الْمَقَامُ الرَّابِعُ فِي أَنَّهُ هَلْ يُحْكَمُ بِاعْتِبَارِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ اللَّفْظِ وَمَعْنَاهُ الْمَوْضُوعِ لَهُ؟ . فَقَالَ الْمُصَنِّفُ آتِيًا بِمَا هُوَ مِنْ فَصْلِ الْخَطَّابِ عَلَاقَةٌ وَكِيدَةٌ بَيْنَ الْخُرُوجِ مِنْ الْكَلَامِ إلَى آخِرَ الْأَمْرِ (هَذَا) أَوْ مَضَى هَذَا أَوْ هَذَا كَمَا ذَكَرَ (أَمَّا اعْتِبَارُ الْمُنَاسَبَةِ) بَيْنَ اللَّفْظِ وَمَعْنَاهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ وَضْعُ لَفْظٍ لِمَعْنًى إلَّا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا مُنَاسَبَةٌ (فَيَجِبُ الْحُكْمُ بِهِ) أَيْ بِاعْتِبَارِهَا بَيْنَهُمَا (فِي وَضْعِهِ تَعَالَى) أَيْ فِيمَا عُلِمَ أَنَّ وَاضِعَ ذَلِكَ اللَّفْظِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فَإِنْ خَفِيَ ذَلِكَ عَلَيْنَا بِالنِّسْبَةِ إلَى بَعْضِ الْأَلْفَاظِ مَعَ مَعَانِيهَا فَلِقُصُورٍ مِنَّا أَوْ لِغَيْرِهِ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ حِكْمَتِهِ وَإِرَادَتِهِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا (لِلْقَطْعِ بِحِكْمَتِهِ) وَكَيْفَ لَا، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، وَهَذَا الْقَدْرُ مِنْ بَعْضِ آثَارِ مُقْتَضَيَاتِهَا فَيَجِبُ الْقَطْعُ بِهِ (وَهُوَ) أَيْ اعْتِبَارُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهُمَا (ظَاهِرٌ فِي غَيْرِهِ) أَيْ مَظْنُونٌ وُجُودُهُ فِي غَيْرِ مَا عُلِمَ مِنْ الْأَلْفَاظِ وَضَعَ الْبَارِي تَعَالَى إيَّاهَا لِمَعَانِيهَا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ حِكْمَةُ الْوَاضِعِ وَرِعَايَةُ التَّنَاسُبِ مِنْ مُقْتَضَيَاتِهَا، فَالظَّاهِرُ وُجُودُهُ. وَقَوْلُهُ (وَالْوَاحِدُ قَدْ يُنَاسِبُ بِالذَّاتِ الضِّدَّيْنِ) جَوَابٌ عَنْ دَخْلٍ مُقَدَّرٍ، وَهُوَ أَنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ قَدْ يَكُونُ لِلشَّيْءِ وَضِدِّهِ كَالْجَوْنِ لِلْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ، وَبِمُنَاسَبَتِهِ لِأَحَدِهِمَا لَا يَكُونُ مُنَاسِبًا لِلْآخَرِ. وَإِيضَاحُ الْجَوَابِ أَنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ يَجُوزُ أَنْ يُنَاسِبَ بِالذَّاتِ مَعْنَيَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ مِنْ وَجْهَيْنِ كُلًّا مِنْ وَجْهٍ فَيَصْدُقُ أَنَّ بَيْنَ كُلٍّ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ وُضِعَ اللَّفْظُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا وَبَيْنَ اللَّفْظِ مُنَاسَبَةً ذَاتِيَّةً، وَكَشْفُ الْغِطَاءِ عَنْ هَذَا أَنَّ الْمُنَاسَبَةَ اتِّحَادُ الشَّيْئَيْنِ فِي الْمُضَافِ كَاتِّحَادِ زَيْدٍ وَعَمْرٍو فِي بُنُوَّةِ بِكْرٍ، وَاتِّحَادِ مُتَضَادَّيْنِ فِي الْمُضَافِ لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ وَلَا مُسْتَبْعَدٍ (فَلَا يُسْتَدَلُّ عَلَى نَفْيِ لُزُومِهَا) أَيْ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ اللَّفْظِ، وَمَعْنَاهُ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَنْ يَذْكُرُهُ (بِوَضْعِ) اللَّفْظِ (الْوَاحِدِ لَهُمَا) أَيْ لِلضِّدَّيْنِ كَمَا تَوَارَدُوهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ أَنَّ هَذَا لَا يُنَافِيهَا ثُمَّ لَمَّا كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ تَسَاوِي نِسْبَةِ الْأَلْفَاظِ إلَى مَعَانِيهَا، وَأَنَّ الْمُخَصِّصَ لِبَعْضِهَا بِبَعْضِ الْمَعَانِي دُونَ بَعْضٍ هُوَ إرَادَةُ الْوَاضِعِ الْمُخْتَارِ، سَوَاءٌ كَانَ هُوَ اللَّهَ تَعَالَى أَوْ غَيْرَهُ، وَقَدْ نَقَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الثِّقَاتِ أَنَّ أَهْلَ التَّكَسُّرِ وَبَعْضَ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْهُمْ عَبَّادُ بْنُ سُلَيْمَانَ الصَّيْمَرِيُّ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى مُنَاسَبَةٌ طَبِيعِيَّةٌ مُوجِبَةٌ لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى الْوَضْعِ، يُدْرِكُ ذَلِكَ مَنْ خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ كَمَا فِي الْقَافَةِ وَيَعْرِفُهُ غَيْرُهُ مِنْهُ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ أَنَّهُ حَكَى أَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ يَدَّعِي أَنَّهُ يَعْلَمُ الْمُسَمَّيَاتِ مِنْ الْأَسْمَاءِ فَقِيلَ لَهُ مَا مُسَمَّى أَذْغَاغِ، وَهُوَ مِنْ لُغَةِ الْبَرْبَرِ فَقَالَ أَجِدُ فِيهِ يُبْسًا شَدِيدًا، وَأَرَاهُ اسْمَ الْحَجَرِ، وَهُوَ كَذَلِكَ. وَرَدَّ الْجُمْهُورُ هَذَا الْقَوْلَ بِوُجُوهٍ مِنْهَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَامْتَنَعَ نَقْلُ اللَّفْظِ عَنْ مَعْنَاهُ الذَّاتِيِّ إلَى مَعْنًى آخَرَ بِحَيْثُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ الذَّاتِيُّ أَصْلًا وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ ثُمَّ ذَكَر السَّكَّاكِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ أَهْلَ التَّصْرِيفِ وَالِاشْتِقَاقِ عَلَى أَنَّ لِلْحُرُوفِ فِي أَنْفُسِهَا خَوَاصَّ بِهَا تَخْتَلِفُ كَالْجَهْرِ وَالْهَمْسِ وَغَيْرِهِمَا
[ ١ / ٧٤ ]
مُسْتَدْعِيَةً فِي حَقِّ عَالِمِهَا إذَا أَخَذَ فِي تَعْيِينِ شَيْءٍ يُرَكِّبُ مِنْهُ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُهْمِلُ التَّنَاسُبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَعْنَى الَّذِي عَيَّنَهُ لَهُ قَضَاءٌ لِحَقِّ الْحِكْمَةِ.
وَمِنْ ثَمَّةَ تَرَى الْفَصْمَ بِالْفَاءِ الَّذِي هُوَ حَرْفٌ رَخْوٌ لِكَسْرِ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبِينَ وَبِالْقَافِ الَّذِي هُوَ حَرْفٌ شَدِيدٌ لِكَسْرِ الشَّيْءِ حَتَّى يَبِينَ، وَأَنَّ لِهَيْئَاتِ تَرْكِيبَاتِ الْحُرُوفِ أَيْضًا خَوَاصَّ يَلْزَمُ فِيهَا مَا يَلْزَمُ فِي الْحُرُوفِ، وَمِنْ ثَمَّةَ كَانَ الْفَعَلَانُ وَالْفَعَلَى بِالتَّحْرِيكِ لِمَا فِي مُسَمَّاهُ كَثْرَةُ حَرَكَةٍ كَالنَّزَوَانِ وَالْحَيَدَى. وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُ يَنْبَغِي حَمْلُ كَلَامِ الْعَاقِلِ عَلَى الصِّحَّةِ مَا أَمْكَنَ وَلَا سِيَّمَا مَنْ كَانَ مِنْ عِدَادِ الْعُلَمَاءِ لَا جَرَمَ أَنْ أَوَّلَ السَّكَّاكِيُّ قَوْلَ عَبَّادٍ بِهَذَا مُجَوِّزًا أَنْ يَكُونَ هَذَا مُرَادَهُ بِنَوْعٍ مِنْ الرَّمْزِ إلَيْهِ وَوَافَقَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَيْهِ لَكِنْ مِنْ غَيْرِ الْتِزَامِ ضَابِطٍ فِي الْمُنَاسَبَةِ مِنْ جِهَةٍ خَاصَّةٍ لِيَشْمَلَ مَا ذَكَرَ وَغَيْرَهُ لِمَا عَلَى الْحَصْرِ فِيهِ مِنْ التَّعَقُّبِ لِمَا نَذْكُرُ قَرِيبًا.
فَقَالَ: (وَهُوَ) أَيْ وُجُوبُ الْحُكْمِ بِاعْتِبَارِ الْمُنَاسَبَةِ قَطْعًا أَوْ ظَنًّا بَيْنَ اللَّفْظِ، وَمَعْنَاهُ كَمَا فَصَّلْنَاهُ (مُرَادُ الْقَائِلِ بِلُزُومِ الْمُنَاسَبَةِ فِي الدَّلَالَةِ) أَيْ دَلَالَةِ الْأَلْفَاظِ عَلَى مَعَانِيهَا فَإِنَّهُ مُمْكِنٌ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَمْنَعُ إرَادَتَهُ بَلْ وُجِدَ مَا يُعَيِّنُهَا، وَهُوَ حَمْلُ كَلَامِ الْعَاقِلِ عَلَى الصِّحَّةِ مَا أَمْكَنَ (وَإِلَّا فَهُوَ ضَرُورِيُّ الْبُطْلَانِ) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا مُرَادَ عَبَّادٍ مِنْ قَوْلِهِ فَقَوْلُهُ ضَرُورِيُّ الْبُطْلَانِ عِنْدَ أُولِي الْعِلْمِ وَالْإِتْقَانِ كَمَا يَشْهَدُ بِهِ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْحُجَجِ وَالْبُرْهَانِ ثُمَّ يَنْبَغِي التَّنَبُّهُ هُنَا لِأَمْرَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنَّ صَرْفَ قَوْلِ عَبَّادٍ، وَمَنْ وَافَقَهُ عَنْ ظَاهِرِهِ إلَى أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ كَمَا عَلَيْهِ التَّصْرِيفِيُّونَ إنَّمَا يَتِمُّ إذَا كَانَ عَبَّادٌ، وَمَنْ وَافَقَهُ قَائِلِينَ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنْ الْوَضْعِ كَمَا ذَكَرَ الْإِسْنَوِيُّ أَنَّهُ مُقْتَضَى كَلَامِ الْآمِدِيِّ فِي النَّقْلِ عَنْهُمْ أَمَّا إذَا كَانُوا مُصَرِّحِينَ بِأَنَّهُ يُفِيدُ الْمَعْنَى بِذَاتِهِ لِمُنَاسَبَةٍ ذَاتِيَّةٍ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى وَضْعٍ كَمَا قَرَّرْنَاهُ آنِفًا، وَنَقَلَهُ فِي الْمَحْصُولِ عَنْ عَبَّادٍ، وَقَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ إنَّهُ الصَّحِيحُ عَنْهُ فَلَا يَتِمُّ وَهُوَ ظَاهِرُ ثَانِيهِمَا أَنَّهُ يَطْرُقُ مَا عَلَيْهِ التَّصْرِيفِيُّونَ مَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُ الشَّرِيفُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَخْفَى أَنَّ اعْتِبَارَ التَّنَاسُبِ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى بِحَسَبِ خَوَاصِّ الْحُرُوفِ وَالتَّرْكِيبَاتِ يَتَأَتَّى فِي بَعْضِ الْكَلِمَاتِ، وَأَمَّا اعْتِبَارُهُ فِي جَمِيعِ كَلِمَاتِ لُغَةٍ وَاحِدَةٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُتَعَذِّرٌ فَمَا الظَّنُّ بِاعْتِبَارِهِ فِي جَمِيعِ كَلِمَاتِ اللُّغَاتِ.