(التَّقْسِيمُ الثَّانِي مَدْلُولُهُ) أَيْ الْمُفْرَدِ (إمَّا لَفْظٌ كَالْجُمْلَةِ وَالْخَبَرِ) فَإِنَّ مَدْلُولَ كُلٍّ مِنْهُمَا مُرَكَّبٌ خَاصٌّ كَ زَيْدٌ قَائِمٌ وَقَدْ عَرَفْت فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْجُمْلَةَ أَعَمُّ مِنْ الْخَبَرِ (وَالِاسْمِ وَالْفِعْلِ وَالْحَرْفِ) فَإِنَّ مَدْلُولَهَا أَلْفَاظٌ خَاصَّةٌ مِنْ نَحْوِ زَيْدٌ وَعَلِمَ وَقَدْ (عَلَى نَوْعِ تَسَاهُلٍ؛ إذْ الْأَلْفَاظُ مَاصَدَقَاتُ مَدْلُولِهِ) أَيْ الْمُفْرَدِ (الْكُلِّيَّ) لَا نَفْسَ مَدْلُولِهِ قَالَ الْمُصَنِّفُ (إلَّا أَنْ يُرَادَ كُلُّ جُمْلَةٍ مُتَحَقِّقَةٍ خَارِجًا) فَيَكُونُ مَدْلُولُهَا اللَّفْظَ الْخَاصَّ بِلَا تَسَاهُلٍ حِينَئِذٍ ضَرُورَةَ أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِأَمْرٍ مُعَيَّنٍ فِي الْخَارِجِ لَا لِلْمُرَكَّبِ الْكُلِّيِّ الصَّادِقِ عَلَى مِثْلِ: زَيْدٌ قَائِمٌ وَغَيْرُهُ (أَوْ غَيْرُهُ) عَطْفٌ عَلَى " لَفْظٌ " أَيْ أَوْ غَيْرُ لَفْظٍ وَحِينَئِذٍ (فَإِمَّا لَا يَدُلُّ) اللَّفْظُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَدْلُولِهِ (إلَّا بِضَمِيمَةٍ إلَيْهِ) أَيْ إلَى اللَّفْظِ (لِوَضْعِهِ) أَيْ اللَّفْظِ (لِمَعْنًى جُزْئِيٍّ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَلْحُوظٌ بَيْنَ شَيْئَيْنِ خَاصَّيْنِ فَهُوَ الْحَرْفُ كَمِنْ وَإِلَى) فِي نَحْوِ سِرْت مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ فَلَزِمَ كَوْنُ ذِكْرِهِمَا شَرْطَ دَلَالَتِهِ (بِخِلَافِ) الْأَسْمَاءِ (اللَّازِمَةِ لِلْإِضَافَةِ) إلَى غَيْرِهَا كَ ذُو وَقَبْلُ وَبَعْدُ فَإِنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِمَعْنًى كُلِّيٍّ مِنْ صَاحِبٍ وَسَبْقٍ وَتَأَخُّرٍ فَالْتُزِمَ ذِكْرُ مَا أُضِيفَتْ إلَيْهِ لِبَيَانِهِ لَا لِتَوَقُّفِ مَعْنَاهَا فِي حَدِّ ذَاتِهِ عَلَيْهِ
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَعَانِيَ الَّتِي وُضِعَتْ الْأَلْفَاظُ لَهَا قِسْمَانِ غَيْرُ إضَافِيٍّ وَالْأَلْفَاظُ الْمَوْضُوعَةُ لَهُ اسْمٌ أَوْ فِعْلٌ وَإِضَافِيٌّ تَارَةً يُعْتَبَرُ فِي نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُلَاحَظَ تَعَلُّقُهُ بِالْغَيْرِ، وَتَوَقُّفُ تَعَقُّلِهِ عَلَى تَعَقُّلِ الْغَيْرِ، وَاللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لَهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ إمَّا اسْمٌ أَوْ فِعْلٌ وَتَارَةً يُعْتَبَرُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إضَافَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْغَيْرِ مُتَوَقِّفٌ تَعَقُّلُهَا عَلَى تَعَقُّلِ الْغَيْرِ وَاللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لَهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ حَرْفٌ، وَلَمَّا كَانَ الْمَعْنَى الْإِضَافِيُّ بِالِاعْتِبَارِ الثَّانِي لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا مَعَ غَيْرِهِ فَاللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَيْهِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ ذِكْرِ الْغَيْرِ؛ مَثَلًا مَفْهُومُ الِابْتِدَاءِ مَفْهُومٌ إضَافِيٌّ فَإِذَا اعْتَبَرْت الِابْتِدَاءَ فِي نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةِ تَعَلُّقِهِ بِالْغَيْرِ يَكُونُ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَيْهِ اسْمًا إنْ كَانَ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِأَحَدِ الْأَزْمِنَةِ الثَّلَاثَةِ مِثْلُ ابْتِدَاءٍ وَمُبْتَدَأٍ وَإِنْ كَانَ مُقْتَرِنًا بِأَحَدِ الْأَزْمِنَةِ الثَّلَاثَةِ مِثْلُ ابْتَدَأَ وَيَبْتَدِئُ وَابْتَدِئْ فَهُوَ فِعْلٌ وَإِذَا اعْتَبَرْته مِنْ حَيْثُ إنَّهُ ابْتِدَاءٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَحَلِّ الْمَخْرُوجِ عَنْهُ فَاللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَيْهِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ حَرْفٌ مِثْلُ " مِنْ " نَحْوُ خَرَجْت مِنْ الْبَصْرَةِ (أَوْ يَسْتَقِلُّ) اللَّفْظُ (بِالدَّلَالَةِ) عَلَى مَعْنَاهُ مِنْ غَيْرِ ضَمِيمَةٍ إلَيْهِ (لِعَدَمِ ذَلِكَ) أَيْ وَضْعِهِ لِمَعْنًى جُزْئِيٍّ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَلْحُوظٌ بَيْنَ شَيْئَيْنِ خَاصَّيْنِ.
وَحِينَئِذٍ (فَإِمَّا لَا يَكُونُ مَعْنَاهُ حَدَثًا مُقَيَّدًا بِأَحَدِ الْأَزْمِنَةِ الثَّلَاثَةِ) الْمَاضِي وَالْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ (بِهَيْئَةٍ) خَاصَّةٍ لِلَّفْظِ لِعَدَمِ وَضْعِهِ لَهُ بَلْ لِوَضْعِهِ لِمَعْنًى غَيْرِ مُقْتَرِنٍ بِأَحَدِهَا (فَهُوَ الِاسْمُ كَالِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ فَالْكَافُ وَعَنْ وَعَلَى حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا (مُشْتَرَكٌ لَفْظِيٌّ لَهُ وُضِعَ لِلْمَعْنَى الْكُلِّيِّ) وَهُوَ الْمِثْلُ (يُسْتَعْمَلُ فِيهِ اسْمًا كَبِكَابْنِ الْمَاءِ) فِي قَوْلِ امْرِئِ الْقِيسِ
وَرُحْنَا بِكَابِنِ الْمَاءِ يُجْنَبُ وَسْطَنَا تُصَوَّبُ فِيهِ الْعَيْنُ طَوْرًا وَتَرْتَقِي
فَالْكَافُ فِيهِ اسْمٌ بِمَعْنَى مِثْلِ بِشَهَادَةِ دُخُولِ الْجَارِ عَلَيْهَا أَيْ بِفَرَسٍ مِثْلِ ابْنِ الْمَاءِ، وَهُوَ الْكُرْكِيُّ شَبَّهَ بِهِ فَرَسَهُ فِي خِفَّتِهِ وَطُولِ عُنُقِهِ، وَإِنَّمَا الشَّأْنُ فِي أَنَّهَا لَا تَكُونُ اسْمًا إلَّا فِي الشِّعْرِ كَمَا هُوَ مَعْزُوٌّ إلَى سِيبَوَيْهِ وَالْمُحَقِّقِينَ
[ ١ / ١٧٤ ]
أَوْ تَكُونُ فِيهِ وَفِي سَعَةِ الْكَلَامِ كَمَا هُوَ مَعْزُوٌّ إلَى كَثِيرٍ مِنْهُمْ الْأَخْفَشُ وَالْفَارِسِيُّ وَاخْتَارَهُ ابْنُ مَالِكٍ وَلَعَلَّهُ الْأَظْهَرُ (وَ) وُضِعَ (لِخُصُوصٍ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَعْنَى الْكُلِّيِّ (كَذَلِكَ) أَيْ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَلْحُوظٌ بَيْنَ شَيْئَيْنِ خَاصَّيْنِ وَهُوَ التَّشْبِيهُ (فَيُسْتَعْمَلُ فِيهِ حَرْفًا كَ جَاءَ الَّذِي كَعَمْرٍو) أَيْ الَّذِي اسْتَقَرَّ كَعَمْرٍو.
وَحَرْفِيَّتُهَا فِي مِثْلِ هَذَا مُتَعَيِّنَةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِئَلَّا يَلْزَمَ الصِّلَةُ بِالْمُفْرَدِ عَلَى تَقْدِيرِهَا اسْمًا رَاجِحَةٌ عِنْدَ الْأَخْفَشِ وَالْجُزُولِيِّ وَابْنِ مَالِكٍ مُجَوِّزِينَ أَنْ تَكُونَ مَعَ مَدْخُولِهَا مُضَافًا وَمُضَافًا إلَيْهِ عَلَى إضْمَارِ مُبْتَدَإٍ كَمَا فِي قِرَاءَةِ بَعْضِهِمْ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنُ وَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ تَخْرِيجٌ لِلْفَصِيحِ عَلَى الشَّاذِّ (وَقِسْ الْأَخِيرَيْنِ) أَيْ عَنْ وَعَلَى (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى هَذَا فَقُلْ وَعَنْ لَهُ وَضْعٌ لِلْمَعْنَى الْكُلِّيِّ وَهُوَ الْجَانِبُ فَيُسْتَعْمَلُ فِيهِ اسْمًا كَمَا فِي قَوْلِهِ
فَلَقَدْ أُرَانِي لِلرِّمَاحِ دَرِيئَةً مِنْ عَنْ يَمِينِي مَرَّةً وَأَمَامِي
وَوَضْعٌ لِلْمَعْنَى الْجُزْئِيِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَلْحُوظٌ بَيْنَ شَيْئَيْنِ خَاصَّيْنِ وَهُوَ الْمُجَاوَزَةُ فَيُسْتَعْمَلُ فِيهِ حَرْفًا كَمَا فِي مِثْلِ سَافَرْت عَنْ الْبَلَدِ وَعَلَى لَهُ وَضْعٌ لِلْمَعْنَى الْكُلِّيِّ وَهُوَ الْفَرْقُ فَيُسْتَعْمَلُ فِيهِ اسْمًا كَمَا فِي قَوْلِ كَعْبٍ
غَدَتْ مِنْ عَلَيْهِ بَعْدَمَا تَمَّ ظَمَؤُهَا
وَوَضْعٌ لِلْمَعْنَى الْجُزْئِيِّ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَلْحُوظٌ بَيْنَ شَيْئَيْنِ خَاصَّيْنِ وَهُوَ الِاسْتِعْلَاءُ فَيُسْتَعْمَلُ فِيهِ حَرْفًا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢] خِلَافًا لِجَمَاعَةٍ مِنْ نُحَاةِ الْعَرَبِ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّهَا لَا تَكُونُ حَرْفًا، وَأَنَّهُ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وَهُوَ زَعْمٌ بَعِيدٌ ثُمَّ الْأَشْبَهُ أَنَّ عَلَى حَيْثُ كَانَ مُشْتَرَكًا لَفْظِيًّا بَيْنَ الِاسْمِ وَالْحَرْفِ مَعَ أَنَّ الِاسْمَ مِنْ الْعُلُوِّ وَيُكْتَبُ بِالْأَلِفِ، وَأَصْلُهُ وَاوٌ بِخِلَافِ الْحَرْفِ يَزِيدُ عَلَى الْكَافِ وَعَنْ بِوَضْعٍ آخَرَ لِمَعْنًى كُلِّيٍّ مُقَيَّدٍ بِالزَّمَانِ الْمَاضِي وَهُوَ الْعُلُوُّ فِيهِ فَيُسْتَعْمَلُ فِيهِ فِعْلًا مَاضِيًا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ﴾ [القصص: ٤] فَيَكُونُ مُشْتَرَكًا لَفْظِيًّا بَيْنَ الْحَرْفِ وَالِاسْمِ وَالْفِعْلِ، وَلَا يَكُونُ كَوْنُهُ مِنْ الْعُلُوِّ وَيُكْتَبُ بِالْأَلِفِ وَإِنَّهَا فِي الْأَصْلِ وَاوٌ مَانِعًا مِنْ ذَلِكَ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ابْنُ الْحَاجِبِ (أَوْ يَكُونُ) مَعْنَاهُ حَدَثًا مُقَيَّدًا بِأَحَدِ الْأَزْمِنَةِ الثَّلَاثَةِ بِهَيْئَةٍ خَاصَّةٍ لَهُ (فَالْفِعْلُ) بِأَقْسَامِهِ مِنْ الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ وَأَمْرِ الْمُخَاطَبِ، ثُمَّ فَائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِالْهَيْئَةِ الْخَاصَّةِ فِي بَيَانِ الِاسْمِ وَالْفِعْلِ دَفْعُ وُرُودِ نَحْوِ ضَارِبٍ غَدًا عَلَى عَكْسِ بَيَانِ الِاسْمِ، وَطَرْدُ بَيَانِ الْفِعْلِ فَإِنَّهُ لَوْلَاهُ لَمْ يَصْدُقْ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُ دَالٍّ عَلَى حَدَثٍ مُقَيَّدٍ بِأَحَدِ الْأَزْمِنَةِ مَعَ أَنَّهُ اسْمٌ وَصَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ دَالٌّ عَلَى حَدَثٍ مُقَيَّدٍ بِأَحَدِ الْأَزْمِنَةِ الثَّلَاثَةِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِفِعْلٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ