ مَهِيعِهِمْ) أَيْ عَلَى خِلَافِ طَرِيقِ الْكُوفِيِّينَ فَإِنَّ الْمَنْطِقِيِّينَ لَا يَلْتَزِمُونَ تَحَمُّلَ الْمُشْتَقِّ لَهُ فَضْلًا عَنْ الْجَامِدِ بَلْ إنْ كَانَ مَلْفُوظًا فِيهَا وَيُسَمُّونَ الْقَضِيَّةَ حِينَئِذٍ ثُلَاثِيَّةً، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَلْفُوظٍ لِشُعُورِ الذِّهْنِ بِهِ قَالُوا هُوَ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ وَسَمَّوْا الْقَضِيَّةَ حِينَئِذٍ ثُنَائِيَّةً نَعَمْ الشَّأْنُ فِي صَلَاحِيَّةِ الضَّمِيرِ الْمُسْتَكِنِ دَلِيلًا عَلَى الرَّبْطِ إذْ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ الرَّبْطُ أَمْرٌ خَفِيٌّ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ دَلِيلُهُ ظَاهِرًا وَالضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِلَى هَذَا مَعَ أَفَادَّةِ مَا عَدَلَ إلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (وَلِخَفَائِهِ وَالدَّالُّ ظَاهِرٌ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ الدَّالَّ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا لِدَلَالَةٍ عَلَى الْمَدْلُولِ (قِيلَ الرَّابِطُ) لِلْخَبَرِ بِالْمُبْتَدَأِ (حَرَكَةُ الْإِعْرَابِ) كَمَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِ الشَّمْسِيَّةِ فَإِنَّهَا ضَمَّةٌ ظَاهِرَةٌ فِي آخِرِ الِاسْمِ الْمُفْرَدِ الْمُعْرَبِ، وَيُلْحَقُ بِهَا فِي هَذَا مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ وَاوٍ وَأَلِفٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْوَاضِعَ كَمَا وَضَعَ الْأَلْفَاظَ لِإِفَادَةِ الْمَقَاصِدِ الْبَاطِنَةِ وَغَيْرِهَا وَضَعَ الْإِعْرَابَ لِإِفَادَةِ الْمَعَانِي الطَّارِئَةِ عَلَى بَعْضِهَا بِالتَّرْكِيبِ تَوْفِيَةً لِكَمَالِ الْمَقْصُودِ مَعَ الِاخْتِصَارِ لَكِنْ كَمَا قَالَ (وَلَا يُفِيدُ) كَوْنُ الدَّلِيلِ عَلَى الرَّبْطِ حَرَكَةَ الْإِعْرَابِ فِي سَائِرِ الْقَضَايَا (إذْ تَخْفَى) هَذِهِ الْحَرَكَةُ (فِي الْمَبْنِيِّ وَالْمُعْتَلِّ) مَقْصُورًا كَانَ أَوْ مَنْقُوصًا بَلْ وَفِي الْمُعْرَبِ بِهَا إذَا وُقِفَ عَلَيْهِ بِالسُّكُونِ.
(وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ) أَيْ الرَّابِطَ بَيْنَهُمَا (فِعْلُ النَّفْسِ)، وَهُوَ الْحُكْمُ النَّفْسِيُّ بِالْخَبَرِ عَلَى الْمُبْتَدَأِ ثُبُوتًا أَوْ نَفْيًا (وَدَلِيلُهُ) أَيْ فِعْلُ النَّفْسِ هَذَا؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُبَطَّنٌ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إلَّا بِتَوْقِيفٍ مِنْ الرَّابِطِ (الضَّمُّ الْخَاصُّ) أَيْ التَّرْكِيبُ الْخَاصُّ
[ ١ / ٨٦ ]
الْمَوْضُوعُ نَوْعُهُ لِإِفَادَةِ ذَلِكَ الرَّبْطِ لِعُمُومِهِ، وَأَمَّا الْحَرَكَةُ (فَعِنْدَ ظُهُورِهَا) لِفَقْدِ مَانِعٍ مِنْهُ (يَتَأَكَّدُ الدَّالُّ) لِتَعَدُّدِهِ حِينَئِذٍ (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لِمَانِعٍ (انْفَرَدَ) الضَّمُّ الْخَاصُّ بِالدَّلَالَةِ عَلَى مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الرَّبْطِ، وَبِهِ كِفَايَةٌ. (وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ وَضْعِ الْمُفْرَدَاتِ لَيْسَ إلَّا إفَادَةُ الْمَعَانِي التَّرْكِيبِيَّةِ)؛ لِأَنَّهَا الْكَافِلَةُ بِبَيَانِ الْمُرَادَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ الَّتِي هِيَ الْمَقْصُودَةُ بِالذَّاتِ مِنْ وَضْعِ الْأَلْفَاظِ لَا الْمُعَانِي الْإِفْرَادِيَّةِ لَهَا لِلُزُومِ الدَّوْرِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لِتَوَقُّفِ فَهْمِهَا حِينَئِذٍ عَلَى إفَادَةِ الْأَلْفَاظِ لَهَا، وَهِيَ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الْعِلْمِ بِوَضْعِ الْأَلْفَاظِ لَهَا، وَهُوَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى فَهْمِ الْمَعَانِي الْمُفْرَدَةِ فَإِنْ قِيلَ فَمِثْلُ هَذَا يَجِيءُ فِي إفَادَتِهَا النَّسَبَ وَالْمَعَانِيَ التَّرْكِيبِيَّةَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ فَهْمَهَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِوَضْعِ الْأَلْفَاظِ لَهَا، وَهُوَ يَتَوَقَّفُ عَلَى فَهْمِهَا أُجِيبَ بِمَنْعِ تَوَقُّفِ إفَادَتِهَا الْمَعَانِيَ التَّرْكِيبِيَّةَ عَلَى الْعِلْمِ بِكَوْنِ الْأَلْفَاظِ مَوْضُوعَةً لِتِلْكَ الْمَعَانِي الْمُرَكَّبَةِ بَلْ الْعِلْمُ بِالنِّسَبِ وَالتَّرْكِيبَاتِ الْجُزْئِيَّةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِالْوَضْعِ، وَهُوَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ بِالنَّسَبِ وَالتَّرْكِيبَاتِ الْكُلِّيَّةِ فَلَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ.
هَذَا وَذَهَبَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْأَصْفَهَانِيُّ إلَى أَنَّ الْحَقَّ أَنَّ وَضْعَ الْأَلْفَاظِ الْمُفْرَدَةِ لِمَعَانِيهَا الْمُفْرَدَةِ لِيُفِيدَ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ أَرَادَهَا مِنْهَا عِنْدَ اسْتِعْمَالِهَا وَوَضَعَ الْأَلْفَاظَ الْمُفْرَدَةَ لِمَعَانِيهَا الْمُفْرَدَةِ لِيُفِيدَ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ أَرَادَهَا مِنْهَا عِنْدَ اسْتِعْمَالِهَا، وَوَضَعَ الْأَلْفَاظَ الْمُرَكَّبَةَ لِمَعَانِيهَا الْمُرَكَّبَةِ لِيُفِيدَ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ أَرَادَهَا مِنْهَا عِنْدَ اسْتِعْمَالِهَا إلَّا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمُتَكَلِّمِ الْأَلْفَاظَ الْمُفْرَدَةَ لِمَعَانِيهَا الْمُفْرَدَةِ التَّوَصُّلُ بِهِ إلَى إفَادَةِ النَّسَبِ وَالتَّرْكِيبَاتِ؛ لِأَنَّهَا الْمُتَكَفِّلَةُ بِجَدْوَى الْمُخَاطَبَاتِ، وَهُوَ حَسَنٌ لَا مَحْذُورَ فِيهِ (وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ إنْ دَلَّ عَلَى مُطَابَقَةِ خَارِجٍ) أَيْ وَالْمُرَكَّبُ الَّذِي هُوَ جُمْلَةٌ خَبَرٌ إنْ فُهِمَ مِنْهُ نِسْبَةٌ بَيْنَ طَرَفَيْهِ مُطَابِقَةٌ لِلنِّسْبَةِ الَّتِي بَيْنَهُمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِأَنْ تَكُونَا ثُبُوتِيَّتَيْنِ أَوْ سَلْبِيَّتَيْنِ (وَأَمَّا عَدَمُهَا) أَيْ مُطَابَقَةِ النَّفْسِيَّةِ لِلْخَارِجِيَّةِ بِأَنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا ثُبُوتِيَّةً وَالْأُخْرَى سَلْبِيَّةً (فَلَيْسَ مَدْلُولًا وَلَا مُحْتَمَلَ اللَّفْظِ إنَّمَا يَجُوزُ الْعَقْلُ أَنَّ مَدْلُولَهُ) أَيْ اللَّفْظُ (غَيْرُ وَاقِعٍ) بِأَنْ يَكُونَ الْمُتَكَلِّمُ كَاذِبًا، وَهَذَا مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَنَّ الْخَبَرَ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ لَا يَدُلُّ إلَّا عَلَى الصِّدْقِ، وَأَمَّا الْكَذِبُ فَلَيْسَ بِمَدْلُولِهِ بَلْ هُوَ نَقِيضُهُ، وَقَوْلُهُمْ يَحْتَمِلُهُ لَا يُرِيدُونَ أَنَّ الْكَذِبَ مَدْلُولُ لَفْظِ الْخَبَرِ كَالصِّدْقِ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَا يَمْتَنِعُ عَقْلًا أَنْ لَا يَكُونَ مَدْلُولُهُ ثَابِتًا فِي الْخَارِجِ لَا أَنَّ احْتِمَالَ عَدَمِ الثُّبُوتِ مَدْلُولٌ لَهُ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْأَلْفَاظِ عَلَى مَعَانِيهَا وَضْعِيَّةٌ لَا عَقْلِيَّةٌ تَقْتَضِي اسْتِلْزَامَ الدَّلِيلِ لِلْمَدْلُولِ اسْتِلْزَامًا عَقْلِيًّا لِيَسْتَحِيلَ التَّخَلُّفُ كَمَا فِي دَلَالَة الْأَثَرِ عَلَى الْمُؤَثِّرِ.
(وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ الْمُرَكَّبُ الَّذِي هُوَ الْجُمْلَةُ عَلَى مُطَابَقَةِ خَارِجٍ بِأَنْ كَانَ لَا خَارِجَ لِنِسْبَتِهِ (فَإِنْشَاءٌ وَلَا حُكْمَ فِيهِ)؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ التَّصَوُّرِ، وَفَسَّرَ الْحُكْمَ بِقَوْلِهِ (أَيْ إدْرَاكُ أَنَّهَا) أَيْ نِسْبَتُهُ (وَاقِعَةٌ أَوَّلًا) دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أَنْ يُرَادَ بِهِ هُنَا النِّسْبَةُ فَإِنَّهُ مِمَّا يُقَالُ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ عَلَيْهِمَا، وَعَلَيْهِ فَيُفَرَّعُ أَنْ يُقَالَ (فَلَيْسَ كُلُّ جُمْلَةٍ قَضِيَّةٌ) لِصِدْقِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْخَبَرِ وَالْإِنْشَاءِ لِإِفَادَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا نِسْبَةً تَامَّةً بِمُجَرَّدِ ذَاتِهِ، وَعَدَمُ صِدْقِ الْقَضِيَّةِ عَلَى الْإِنْشَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لِقَائِلِهِ أَنَّهُ صَادِقٌ فِيهِ أَوْ كَاذِبٌ لِعَدَمِ الْخَارِجِ لِنِسْبَتِهِ، وَكُلُّ قَضِيَّةٍ جُمْلَةٌ (وَالْكَلَامُ يُرَادِفُهَا) أَيْ الْجُمْلَةَ (عِنْدَ قَوْمٍ) مِنْ النَّحْوِيِّينَ مِنْهُمْ الزَّمَخْشَرِيُّ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُفَصَّلِ (وَأَعَمُّ) مِنْهَا مُطْلَقًا (عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ كَاللُّغَوِيِّينَ) أَيْ كَمَا عِنْدَهُمْ لِنَقْلِ الْآمِدِيِّ فِي الْأَحْكَامِ عَنْ أَكْثَرَ الْأُصُولِيِّينَ وَالْإِمَامِ الرَّازِيِّ فِي الْمَحْصُولِ عَنْ جَمِيعِهِمْ أَنَّ الْكَلِمَةَ الْمُرَكَّبَةَ مِنْ حَرْفَيْنِ فَصَاعِدًا كَلَامٌ قَالَ صَاحِبُ الْبَدِيعِ فَهُوَ إذَنْ مَا انْتَظَمَ مِنْ الْحُرُوفِ الْمَسْمُوعَةِ الْمُتَوَاضِعِ عَلَيْهَا الصَّادِرَةِ عَنْ مُخْتَارٍ وَاحِدٍ فَمَا انْتَظَمَ أَيْ تَأَلَّفَ وَالتَّأْلِيفُ، وَإِنْ كَانَ حَقِيقَةً فِي الْأَجْسَامِ لَكِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْمُتَأَلِّفِ مِنْ الْحُرُوفِ تَشْبِيهًا بِهَا كَالْجِنْسِ وَالْبَاقِي كَالْفَصْلِ فَخَرَجَ بِمِنْ الْحُرُوفُ، وَالْمُرَادُ حَرْفَانِ فَصَاعِدًا الْمُتَأَلِّفُ مِنْ حَرْفٍ وَاحِدٍ وَحَرَكَتِهِ وَبِالْمَسْمُوعَةِ الْمَكْتُوبَةُ وَالْمَعْقُولَةُ، وَبِالْمُتَوَاضَعِ عَلَيْهَا الْمُهْمَلُ وَبِالصَّادِرَةِ عَنْ مُخْتَارٍ الْمَسْمُوعَةُ مِنْ الْجَمَادَاتِ وَبِوَاحِدٍ الصَّادِرَةُ عَنْ أَكْثَرَ مِنْ مُخْتَارٍ وَاحِدٍ كَمَا لَوْ صَدَرَتْ بَعْضُ حُرُوفِ الْكَلِمَةِ مِنْ وَاحِدٍ وَالْبَعْضُ مِنْ آخَرَ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى كَلَامًا قَالَ: وَاخْتُلِفَ فِي
[ ١ / ٨٧ ]
إطْلَاقِ لَفْظِ الْكَلَامِ عَلَى كَلِمَاتٍ مُجْتَمَعَةٍ غَيْرِ مُنْتَظِمَةِ الْمَعَانِي كَزَيْدٍ بَلْ فِي فَقِيلَ يُسَمَّى كَلَامًا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ كَلِمَاتِهِ وُضِعَ لِمَعْنًى وَيُسَمَّى كَلَامًا عِنْدَهُمْ فَالْمَجْمُوعُ أَوْلَى، وَقِيلَ لَا يُسَمَّى كَلَامًا ذَكَرَهُ سِرَاجُ الدِّينِ الْهِنْدِيُّ فِي شَرْحِهِ قُلْت وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُتَّجَهُ.
وَفِي الصِّحَاحِ الْكَلَامُ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَهَذِهِ النُّقُولُ تُفِيدُ إطْلَاقَ الْكَلَامِ عَلَى الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ عِنْدَ الْفَرِيقَيْنِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجُمْلَةَ لَا يُقَالُ عَلَيْهَا عِنْدَهُمْ، وَإِنَّمَا يُقَالُ عَلَى الْكَلِمَتَيْنِ فَصَاعِدًا فَإِذَنْ الْكَلَامُ أَعَمُّ مِنْهَا مُطْلَقًا، وَهِيَ أَخَصُّ مِنْهُ مُطْلَقًا لَكِنْ يَلْزَمُ مِنْ هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْأُصُولِيُّونَ أَنْ لَا يُطْلَقُ الْكَلَامُ عِنْدَهُمْ عَلَى لَفْظِ الْأَمْرِ الَّذِي عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ مِثْلَ ق وع إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَمًا، وَفِيهِ بُعْدٌ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْكَلَامُ لَكِنْ لَا مَعَ قَصْرِ النَّظَرِ عَلَيْهِ بَلْ مَعَ مُلَاحَظَةِ كَلِمَةٍ أُخْرَى مُقَدَّرَةٍ فِيهِ، وَهُوَ الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِيهِ وَلَا بِدَعَ فِي ذَلِكَ فَكَثِيرًا مَا يُعْطَى لِلْمُقَدَّرِ حُكْمُ الْمَلْفُوظِ ثُمَّ لَا يَضُرُّ فِي أَعَمِّيَّتِهِ إطْلَاقُ الْجُمْلَةِ عَلَى مِثْلِ هَذَا أَيْضًا ثُمَّ يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِ الْفَرِيقَيْنِ أَنَّ الْكَلَامَ بِاصْطِلَاحِ اللُّغَوِيِّينَ أَعَمُّ مِنْهُ بِاصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ وَلَا ضَيْرَ فِي ذَلِكَ، وَقَوْلُ الْبَدِيعِ، وَأَهْلِ اللُّغَةِ الْمُرَكَّبُ مِنْ كَلِمَتَيْنِ بِالْإِسْنَادِ مُرَادُهُ بِهِمْ النَّحْوِيُّونَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ شَارِحُوهُ نَعَمْ إنْ سَلِمَ قَوْلُ ابْنِ عُصْفُورٍ الْكَلَامُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَا يُتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ الْجَمَلِ سَوَاءٌ كَانَتْ مُفِيدَةً أَوْ غَيْرَ مُفِيدَةٍ عَكَّرَ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الْكَلَامَ وَالْجُمْلَةَ مُتَسَاوِيَانِ لَكِنْ لَعَلَّ مَا تَقَدَّمَ أَثْبَتُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(وَأَخَصُّ) مِنْهَا مُطْلَقًا، وَهِيَ أَعَمُّ مِنْهُ مُطْلَقًا (عِنْدَ آخَرِينَ) مِنْهُمْ ابْنُ مَالِكٍ، وَمَشَى عَلَيْهِ الإستراباذي وَذَكَرَ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ أَنَّهُ الِاصْطِلَاحُ الْمَشْهُورُ فَقَالُوا الْكَلَامُ مَا تَضَمَّنَ الْإِسْنَادَ الْأَصْلِيَّ وَكَانَ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ، وَالْجُمْلَةُ مَا تَضَمَّنَ الْإِسْنَادُ الْأَصْلِيُّ سَوَاءٌ كَانَ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ أَوْ لَا فَالْمَصْدَرُ وَالصِّفَاتُ الْمُسْنَدَةُ إلَى فَاعِلِهَا لَيْسَتْ كَلَامًا وَلَا جُمْلَةً؛ لِأَنَّ إسْنَادَهَا لَيْسَ أَصْلِيًّا، وَالْجُمْلَةُ الْوَاقِعَةُ خَبَرًا أَوْ وَصْفًا أَوْ حَالًا أَوْ شَرْطًا أَوْ صِلَةً أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ جُمْلَةً وَلَيْسَتْ بِكَلَامٍ؛ لِأَنَّ إسْنَادَهَا لَيْسَ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ، وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالصَّوَابُ أَنَّهَا أَعَمُّ مِنْهُ إذْ شَرْطُهُ الْإِفَادَةُ بِخِلَافِهَا وَلِهَذَا تَسْمَعُهُمْ يَقُولُونَ جُمْلَةُ الشَّرْطِ جُمْلَةُ الصِّلَةِ وَكُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ مُفِيدًا فَلَيْسَ كَلَامًا اهـ.
وَهَذَا كَمَا تَرَى يُفِيدُ أَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِخُصُوصِ الْكَلَامِ اشْتِرَاطُ الْإِفَادَةِ فِيهِ دُونَ الْجُمْلَةِ لَا اشْتِرَاطُ كَوْنِ الْإِسْنَادِ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ فِيهِ دُونَهَا، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ عَلَى مَا يُفِيدُهُ قَوْلُ ابْنِ مَالِكٍ، وَقَدْ صَرَّحَ سِيبَوَيْهِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ مَا يُطْلَقُ حَقِيقَةً إلَّا عَلَى الْجُمَلِ الْمُفِيدَةِ اهـ. فَيَتَلَخَّصُ أَنَّ الْمُرَادَ بِاشْتِرَاطِ الْإِفَادَةِ فِي الْكَلَامِ اشْتِرَاطُهَا فِيمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ حَالَةَ إطْلَاقِهِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ الْإِفَادَةَ لَا تُشْتَرَطُ فِي الْجُمْلَةِ أَصْلًا ثُمَّ عَلَى هَذَا لَوْ قَالَ الْقَائِلُونَ بِالتَّرَادُفِ بَيْنَهُمَا أَنَّ كِلَيْهِمَا لَا يُقَالُ: حَقِيقَةٌ اصْطِلَاحِيَّةٌ إلَّا عَلَى مَا اشْتَمَلَ عَلَى الْإِسْنَادِ الْمُفِيدِ، وَقَوْلُهُمْ جُمْلَةُ الشَّرْطِ وَالصِّلَةِ وَنَحْوُهُمَا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْإِفَادَةِ فِيهَا لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَوْ بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ. وَنَظِيرُهُ تَسْمِيَتُهُمْ الْمُضَارَعَ الدَّاخِلَ عَلَيْهِ لَمْ الْمُقْتَضِيَةُ قَلْبَهُ مَاضِيًا مُضَارَعًا بِأَحَدِ هَذَيْنِ الِاعْتِبَارَيْنِ وَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْجُمْلَةَ أَعَمُّ مِنْ الْكَلَامِ اصْطِلَاحًا هُوَ الصَّوَابُ لَاحْتَاجُوا إلَى الْجَوَابِ فَلْيُتَأَمَّلْ.