الْمَقَامُ السَّابِعُ فِي أَنَّ الْقِيَاسَ هَلْ يَجْرِي فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَكُونُ طَرِيقًا مُثَبِّتًا لَهَا، وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَيْهِ مُفَسِّرًا لِمَا هُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ، وَمُبَيِّنًا لِمَا هُوَ الْمُخْتَارُ فَقَالَ (وَاخْتُلِفَ فِي الْقِيَاسِ أَيْ إذَا سَمَّى مُسَمًّى بِاسْمٍ فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الْمُسَمَّى (مَعْنَى يُخَالُ اعْتِبَارُهُ فِي التَّسْمِيَةِ) أَيْ يُظَنُّ كَوْنُ ذَلِكَ الْمَعْنَى سَبَبًا لِتَسْمِيَةِ ذَلِكَ الْمُسَمَّى بِذَلِكَ الِاسْمِ (لَلدَّوْرَانِ) أَيْ لِأَجْلِ دَوْرَانِ التَّسْمِيَةِ بِذَلِكَ الِاسْمِ مَعَ ذَلِكَ الْمَعْنَى وُجُودًا وَعَدَمًا فَيَرَى أَنَّهُ مَلْزُومُ التَّسْمِيَةِ، وَأَنَّهَا لَازِمَةٌ لَهُ فَأَيْنَمَا وُجِدَ تُوجَدُ (وَيُوجَدُ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ يُوجَدُ ذَلِكَ الْمَعْنَى (فِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ ذَلِكَ الْمُسَمَّى أَيْضًا (فَهَلْ يَتَعَدَّى الِاسْمُ إلَيْهِ) أَيْ إلَى ذَلِكَ الْغَيْرِ (فَيُطْلَقُ) ذَلِكَ الِاسْمُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى ذَلِكَ الْغَيْرِ (حَقِيقَةً كَالْمُسَمَّى نَقْلًا) أَيْ كَمَا أُطْلِقَ الِاسْمُ عَلَى ذَلِكَ
[ ١ / ٧٧ ]
الْمُسَمَّى الَّذِي ثَبَتَ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِ نَقْلًا لَا تَعْدِيَةً أَوْ لَا يَتَعَدَّى الِاسْمُ إلَيْهِ بَلْ يَخُصُّ حَقِيقَةَ ذَلِكَ الْمُسَمَّى، وَإِنَّمَا يُطْلَقُ إذَا أُطْلِقَ عَلَى غَيْرِهِ مَجَازًا (كَالْخَمْرِ) فَإِنَّهَا اسْمٌ لِلنِّيءِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ إذْ غَلَا وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ فَهَلْ يُطْلَقُ حَقِيقَةً (عَلَى النَّبِيذِ) مِنْ الْأَنْبِذَةِ الْمُسْكِرَةِ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى النِّيءِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ الْمَذْكُورِ إلْحَاقًا لَهُ بِهِ فِي الِاسْمِ الْمَذْكُورِ (لِلْمُخَامَرَةِ) أَيْ لِلْمَعْنَى الَّذِي هُوَ التَّخْمِيرُ لِلْعَقْلِ، وَهُوَ تَغْطِيَتُهُ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَهُمَا الَّذِي دَارَتْ التَّسْمِيَةُ لِلْمُسَمَّى مَعَهُ وُجُودًا وَعَدَمًا فَإِنَّ التَّخْمِيرَ لِلْعَقْلِ مَا لَمْ يُوجَدْ فِي مَاءِ الْعِنَبِ لَا يُسَمَّى خَمْرًا بَلْ يُسَمَّى عَصِيرًا وَخَلًّا، وَإِذَا وُجِدَ فِيهِ سُمِّيَ بِهَا.
(أَوْ يَخُصُّ) هَذَا الِاسْمَ الَّذِي هُوَ الْخَمْرُ (بِمُخَامِرٍ هُوَ مَاءُ الْعِنَبِ) الْمَذْكُورِ فَلَا يُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلَى النَّبِيذِ لِانْتِفَاءِ تِلْكَ الذَّاتِ (وَالسَّارِقِ) أَيْ، وَمِثْلُ السَّارِقِ فَإِنَّهُ اسْمٌ لِلْآخِذِ مَالِ الْحَيِّ خُفْيَةً مِنْ حِرْزٍ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِيهِ فَهَلْ يُطْلَقُ حَقِيقَةً (عَلَى النَّبَّاشِ)، وَهُوَ مَنْ يَأْخُذُ كَفَنَ الْمَيِّتِ خُفْيَةً مِنْ الْقَبْرِ بَعْدَ دَفْنِهِ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْآخِذِ الْمَذْكُورِ إلْحَاقًا لَهُ بِهِ فِي الِاسْمِ الْمَذْكُورِ (لِلْأَخْذِ خُفْيَةً) أَيْ لِهَذَا الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا الَّذِي دَارَتْ التَّسْمِيَةُ لِلْمُسَمَّى مَعَهُ وُجُودًا، وَعَدَمًا فَإِنَّ الْآخِذَ لِمَالِ الْحَيِّ مُجَاهَرَةً لَا يُسَمَّى سَارِقًا بَلْ يُسَمَّى مُكَابِرًا أَوْ غَاصِبًا، وَإِذَا وُجِدَ الْمَعْنَى الْمَذْكُورُ يُسَمَّى سَارِقًا أَوْ لَا يُطْلَقُ حَقِيقَةً عَنْ النَّبَّاشِ لِانْتِفَاءِ تِلْكَ الذَّاتِ (وَالزَّانِي) أَيْ، وَمِثْلُ الزَّانِي فَإِنَّهُ اسْمٌ لِلْمُولِجِ آلَتَهُ فِي قُبُلِ آدَمِيَّةٍ حَيَّةٍ مُحَرَّمَةٍ عَلَيْهِ بِلَا شُبْهَةٍ فَهَلْ يُطْلَقُ (عَلَى اللَّائِطِ) إلْحَاقًا لَهُ بِهِ فِي الِاسْمِ الْمَذْكُورِ لِلْإِيلَاجِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي هُوَ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا الَّذِي دَارَتْ التَّسْمِيَةُ لِلْمُسَمَّى مَعَهُ وُجُودًا وَعَدَمًا أَوْ لَا يُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلَى اللَّائِطِ لِانْتِفَاءِ تِلْكَ الذَّاتِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْقِيَاسَ يَجْرِي فِي ذَلِكَ، وَهُوَ مُخْتَارُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ وَالْإِمَامِ الرَّازِيِّ وَنَقَلَ ابْنُ جِنِّي أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ عُلَمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ. ثَانِيهِمَا الْمَنْعُ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ مِنْهُمْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالْآمِدِيُّ، وَعَامَّةُ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (وَالْمُخْتَارُ نَفْيُهُ) أَيْ كَوْنُ الْقِيَاسِ طَرِيقًا مُثَبِّتًا لِلُّغَةِ.
(قَالُوا) أَيْ الْمُثَبِّتُونَ: الْحُجَّةُ (الدَّوَرَانُ) أَيْ دَارَ الِاسْمُ مَعَ الْمَعْنَى وُجُودًا وَعَدَمًا كَمَا بَيَّنَّا فَدَلَّ عَلَى اعْتِبَارِهِ؛ لِأَنَّ الدَّوَرَانَ يُفِيدُ ظَنَّ الْعِلِّيَّةِ. (قُلْنَا) فِي جَوَابِهِمْ (إفَادَتُهُ) أَيْ الدَّوَرَانُ ذَلِكَ (مَمْنُوعَةٌ) فَإِنَّ فِي كَوْنِهِ طَرِيقًا صَحِيحًا لِإِثْبَاتِ الْمَطْلُوبِ خِلَافًا يَأْتِي فِي مَسَالِكِ الْعِلَّةِ، وَالْحَنَفِيَّةُ عَلَى مَنْعِهِ فَهَذَا الْمَنْعُ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ، وَمَنْ اقْتَفَاهَا (وَبَعْدَ التَّسْلِيمِ) لِصِحَّتِهِ طَرِيقًا مُثَبِّتًا لِلْمَطْلُوبِ كَمَا هُوَ طَرِيقَةُ غَيْرِهِمْ وَتَنَزُّلًا مِنْهُمْ (إنْ أَرَدْتُمْ) بِقَوْلِكُمْ دَارَ الِاسْمُ مَعَ الْمَعْنَى وُجُودًا أَوْ عَدَمًا أَنَّهُ دَارَ مَعَهُ (مُطْلَقًا) أَيْ فِي كُلِّ مَحَلٍّ بِأَنْ ثَبَتَ عَنْ الْعَرَبِ أَنَّ الِاسْمَ لِمَا فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى كَائِنًا مَا كَانَ (فَغَيْرُ الْمَفْرُوضِ) مَحَلًّا لِلنِّزَاعِ؛ لِأَنَّ الْمَفْرُوضَ مَحَلًّا لَهُ أَنَّ الِاسْمَ إذَا كَانَ مَوْضُوعًا لِمُسَمًّى ثُمَّ رَأَيْنَا فِيهِ مَعْنًى يُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ الِاسْمِ وَوَجَدْنَا ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي مُسَمًّى غَيْرِهِ فَهَلْ يُعَدَّى ذَلِكَ الِاسْمُ إلَى الْغَيْرِ أَيْضًا حُكْمًا عَلَى اللُّغَةِ أَمْ لَا، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُمْ لَيْسَ كَذَلِكَ (لِأَنَّ مَا يُوجَدُ فِيهِ) ذَلِكَ الْمَعْنَى مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ (حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ يَكُونُ ثَابِتًا عَنْهُمْ كَوْنُ الِاسْمِ مَوْضُوعًا لِمَا فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى يَكُونُ (مِنْ أَفْرَادِ الْمُسَمَّى) بِذَلِكَ الِاسْمِ أَفَادَ الِاسْتِقْرَاءُ لِكَلَامِهِمْ أَوْ النَّقْلُ عَنْهُمْ أَنَّ الِاسْمَ لِمُشْتَرَكٍ مَعْنَوِيٍّ يَنْطَبِقُ عَلَيْهَا، وَهُوَ مَا فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى كَمَا فِي تَسْمِيَةِ زَيْدٍ فِي ضَرَبَ زَيْدٌ فَاعِلًا لِكَوْنِ تَتَبُّعِ كَلَامِ الْعَرَبِ أَفَادَ أَنَّ كُلَّ مَا أُسْنِدَ الْفِعْلُ أَوْ شَبَهُهُ إلَيْهِ، وَقُدِّمَ عَلَيْهِ عَلَى جِهَةِ قِيَامِهِ بِهِ يُسَمَّى فَاعِلًا وَتَسْمِيَتُهُ ضَارِبًا لِنَقْلِهِمْ أَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ اسْمٌ لِذَاتٍ قَامَ بِهَا الْفِعْلُ.
وَهَذَا لَا نِزَاعَ فِي صِحَّةِ إطْلَاقِهِ عَلَى مَا وُجِدَ فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَإِنْ لَمْ يُسْمَعْ إطْلَاقُهُ عَلَى ذَلِكَ الْفَرْدِ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا وَضْعٌ وَتَوْقِيفٌ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ لَا أَنَّ بَعْضَ أَفْرَادِهِ مَسْكُوتٌ عَنْ تَسْمِيَتِهِ فَيُقَاسُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْهَا فِي ذَلِكَ ثُمَّ كَمَا أَنَّهُ لَا يُسْمَعُ دَعْوَى قِيَاسِ بَعْضِ أَفْرَادِ مُسَمًّى فِي حُكْمِ تَنَاوُلِهَا بِطَرِيقِ الْعُمُومِ عَلَى بَعْضٍ فِي ذَلِكَ لَا يَسُوغُ سَمَاعُ دَعْوَى قِيَاسِ تَسْمِيَةِ بَعْضِ أَفْرَادِ مُسَمًّى بِاسْمٍ مَوْضُوعٍ لِلْمَعْنَى الشَّائِعِ فِيهَا عَلَى بَعْضٍ فِي التَّسْمِيَةِ
[ ١ / ٧٨ ]
بِذَلِكَ الِاسْمِ بِجَامِعِ أَنْ لَيْسَ أَحَدُهَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فِي ذَلِكَ فِي الْفَصْلَيْنِ مَعَ انْتِفَاءِ شَرْطِ الْقِيَاسِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَقِيسُ غَيْرَ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ فِي هَذَيْنِ الْفَصْلَيْنِ ثَابِتٌ بِعَيْنِ اللَّفْظِ (أَوْ فِي الْأَصْلِ فَقَطْ) أَيْ أَوْ أَرَدْتُمْ بِقَوْلِكُمْ دَارَ الِاسْمُ مَعَ الْمَعْنَى وُجُودًا وَعَدَمًا فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ كَالْخَمْرِ فِي النِّيءِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ إذَا غَلَا وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ لَا فِي غَيْرِهِ مِنْ الْمَحَالِّ سَلَّمْنَا كَوْنَ الْأَمْرِ فِيهِ كَذَلِكَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ ثُمَّ (مَنَعْنَا كَوْنَهُ) أَيْ الدَّوَرَانِ فِي الْأَصْلِ (طَرِيقًا) مُثَبِّتًا لِتَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمٍ لِمُسَمًّى فِيهِ مَعْنًى يُنَاسِبُ تَسْمِيَتَهُ بِهِ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ (هُنَا) أَيْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ مَوْضُوعًا لِلْمَجْمُوعِ مِنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَتِلْكَ الذَّاتِ فَيَكُونُ الْخَمْرُ مَوْضُوعًا لِمَجْمُوعِ النِّيءِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ الْمُخَامِرِ لِلْعَقْلِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ جُزْءَ الْعِلَّةِ الْمُرَكَّبَةِ مِنْهُ، وَمِنْ عَيْنِ الْمَحَلِّ لَا عِلَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، فَلَا يَسْتَلْزِمُ وُجُودُ الْمَعْنَى فَقَطْ وُجُودَ الِاسْمِ.
ثُمَّ لَمَّا كَانَ مِنْ أَدِلَّةِ الْمُثَبِّتِينَ الْقِيَاسَ ثَبَتَ شَرْعًا فَيَثْبُتُ لُغَةً؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لِلثُّبُوتِ فِيهِمَا وَاحِدٌ، وَهُوَ الِاشْتِرَاكُ فِي مَعْنًى يُظَنُّ اعْتِبَارُهُ بِالدَّوَرَانِ أَشَارَ إلَيْهِ وَإِلَى دَفْعِهِ بِقَوْلِهِ (وَكَوْنُهُ) أَيْ الْقِيَاسِ (كَذَلِكَ) أَيْ طَرِيقًا صَحِيحًا (فِي الشَّرْعِيَّاتِ) الْعَمَلِيَّاتِ (لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ) أَيْ لِتَعْدِيَتِهِ فِيهَا مِنْ مَحَلٍّ إلَى مَحَلٍّ (لَا يَسْتَلْزِمُهُ) أَيْ كَوْنُهُ طَرِيقًا صَحِيحًا (فِي الِاسْمِ) أَيْ فِي تَعْدِيَةِ الِاسْمِ لِمُسَمًّى لُغَةً إلَى آخَرَ لَمْ تُعْلَمْ تَسْمِيَتُهُ بِهِ لُغَةً أَيْضًا (لِأَنَّهُ) أَيْ قِيَاسَ مَا لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِ مِنْ الشَّرْعِيَّاتِ الْعَمَلِيَّاتِ عَلَى مَا نُصَّ عَلَيْهِ مِنْهَا لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ الْمَنْصُوصِ فِيمَا لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِ لِمُشَارَكَتِهِ إيَّاهُ فِي الْمَعْنَى الْمُصَحِّحِ لِتَعْدِيَتِهِ إلَيْهِ كَمَا يُعْرَفُ فِي مَحَلِّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَمْرٌ (سَمْعِيٌّ تُعُبِّدَ بِهِ) أَيْ تَعَبَّدَنَا الشَّارِعُ بِهِ فِي ذَلِكَ بِشُرُوطٍ (لَا) أَنَّهُ أَمْرٌ (عَقْلِيٌّ) يَسْتَوِي فِيهِ الْمُمْكِنَاتُ مِنْ الشَّرْعِيَّاتِ وَاللُّغَوِيَّاتِ وَغَيْرِهِمَا فَلَا يَكُونُ دَلِيلًا إلَّا فِي الشَّرْعِيَّاتِ الْعَمَلِيَّاتِ خَاصَّةً، وَأَيْضًا إنَّمَا كَانَ الْقِيَاسُ حُجَّةً فِيهَا بِالْإِجْمَاعِ إذْ خِلَافُ الظَّاهِرِيَّةِ غَيْرُ قَادِحٍ وَلَا إجْمَاعَ هُنَا، وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنْ لَيْسَ الْمَعْنَى الْمُوجِبُ لِلْقِيَاسِ فِي الشَّرْعِيِّ وَاللُّغَوِيِّ وَاحِدًا.
(ثُمَّ) إنْ قِيلَ مُجَرَّدُ تَجْوِيزِ كَوْنِ الِاسْمِ مَوْضُوعًا لِلْمَجْمُوعِ مِنْ الْوَصْفِ وَالذَّاتِ لَا يَقْتَضِي تَرَجُّحَ كَوْنِهِ كَذَلِكَ حَتَّى يَمْنَعَ صِحَّةَ كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً بِمُفْرَدِهِ فَيُمْنَعُ مِنْ إطْلَاقِ الِاسْمِ عَلَى مَا فِيهِ ذَلِكَ فَيُقَالُ (تَجْوِيزُ كَوْنِ خُصُوصِيَّةِ الْمُسَمَّى مُعْتَبَرَةً) فِي تَسْمِيَةِ الْمُسَمَّى بِذَلِكَ الِاسْمِ (ثَابِتٌ بَلْ ظَاهِرٌ) أَيْ مَظْنُونٌ (بِثُبُوتِ مَنْعِهِمْ طَرْدَ الْأَدْهَمِ وَالْأَبْلَقِ وَالْقَارُورَةِ وَالْأَجْدَلِ وَالْأَخْيَلِ، وَمَا لَا يُحْصَى) مِنْ أَسْمَاءِ مُسَمَّيَاتٍ فِيهَا مَعْنًى يُنَاسِبُ تَسْمِيَتِهَا بِهَا فِيمَا يُوجَدُ فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِهَا حَتَّى إنَّهُمْ لَا يُطْلِقُونَ الْأَدْهَمَ الَّذِي هُوَ اسْمٌ لِلْفَرَسِ الْأَسْوَدِ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّا هُوَ أَسْوَدُ، وَلَا الْأَبْلَقَ الَّذِي هُوَ اسْمٌ لِلْفَرَسِ الْمُخَطَّطِ بِالْبَيَاضِ وَالسَّوَادِ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّا هُوَ مُخَطَّطٌ بِهِمَا، وَلَا الْقَارُورَةَ الَّتِي هِيَ اسْمٌ لِمَقَرِّ الْمَائِعَاتِ مِنْ الزُّجَاجِ عَلَى مَا هُوَ مَقَرٌّ لَهَا مِنْ غَيْرِهِ، وَلَا الْأَجْدَلَ الَّذِي هُوَ اسْمٌ لِلصَّقْرِ لِقُوَّتِهِ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّا لَهُ هَذَا الْوَصْفُ، وَلَا الْأَخْيَلَ الَّذِي هُوَ اسْمٌ لِطَائِرٍ بِهِ خَيَلَانِ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّا بِهِ ذَلِكَ، وَلَا السِّمَاكَ الَّذِي هُوَ اسْمٌ لِكُلٍّ مِنْ كَوْكَبَيْنِ مَخْصُوصَيْنِ مُرْتَفِعَيْنِ عَلَى مَا لَهُ السُّمُوكُ مِنْ غَيْرِهِمَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَذَّرُ عَلَى الْبَشَرِ إحْصَاؤُهُ فَإِنَّ هَذَا الْمَنْعَ مِمَّا يُفِيدُ ظَاهِرًا أَنَّ ذَوَاتَ الْمُسَمَّيَاتِ الَّتِي بِهَا هَذِهِ الْمَعَانِي جُزْءٌ مِنْ عِلَّةِ تَسْمِيَتِهَا بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِمَنْعِهِمْ وَجْهٌ فِي الظَّاهِرِ (فَظَهَرَ) مِنْ هَذَا (أَنَّ الْمَنَاطَ) لِتَسْمِيَةِ الْمُسَمَّى بِاسْمِهِ الْمُخَيَّلِ كَوْنُهُ لَهُ بِاعْتِبَارِ مَا فِيهِ مِنْ الْمَعْنَى (فِي مِثْلِهِ) أَيْ هَذَا النَّوْعِ هُوَ (الْمَجْمُوعُ) مِنْ الذَّاتِ وَالْوَصْفِ الْمَخْصُوصَيْنِ (فَإِثْبَاتُهُ) أَيْ اللُّغَةِ حِينَئِذٍ (بِهِ) أَيْ بِالْقِيَاسِ إثْبَاتٌ (بِالِاحْتِمَالِ) الْمَرْجُوحِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِمُحْتَمَلٍ بِصِيغَةِ الْمَصْدَرِ الْمِيمِيِّ، وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ إثْبَاتَ اللُّغَةِ بِالِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ غَيْرُ جَائِزِ اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ حَكَمٌ بِالْوَضْعِ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ ثُمَّ يَقَعُ الْقِيَاسُ ضَائِعًا وَكَانَ الْأَوْلَى ذِكْرَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ عَقِبَ قَوْلِهِ مَنَعْنَا كَوْنَهُ طَرِيقًا هُنَا؛ لِأَنَّهَا جَوَابٌ عَنْ إيرَادٍ مُقَدَّرٍ عَلَى سَنَدٍ مُقَدَّرٍ لِهَذَا الْمَنْعِ كَمَا رَأَيْت فَتَأَمَّلْهُ.
ثُمَّ قِيلَ: هَذَا الِاخْتِلَافُ فِي نَفْسِ الْأَلْفَاظِ وَإِطْلَاقِهَا عَلَى مُسَمَّيَاتٍ أُخَرَ لَا فِي أَحْكَامِهَا فَإِنَّهَا تَثْبُتُ
[ ١ / ٧٩ ]
بِالْقِيَاسِ بِلَا خِلَافٍ، وَقِيلَ فِي الْحَقِيقَةِ لَا الْمَجَازِ، وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ الْأَصْفَهَانِيُّ أَنَّهُ فِي الْأَلْفَاظِ وَأَحْكَامِهَا وَالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، ثُمَّ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي الْحُدُودِ فِي الْجِنَايَاتِ الْمَذْكُورَةِ فَالْقَائِلُ بِالْقِيَاسِ يُجَوِّزُ التَّسْمِيَةَ وَيُثْبِتُ حَدَّ الْخَمْرِ وَالسَّرِقَةِ وَالزِّنَا فِي شَارِبِ النَّبِيذِ وَالنَّبَّاشِ وَاللَّائِطِ بِالنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِيهَا وَتَنَاوُلِهَا لِمَا يُلْحَقُ بِهَا، وَمَنْ لَا يَقُولُ بِالْقِيَاسِ لَا يُجَوِّزُ التَّسْمِيَةَ وَلَا يُثْبِتُ الْحُدُودَ الْمَذْكُورَةَ فِيهَا لِعَدَمِ تَنَاوُلِ النُّصُوصِ إيَّاهَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ الْهِنْدِيُّ فِي شَرْحِ الْبَدِيعِ. وَعِنْدَ الْعَبْدِ الضَّعِيفِ فِي الشِّقِّ الثَّانِي نَظَرٌ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّةَ النَّافِينَ لِلْقِيَاسِ فِيهَا مُصَرِّحُونَ بِثُبُوتِ الْحُدُودِ فِي هَذِهِ الْجِنَايَاتِ الْمَذْكُورَةِ، وَوَجَّهُوهُ بِمَا لَا يَخْلُو مِنْ نَظَرٍ كَمَا يُعْرَفُ فِي مَوْضِعِهِ.