(مَسْأَلَةٌ أَوْ قَبْلَ مُفْرَدٍ لِإِفَادَةِ أَنَّ حُكْمَ مَا قَبْلَهَا ظَاهِرٌ لِأَحَدِ الْمَذْكُورَيْنِ) اسْمَيْنِ كَانَا أَوْ فِعْلَيْنِ (مِنْهُ) أَيْ مِمَّا قَبْلَهَا (وَمَا بَعْدَهَا) وَسَيَظْهَرُ فَائِدَةُ قَوْلِهِ ظَاهِرًا (وَلِذَا) أَيْ وَلِكَوْنِهَا لِإِفَادَةِ هَذَا (عَمَّ) أَوْ (فِي النَّفْيِ وَشِبْهِهِ) كَالنَّهْيِ (عَلَى الِانْفِرَادِ) لِأَنَّ انْتِفَاءَ الْوَاحِدِ الْمُبْهَمِ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِانْتِفَاءِ الْمَجْمُوعِ فَفِي لَا تُطِعْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا لَا أُكَلِّمُ زَيْدًا أَوْ بَكْرًا مُنِعَ) الْمُخَاطَبُ وَالْحَالِفُ (مِنْ كُلٍّ) لِأَنَّ التَّقْدِيرَ لَا تُطِعْ (وَاحِدًا مِنْهُمَا) وَلَا أُكَلِّمُ وَاحِدًا مِنْهُمَا وَهُوَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّهْيِ وَالنَّفْيِ فَيَعُمُّ (لَا) أَنَّ التَّقْدِيرَ لَا تُطِعْ وَلَا أُكَلِّمُ (أَحَدَهُمَا لِيَكُونَ مَعْرِفَةً) فَلَا يَعُمُّ (وَحِينَئِذٍ) كَانَ التَّقْدِيرُ وَاحِدًا مِنْهُمَا (لَا يَشْكُلُ بِلَا أَقْرَبُ ذِي أَوْ ذِي) حَيْثُ (يَصِيرُ مُولِيًا مِنْهُمَا) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَهِيَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّهُمَا (فَتَبِينَانِ) مَعًا عِنْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ مِنْ غَيْرِ فَيْءٍ (وَفِي إحْدَاكُمَا مِنْ إحْدَاهُمَا) أَيْ وَلَا يَشْكُلُ بِصَيْرُورَتِهِ مُولِيًا مِنْ إحْدَى زَوْجَتَيْهِ الْمُخَاطَبَتَيْنِ بِلَا أَقْرَبُ إحْدَاكُمَا لَا مِنْهُمَا جَمِيعًا حَتَّى لَوْ مَضَتْ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ مِنْ غَيْرِ فَيْءٍ تَبِينُ إحْدَاهُمَا لَا هُمَا لِأَنَّ إحْدَاكُمَا مَعْرِفَةٌ غَيْرِ عَامَّةٍ (بِخِلَافِهِ) أَيْ الْعَطْفِ (بِالْوَاوِ) كَلَا أُكَلِّمُ زَيْدًا وَعَمْرًا (فَإِنَّهُ) أَيْ الْحَلِفَ عَلَى الْمُتَعَاطِفَيْنِ بِهَا مَنَعَ (مِنْ الْجَمْعِ) لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لَهُ فَيَتَعَلَّقُ بِالْمَجْمُوعِ (لِعُمُومِ الِاجْتِمَاعِ فَلَا يَحْنَثُ بِأَحَدِهِمَا إلَّا بِدَلِيلٍ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ امْتِنَاعُهُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا فَحِينَئِذٍ يَحْنَثُ بِأَحَدِهِمَا (كَلَا يَزْنِي وَيُشْرِبُ) الْخَمْرَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا لِلْقَرِينَةِ الْحَالِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ امْتِنَاعُهُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا وَهُوَ حُرْمَتُهُ فِي الشَّرْعِ (أَوْ يَأْتِي بِلَا) الزَّائِدَةِ الْمُؤَكِّدَةِ لِلنَّفْيِ مِثْلُ مَا رَأَيْت (لَا زَيْدًا وَلَا بَكْرًا وَنَحْوُهُ) وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ فِي الْوَاوِ عَلَى شُمُولِ الْعَدَمِ فَذَاكَ وَإِلَّا فَهُوَ لِعَدَمِ الشُّمُولِ وَأَوْ بِالْعَكْسِ (وَتَقْيِيدُهُ) أَيْ كَوْنِ الدَّلِيلِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمَجْمُوعَ (بِمَا إذَا كَانَ لِلِاجْتِمَاعِ تَأْثِيرٌ
[ ٢ / ٥١ ]
فِي الْمَنْعِ) أَيْ فِي مَنْعِ الْمَانِعِ لِلْحَالِفِ مِنْ تَنَاوُلِ الْمُتَعَاطِفَيْنِ كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يَتَنَاوَلُ السَّمَكَ وَاللَّبَنَ فَإِنَّ لِلِاجْتِمَاعِ هُنَا تَأْثِيرًا فِي الْمَنْعِ كَمَا ذَكَرَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ (بَاطِلٌ بِنَحْوِ لَا أُكَلِّمُ زَيْدًا وَعَمْرًا وَكَثِيرٌ) مِمَّا هُوَ لِنَفْيِ الْمَجْمُوعِ مَعَ أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِلِاجْتِمَاعِ فِي الْمَنْعِ (وَالْعُمُومِ بِأَوْ فِي الْإِثْبَاتِ كَلَا أُكَلِّمُ أَحَدًا إلَّا زَيْدًا أَوْ بَكْرًا) فَيَحْنَثُ بِتَكْلِيمِ مَنْ عَدَاهُمَا لَا بِتَكْلِيمِهِمَا وَلَا بِتَكْلِيمِ أَحَدِهِمَا (مِنْ خَارِجٍ) وَهُوَ الْإِبَاحَةُ الْحَاصِلَةُ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الْحَظْرِ لِأَنَّهَا إطْلَاقٌ وَرَفْعُ قَيْدٍ (فَهِيَ) أَيْ أَوْ (لِلْأَحَدِ فِيهِمَا) أَيْ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ
(فَمَا قِيلَ) أَيْ قَوْلُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَمُوَافِقِيهِ أَوْ (تُسْتَعَارُ لِلْعُمُومِ تَسَاهَلَ) فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الْعُمُومَ مَعْنًى لَهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ (بَلْ يَثْبُتُ) الْعُمُومُ (مَعَهَا لَا بِهَا وَلَيْسَتْ فِي الْخَبَرِ لِلشَّكِّ أَوْ التَّشْكِيكِ) كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ وَأَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ النُّحَاةِ وَسَتَعْلَمُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا (لَا لِأَنَّ الْوَضْعَ لِلْإِفْهَامِ وَهُوَ) أَيْ الْإِفْهَامُ (مُنْتَفٍ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ إفْهَامُ الْمُعَيَّنِ) أَيْ غَيْرِ الْأَحَدِ الدَّائِرِ كَمَا فِي جَاءَ زَيْدٌ (مَنَعْنَا الْحَصْرَ) أَيْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْوَضْعَ لَا يَكُونُ إلَّا لِإِفْهَامِ الْمُعَيَّنِ وَإِلَّا انْتَفَى الْإِجْمَالُ حِينَئِذٍ وَهُوَ بَاطِلٌ (أَوْ مُطْلَقًا) يَعْنِي سَوَاءٌ كَانَ مُبْهَمًا أَوْ مُعَيَّنًا (لَمْ يُفِدْ) فِي الْمَطْلُوبِ شَيْئًا وَهُوَ أَنَّ أَوْ لَيْسَتْ لِلتَّشْكِيكِ أَوْ الشَّكِّ (بَلْ) إنَّمَا لَمْ تَكُنْ لِلشَّكِّ أَوْ التَّشْكِيكِ (لِأَنَّ الْمُتَبَادِرَ أَوَّلًا إفَادَةُ النِّسْبَةِ إلَى أَحَدِهِمَا) أَيْ أَحَدِ الْمَذْكُورِينَ فَيَفْهَمُ السَّامِعُ مِنْ جَاءَ زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو نِسْبَةَ الْمَجِيءِ إلَى أَحَدِهِمَا غَيْرِ عَيْنٍ (ثُمَّ يَنْتَقِلُ) الذِّهْنُ بَعْدَ ذَلِكَ (إلَى كَوْنِ سَبَبِ الْإِبْهَامِ أَحَدَهُمَا) أَيْ الشَّكِّ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمُتَكَلِّمُ عَالِمًا وَقْتَ الْحُكْمِ بِمَجِيءِ أَحَدِهِمَا عَيْنًا أَوْ التَّشْكِيكِ إنْ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ عَيْنًا وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُلَبِّسَ عَلَى السَّامِعِ (فَهُوَ) أَيْ الشَّكُّ أَوْ التَّشْكِيكُ النَّاشِئُ عَنْ الْمُتَكَلِّمِ إنَّمَا هُوَ مَدْلُولٌ (الْتِزَامِيٌّ عَادِيٌّ) لِلْكَلَامِ (لَا عَقْلِيٌّ) قَالَ الْمُصَنَّفُ: إذْ لَا يُمْكِنُ انْفِكَاكُهُمَا بِأَنْ يَسْتَفِيدَ السَّامِعُ نِسْبَةَ الْمَجِيءِ إلَى أَحَدِهِمَا مُبْهَمًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِلَ ذِهْنُهُ إلَى سَبَبِ الْإِبْهَامِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ (لِإِمْكَانِ عَدَمِ إخْطَارِهِ) فَالْمُصَنِّفُ مُسَاعِدٌ عَلَى أَنَّهَا فِي الْخَبَرِ لَيْسَتْ لِلشَّكِّ وَلَا لِلتَّشْكِيكِ لَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرُوهُ (وَعَنْهُ) أَيْ كَوْنِ الشَّكِّ أَوْ التَّشْكِيكِ مَدْلُولًا الْتِزَامِيًّا عَادِيًّا لِأَوْ (تَجُوزُ بِأَنَّهَا لِلشَّكِّ) بِعِلَاقَةِ التَّلَازُمِ الْعَادِيِّ بَيْنَهُمَا حِينَئِذٍ
(وَقَدْ يُعْلَمُ بِخَارِجِ التَّعْيِينِ) لِمُتَعَلِّقِ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ (فَيَكُونُ لِلْإِنْصَافِ) أَيْ إظْهَارِ النَّصَفَةِ حَتَّى إنَّ كُلَّ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ مُوَالٍ أَوْ مُخَالِفٍ يَقُولُ لِمَنْ خُوطِبَ بِهِ: قَدْ أَنْصَفَك الْمُتَكَلِّمُ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ [سبأ: ٢٤] الْآيَةُ) أَيْ ﴿لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] أَيْ وَإِنَّ أَحَدَ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ الْمُوَحِّدِينَ الْمُتَوَحِّدَ بِالرِّزْقِ وَالْقُدْرَةِ الذَّاتِيَّةِ بِالْعِبَادَةِ وَالْمُشْرِكِينَ بِهِ الْجَمَادِ النَّازِلِ فِي أَدْنَى الْمَرَاتِبِ الْإِمْكَانِيَّة لَعَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْهُدَى وَالضَّلَالِ الْمُبِينِ وَهُوَ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّقْرِيرِ الْبَلِيغِ الدَّالِّ عَلَى مَنْ هُوَ عَلَى الْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي الضَّلَالِ أَبْلَغُ مِنْ التَّصْرِيحِ لِأَنَّهُ فِي صُورَةِ الْإِنْصَافِ الْمُسْكِتِ لِلْخَصْمِ الْمُشَاغِبِ ثُمَّ عَطَفَ عَلَى قَوْلِهِ قَبْلَ مُفْرَدٍ قَوْلُهُ (وَقَبْلَ جُمْلَةٍ) يَعْنِي وَأَوْ قِيلَ جُمْلَةٌ (لِأَنَّ الثَّابِتَ) أَيْ لِإِفَادَةِ أَنَّ الثَّابِتَ (أَحَدُ الْمَضْمُونَيْنِ وَكَذَا تَجُوزُ) أَيْ كَمَا تَجُوزُ بِأَنَّ أَوْ لِلشَّكِّ أَوْ لِلتَّشْكِيكِ وَهُوَ تَسَاهُلٌ كَذَلِكَ تَجُوزُ (بِأَنَّهَا لِلتَّخْيِيرِ أَوْ الْإِبَاحَةِ بَعْدَ الْأَمْرِ) وَفِيهِ تَسَاهُلٌ أَيْضًا (وَإِنَّمَا هِيَ لِإِيصَالِ مَعْنَى الْمَحْكُومِ بِهِ إلَى أَحَدِهِمَا فَإِنْ كَانَ) الْمَحْكُومُ بِهِ (أَمْرًا لَزِمَ أَحَدَهُمَا وَيَتَعَيَّنُ) كُلٌّ مِنْ الْإِبَاحَةِ وَالتَّخْيِيرِ (بِالْأَصْلِ فَإِنْ كَانَ) الْأَصْلُ (الْمَنْعَ فَتَخْيِيرٌ فَلَا يَجْمَعُ) الْمُخَاطَبُ بَيْنَهُمَا (كَبِعْ عَبْدِي ذَا أَوْ ذَا) فَيَبِيعُ أَحَدَهُمَا لَا كِلَيْهِمَا (أَوْ) كَانَ الْأَصْلُ (الْإِبَاحَةَ فَإِلْزَامُ أَحَدِهِمَا وَجَازَ الْآخَرُ بِالْأَصْلِ وَفِي) قَوْلِهِ لِعَبِيدِهِ الثَّلَاثَةِ (هَذَا حُرٌّ أَوْ هَذَا) بِأَوْ (وَذَا) بِالْوَاوِ (قِيلَ: لَا عِتْقَ إلَّا بِالْبَيَانِ لِهَذَا أَوْ هَذَانِ) لِأَنَّ الْجَمْعَ بِالْوَاوِ بِمَنْزِلَةِ الْجَمْعِ بِأَلِفِ التَّثْنِيَةِ فَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالْأَخِيرَيْنِ وَهَذَا قَوْلُ زُفَرَ وَالْفَرَّاءِ ذَكَرَهُ الْعَتَّابِيُّ فِي جَامِعِهِ
(وَقِيلَ: يَعْتِقُ الْأَخِيرُ) فِي الْحَالِ وَيَتَخَيَّرُ فِي الْأَوَّلَيْنِ يُعَيِّنُ أَيَّهُمَا شَاءَ (لِأَنَّهُ كَأَحَدِهِمَا وَهَذَا) لِأَنَّ سَوْقَ الْكَلَامِ لِإِيجَابِ الْعِتْقِ فِي أَحَدِ الْأَوَّلَيْنِ وَتَشْرِيكِ الثَّالِثِ فِيمَا سَبَقَ لَهُ الْكَلَامُ
[ ٢ / ٥٢ ]
فَالْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ هُوَ الْمَأْخُوذُ مِنْ صَدْرِ الْكَلَامِ لَا أَحَدُ الْمَذْكُورِينَ بِعَيْنِهِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْجَمُّ الْغَفِيرُ (وَرَجَّحَ) وَالْمُرَجِّحُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ (بِاسْتِدْعَاءِ الْأَوَّلِ تَقْدِيرَ حُرَّانِ) لِأَنَّ الْخَبَرَ الْمَذْكُورَ وَهُوَ حُرٌّ لَا يَصْلُحُ خَبَرًا لِلِاثْنَيْنِ (وَهُوَ) أَيْ وَتَقْدِيرُ حُرَّانِ (بِدَلَالَةِ) الْخَبَرِ (الْأَوَّلِ وَهُوَ) أَيْ الْأَوَّلُ (مُفْرَدٌ) وَهُوَ غَيْرُ مُنَاسِبٍ هُنَا لِأَنَّ الْعَطْفَ لِلِاشْتِرَاكِ فِي الْخَبَرِ الْمَذْكُورِ أَوْ لِإِثْبَاتِ خَبَرٍ آخَرَ مِثْلِهِ لَا لِإِثْبَاتِ خَبَرٍ آخَرَ مُخَالِفٍ لَهُ لَفْظًا (وَيُجَابُ) وَالْمُجِيبُ التَّفْتَازَانِيُّ (بِأَنَّهَا) أَيْ دَلَالَةَ الْمَذْكُورِ عَلَى الْمُقَدَّرِ (تَقْتَضِي اتِّحَادَ الْمَادَّةِ لَا الصِّيغَةِ) بِدَلِيلِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي عَتَاقِ الزِّيَادَاتِ رَجُلٌ لَهُ ثَلَاثَةُ أَعْبُدَ فَقَالَ: أَنْتُمْ أَحْرَارٌ أَوْ هَذَا وَهَذَانِ مُدَبَّرَانِ فَقَوْلُهُ أَوْ هَذَا عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَنْتُمْ وَخَبَرُهُ لَا يَصْلُحُ خَبَرًا لَهُ وَقَوْلُ الشَّاعِرِ
نَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا عِنْدَك رَاضٍ وَالرَّأْيُ مُخْتَلِفٌ
(وَلَوْ سَلَّمَ) أَوْلَوِيَّةَ اتِّحَادِ الدَّالِّ وَالْمَدْلُولِ فِي الصِّيغَةِ أَيْضًا (فَإِنَّمَا يَلْزَمُ) مَا ذَكَرَهُ (لَوْ ثَنَّى مَا بَعْدَ أَوْ) هُنَا لَكِنَّهُ لَمْ يُثَنِّ (فَالْمُقَدَّرُ مُفْرَدٌ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا) أَيْ هَذَا وَذَا إذْ التَّقْدِيرُ هَذَا حُرٌّ أَوْ هَذَا حُرٌّ وَذَا حُرٌّ وَلَا يُقَالُ يَلْزَمُ كَثْرَةُ الْحَذْفِ لِأَنَّا نَقُولُ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ إذْ التَّقْدِيرُ فِيمَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُرَجِّحِ هَذَا حُرٌّ أَوْ هَذَا حُرٌّ وَهَذَا حُرٌّ تَكْمِيلًا لِلْجُمَلِ النَّاقِصَةِ بِتَقْدِيرِ الْمِثْلِ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ الْقَائِمَةَ بِكُلِّ تَغَايُرٍ حُرِّيَّةُ الْآخَرِ وَلَوْ سَلَّمَ فَمُعَارَضٌ بِالْقُرْبِ وَكَوْنِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ مَذْكُورًا صَحِيحًا لَكِنْ قَدْ أُجِيبَ بِأَنَّ الْمَعْطُوفَ بِأَوْ فِي هَذَا الْوَجْهِ هُوَ مَجْمُوعُ الثَّانِي وَالثَّالِثِ بَعْدَ عَطْفِ الثَّالِثِ عَلَى الثَّانِي بِالْوَاوِ وَلِهَذَا لَمْ يُحْكَمْ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُمَا بِمَا يُحْكَمُ عَلَى الْأَوَّلِ بَلْ عَلَى الْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ
وَهَذَا مَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي بَيَانِ مَعْنَى الْوَاوِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣] حَيْثُ قَالَ وَأَمَّا الْوَاوُ الْوُسْطَى فَمَعْنَاهَا الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهُ الْجَامِعُ بَيْنَ مَجْمُوعِ الصِّفَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَمَجْمُوعِ الصِّفَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْمُتَعَدِّدَ فِي حُكْمِ الْوَاحِدِ بِوَاسِطَةِ الْوَاوِ فَيَجِبُ أَنْ يُلَاحَظَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ جِهَةُ الْوِحْدَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ دُونَ التَّعَدُّدِ الصُّورِيِّ وَحِينَئِذٍ يَصِيرُ هَذَا وَهَذَا فِي مَعْنَى هَذَانِ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَانِ يَقْتَضِي خَبَرًا يُطَابِقُهُ فِي التَّثْنِيَةِ وَهُوَ حُرَّانِ لَا حُرٌّ وَحُرٌّ (وَبِأَنَّ أَوْ مُغَيِّرَةٌ) أَيْ وَرَجَحَ الْأَوَّلُ أَيْضًا بِأَنَّ أَوْ هَذَا مُغَيِّرٌ لِمَعْنَى هَذَا حُرٌّ (فَتَوَقَّفَ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ لَا الْوَاوُ) أَيْ لَا أَنَّهَا مُغَيِّرَةٌ لِمَا قَبْلَهَا لِأَنَّهَا (لِلتَّشْرِيكِ) فَيَقْتَضِي وُجُودَ الْأَوَّلِ (فَلَا يَتَوَقَّفُ) الْأَوَّلُ عَلَى قَوْلِهِ وَهَذَا حُرٌّ (فَلَيْسَ) الثَّالِثُ (فِي حَيِّزٍ أَوْ فَيَنْزِلُ)
وَيَثْبُتُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي بِلَا تَوَقُّفٍ عَلَى الثَّالِثِ فَيَصِيرُ مَعْنَاهُ أَحَدُهُمَا حُرٌّ وَهَذَا حُرٌّ (وَيُمْنَعُ) هَذَا التَّرْجِيحُ (بِأَنَّهُ) أَيْ قَوْلَهُ وَهَذَا (عَطْفٌ عَلَى مَا بَعْدَ أَوْ فَشُرِّكَ فِي حُكْمِهِ) أَيْ مَا بَعْدَ أَوْ يَعْنِي فِي (ثُبُوتِ مَضْمُونِ الْخَبَرِ) الَّذِي هُوَ حُرٌّ (لِلْأَحَدِ مِنْهُ) أَيْ مَا بَعْدَ أَوْ (وَمِمَّا قَبْلَهُ فَتَوَقَّفَ) مَا قَبْلَهُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَا بَعْدَهُ لِكَوْنِهِ مُغَيِّرًا لَهُ لِأَنَّهُ لَوْلَا هَذَا التَّشْرِيكُ كَانَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ الثَّانِيَ وَحْدَهُ وَبَعْدَهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بَلْ يَجِبُ اخْتِيَارُ الْأَوَّلِ وَحْدَهُ أَوْ الْأَخِيرِينَ مَعًا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَلَمْ يَعْتِقْ) أَحَدُهُمْ (إلَّا بِاخْتِيَارِهِمَا) فَيَعْتِقَانِ (أَوْ الْأَوَّلُ) فَيَعْتِقُ وَحْدَهُ (وَصَارَ كَحَلِفِهِ لَا يُكَلِّمُ ذَا أَوْ ذَا وَذَا لَا يَحْنَثُ بِكَلَامِ أَحَدِ الْأَخِيرِينَ) وَإِنَّمَا يَحْنَثُ بِتَكْلِيمِهِمَا أَوْ تَكْلِيمِ الْأَوَّلِ قُلْت وَأَفَادَ فِي الدِّرَايَةِ أَنَّ ابْنَ سِمَاعَةَ رَوَى عَنْ مُحَمَّدٍ كَوْنَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ كَالْيَمِينِ فِي هَذَا الْحُكْمِ وَأَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ عِتْقُ الْآخَرِ وَطَلَاقُ الْأَخِيرَةِ وَالْخِيَارُ فِي الْأُولَيَيْنِ ثُمَّ قَالَ فِيهَا: وَالْفَرْقُ عَلَيْهَا بَيْنَ الْيَمِينِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ أَنَّ أَوْ إذَا دَخَلَتْ بَيْنَ شَيْئَيْنِ تَتَنَاوَلُ أَحَدُهُمَا نَكِرَةً إلَّا أَنَّ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ الْمَوْضُوعِ مَوْضِعَ الْإِثْبَاتِ فَالنَّكِرَةُ فِيهِ تَخْتَصُّ بِتَنَاوُلِ إحْدَاهُمَا فَإِذَا عُطِفَ الثَّالِثُ عَلَى إحْدَاهُمَا صَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: إحْدَاكُمَا طَالِقٌ وَهَذِهِ وَلَوْ نَصَّ عَلَى هَذَا كَانَ الْحُكْمُ مَا قُلْنَا وَفِي مَسْأَلَةِ الْيَمِينِ الْمَوْضُوعِ مَوْضِعَ النَّفْيِ فَتَعُمُّ فِيهِ النَّكِرَةُ وَتَكُونُ كَلِمَةُ أَوْ بِمَعْنَى لَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] أَيْ وَلَا كَفُورًا فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا وَلَا فُلَانًا فَلَمَّا عَطَفَ الثَّالِثَ صَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: وَلَا هَذَيْنِ وَلَوْ نَصَّ عَلَى هَذَا كَانَ الْحُكْمُ هَكَذَا فَكَذَا هُنَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ قَاضِي خَانَ وَلِأَنَّهُ حِينَئِذٍ صَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: هَذِهِ طَالِقٌ أَوْ هَاتَانِ طَالِقٌ
[ ٢ / ٥٣ ]
وَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ فَجُعِلَ كَأَنَّهُ قَالَ: هَذِهِ طَالِقٌ أَوْ هَذِهِ طَالِقٌ وَهَذِهِ لِيَصِحَّ
وَلَوْ قَالَ هَكَذَا تَطْلُقُ الثَّالِثَةُ وَخُيِّرَ فِي الْأُولَيَيْنِ فَكَذَا هَذَا وَثَمَّ صَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا هَذَا وَلَا أُكَلِّمُ هَذَيْنِ وَأَنَّهُ صَحِيحٌ اهـ إلَّا أَنَّ عَلَى هَذَا كَمَا قَالَ بَعْضُ شَارِحِي أُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ لَوْ قَالَ: أَعْتَقْت هَذَا أَوْ هَذَا وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْتِقَ أَحَدُ الْأَوَّلَيْنِ وَالثَّالِثُ ثُمَّ قَالَ: وَلَوْ قِيلَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا إنَّ الْيَمِينَ عُقِدَتْ لِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ لَا أُكَلِّمُ هَذَيْنِ وَهَذَا أَوْ لَا أُكَلِّمُ هَذَا أَوْ هَذَيْنِ وَالثَّانِي أَوْلَى لِلِاحْتِيَاطِ لِأَنَّهُ مَتَى حَرُمَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَكَلَّمَ مَعَ هَذَا أَوْ هَذَيْنِ فَقَدْ حَرُمَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَكَلَّمَ مَعَ أَحَدِ هَذَيْنِ وَهَذَا لِأَنَّهُ مَتَى تَكَلَّمَ مَعَ أَحَدِ هَذَيْنِ وَهَذَا فَقَدْ تَكَلَّمَ مَعَ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ أَوْ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَوَجَدَ التَّكَلُّمَ مَعَ الْأَوَّلِ أَوْ مَعَ الثَّانِي وَالثَّالِثِ لَكَانَ حَسَنًا وَالِاحْتِيَاطُ فِي مَسْأَلَةِ الْعِتْقِ فِي عَدَمِ الْحُرْمَةِ ثُمَّ لَمَّا تَوَهَّمَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ مَنْعَ التَّكْلِيفِ بِوَاحِدٍ مُبْهَمٍ مِنْ أُمُورٍ مُعَيَّنَةٍ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ مَجْهُولٌ وَالْمَجْهُولُ لَا يُكَلَّفُ بِهِ حَتَّى ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْوَاجِبَ الْجَمِيعُ وَيَسْقُطُ بِوَاحِدٍ وَكَانَ هَذَا مِنْ لَوَازِمِ الْكَلَامِ فِي التَّخْيِيرِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى رَدِّهِ فَقَالَ: (وَمُنِعَ صِحَّةِ التَّكْلِيفِ مَعَ التَّخْيِيرِ فَحُكِمَ بِوُجُوبِ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ) الَّتِي هِيَ الْإِطْعَامُ وَالْكُسْوَةُ وَالتَّحْرِيرُ (وَيَسْقُطُ) وُجُوبُهَا (بِالْبَعْضِ) مُنِعَ (بِلَا مُوجِبٍ لِأَنَّ صِحَّتَهُ) أَيْ التَّكْلِيفِ (بِإِمْكَانِ الِامْتِثَالِ وَهُوَ) أَيْ إمْكَانُهُ (ثَابِتٌ مَعَ التَّخْيِيرِ لِأَنَّهُ) أَيْ الِامْتِثَالَ (بِفِعْلِ إحْدَاهَا) أَيْ الْخِصَالِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي هَذِهِ فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَالْإِنْشَاءُ كَالْأَمْرِ) فَيَكُونُ أَوْ فِيهِ لِلتَّخْيِيرِ أَوْ الْإِبَاحَةِ (فَلِذَا) أَيْ لِكَوْنِ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ أَوْ الْإِبَاحَةِ بَعْدَ الْإِنْشَاءِ (وَعَدَمِ الْحَاجَةِ) إلَى أَوْ أَوْ إلَى تَحَمُّلِ الْجَهَالَةِ (أَبْطَلَ أَبُو حَنِيفَةَ التَّسْمِيَةَ وَحُكْمَ مَهْرِ الْمِثْلِ فِي التَّزَوُّجِ عَلَى كَذَا أَوْ كَذَا لِأَنَّهُ جَهَالَةٌ لَا حَاجَةَ إلَى تَحَمُّلِهَا إذَا كَانَ لَهُ) أَيْ لِلنِّكَاحِ (مُوجِبٌ أَصْلِيٌّ) مَعْلُومٌ وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ
(وَصَحَّحَاهُ) أَيْ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ التَّخْيِيرُ مِنْ الْمُسَمَّى (إنْ أَفَادَ التَّخْيِيرَ) بِأَنْ وَقَعَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا نَوْعُ يُسْرٍ وَذَلِكَ (بِاخْتِلَافِ الْمَالَيْنِ حُلُولًا وَأَجَلًا) كَعَلَيَّ أَلْفٌ حَالَّةٌ أَوْ أَلْفَيْنِ إلَى وَقْتِ كَذَا لِتَرَدُّدِ الْيُسْرِ بَيْنَهُمَا بِاعْتِبَارِ الْحُلُولِ فِي أَحَدِهِمَا وَالزِّيَادَةِ فِي الْآخَرِ (أَوْ جِنْسًا) كَعَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ أَوْ مِائَةُ دِينَارٍ لِتَرَدُّدِ الْيُسْرِ بَيْنَهُمَا بِاعْتِبَارِ الْقُدْرَةِ حِينَئِذٍ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ فَيَتَخَيَّرُ الزَّوْجُ فِي الْفَصْلَيْنِ فِي أَدَاءِ أَيِّهِمَا شَاءَ عَمَلًا بِكَلِمَةِ التَّخْيِيرِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ (وَإِلَّا) إنْ لَمْ يُفِدْ التَّخْيِيرَ بِأَنْ وَقَعَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ لَيْسَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا نَوْعُ يُسْرٍ بَلْ الْيُسْرُ مُتَعَيِّنٌ فِي أَحَدِهِمَا كَعَلَيَّ أَلْفٍ أَوْ أَلْفَيْنِ (تَعَيَّنَ الْأَقَلُّ) لِتَعَيُّنِ الرِّفْقِ فِيهِ وَمَعْلُومٌ بِالْبَدِيهَةِ أَنَّهُ يَخْتَارُهُ وَكَيْفَ لَا وَقَدْ أُحْضِرَتْ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ هَذَا وَذِكْرُ الْمَالِ فِي النِّكَاحِ لَيْسَ مِنْ تَمَامِهِ وَمِنْ ثَمَّةَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ بَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْتِزَامِ مَالٍ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ فَيَجِبُ الْقَدْرُ الْمُتَيَقَّنُ (كَالْإِقْرَارِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْخُلْعِ وَالْعِتْقِ) بِأَنْ أَقَرَّ لِإِنْسَانٍ أَوْ أَوْصَى لَهُ بِأَلْفٍ أَوْ أَلْفَيْنِ أَوْ خَالَعَهَا أَوْ أَعْتَقَهَا عَلَى أَلْفٍ أَوْ أَلْفَيْنِ (وَلُزُومُ الْمُوجِبِ الْأَصْلِيِّ) الْمَعْلُومِ وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ فِي النِّكَاحِ إنَّمَا هُوَ (عِنْدَ عَدَمِ تَسْمِيَةٍ مُمْكِنَةٍ) وَهِيَ هُنَا مُتَحَقِّقَةٌ فَلَا يَلْزَمُ الْمُوجِبُ الْأَصْلِيُّ وَهَذَا تَرْجِيحٌ ظَاهِرٌ لِقَوْلِهِمَا فَلَا يَضُرُّهُمَا الْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ هَذِهِ وَمَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ وَمَا مَعَهَا بِأَنَّهُ إنَّمَا وَجَبَ الْأَقَلُّ فِيهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مُوجِبٌ أَصْلِيٌّ مَعْلُومٌ يُعَارِضُ الْمُسَمَّى كَمَا فِي هَذِهِ بِدَلِيلِ جَوَازِهَا بِلَا عِوَضٍ وَعَدَمِ وُجُوبِ شَيْءٍ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُ الْمُسَمَّى بِالضَّرُورَةِ
(تَنْبِيهٌ) ثُمَّ مَعْنَى تَحْكِيمِ أَبِي حَنِيفَةَ - ﵀ - مَهْرَ الْمِثْلِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ أَنَّهُ يَنْظُرُ إلَى مِقْدَارِ مَهْرِ الْمِثْلِ فَإِنْ كَانَ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ أَوْ أَكْثَرَ فَإِنْ شَاءَتْ أَخَذَتْ الْأَلْفَ الْحَالَّةَ أَوْ الْأَلْفَيْنِ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ لِأَنَّهَا الْتَزَمَتْ أَحَدَ وَجْهَيْ الْحَظِّ إمَّا الْقَدْرُ وَإِمَّا الْأَجَلُ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَيُّهُمَا شَاءَ أَعْطَاهَا وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا كَانَ لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ وَفِي بَاقِي الصُّوَرِ إنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا مِثْلَ الْأَقَلِّ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ يَجِبُ الْأَقَلُّ وَإِنْ كَانَ مِثْلَ الْأَكْثَرِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ يَجِبُ الْأَكْثَرُ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ (وَفِي وَكَّلْت هَذَا أَوْ هَذَا) مُشِيرًا إلَى رَجُلَيْنِ بِبَيْعِ هَذَا الْعَبْدِ أَوْ شِرَائِهِ (صَحَّ) التَّوْكِيلُ لِأَحَدِهِمَا بِذَلِكَ (لِإِمْكَانِ الِامْتِثَالِ بِفِعْلِ أَحَدِهِمَا) وَلَا يُشْتَرَطُ اجْتِمَاعُهُمَا عَلَى ذَلِكَ (وَلَا يَمْتَنِعُ
[ ٢ / ٥٤ ]
اجْتِمَاعُهُمَا) عَلَيْهِ أَيْضًا (فَهُوَ تَسْوِيَةُ مُلْحَقٍ بِالْإِبَاحَةِ بِخَارِجٍ لِلْعِلْمِ) بِأَنَّهُ إذَا رَضِيَ بِرَأْيِ أَحَدِهِمَا فَهُوَ (بِرَأْيِهِمَا أَرْضَى بِخِلَافِ بِعْ ذَا أَوْ ذَا) مُشِيرًا إلَى عَبْدَيْنِ مَثَلًا (يَمْتَنِعُ الْجَمْعُ) بَيْنَهُمَا فِي الْبَيْعِ (لِانْتِفَائِهِ) أَيْ الرِّضَا بِبَيْعِهِمَا جَمِيعًا (وَالْقِيَاسُ الْبُطْلَانُ فِي هَذِهِ طَالِقٌ أَوْ هَذِهِ لِإِيجَابِهِ) الطَّلَاقَ (فِي الْمُبْهَمِ وَلَا يَتَحَقَّقُ) الطَّلَاقُ (فِيهِ) أَيْ الْمُبْهَمِ (لَكِنَّهُ) أَيْ هَذِهِ طَالِقٌ وَكَذَا هَذِهِ حُرَّةٌ (شَرْعًا إنْشَاءٌ عِنْدَ عَدَمِ احْتِمَالِ الْإِخْبَارِ بِعَدَمِ قِيَامِ طَلَاقِ إحْدَاهُمَا وَعَدَمِ حُرِّيَّتِهَا) أَيْ إحْدَاهُمَا (فِي هَذِهِ حُرَّةٌ أَوْ هَذِهِ مُوجِبٌ لِلتَّعْيِينِ) وَهُوَ بِالرَّفْعِ صِفَةُ إنْشَاءٍ حَالَ كَوْنِ التَّعْيِينِ (إنْشَاءٌ مِنْ وَجْهٍ لِأَنَّ بِهِ) أَيْ التَّعْيِينِ (الْوُقُوعَ فَلَزِمَ قِيَامُ أَهْلِيَّتِهِ وَمَحَلِّيَّتهمَا عِنْدَهُ) أَيْ التَّعْيِينِ لِأَنَّ الْإِنْشَاءَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَهْلِيَّةِ الْمُنْشِئِ وَمَحَلِّيَّةُ الْمَنْشَأِ (فَلَا يُعَيَّنُ) الْمُطَلِّقُ وَكَذَا الْمُعْتِقُ (الْمَيِّتُ) لِانْتِفَاءِ الْمَحَلِّيَّةِ فِيهِ (وَاعْتِبَارِهِ) أَيْ وَلَزِمَ اعْتِبَارُ الْإِنْشَاءِ (فِي التُّهْمَةِ فَلَمْ يَصِحَّ تَزَوُّجُ أُخْتِ الْمُعَيَّنَةِ مِنْ الْمَدْخُولَتَيْنِ) وَحَالَ كَوْنِ التَّعْيِينِ (إخْبَارًا مِنْ وَجْهٍ) لِأَنَّ الصِّيغَةَ صِيغَةُ إخْبَارٍ (فَأُجْبِرَ عَلَيْهِ) أَيْ الْبَيَانِ إذْ لَا جَبَرَ فِي الْإِنْشَاءَاتِ بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ فَإِنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِمَجْهُولٍ صَحَّ وَأُجْبِرَ عَلَى بَيَانِهِ (وَاعْتُبِرَ) الْإِخْبَارُ (فِي غَيْرِهِمَا) أَيْ الْمَدْخُولَتَيْنِ (فَصَحَّ ذَلِكَ) أَيْ تَزَوُّجُ أُخْتِ الْمُعَيَّنَةِ
قَالَ الْمُصَنِّفُ - ﵀ -: وَحَاصِلُ الصُّورَتَيْنِ إذَا طَلَّقَ إحْدَاهُمَا بِغَيْرِ عَيْنِهَا وَلَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهِمَا ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْتَ إحْدَاهُمَا ثُمَّ بَيَّنَ الطَّلَاقَ فِي أُخْتِ الْمُتَزَوِّجَةِ جَازَ النِّكَاحُ اعْتِبَارًا لَهُ إظْهَارًا لِعَدَمِ التُّهْمَةِ إذْ يُمْكِنُ إنْشَاءُ الطَّلَاقِ فِي الَّتِي عَيَّنَهَا وَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا وَلَوْ كَانَ دَخَلَ بِهِمَا لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْأُخْتِ لِقِيَامِ الْعِدَّةِ فَاعْتُبِرَ إنْشَاءٌ وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ لِلتُّهْمَةِ الْمُحَقَّقَةِ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ تَزَوُّجَهَا فِي الْحَالِ بِإِنْشَاءِ الطَّلَاقِ لِمَكَانِ الْعِدَّةِ إذْ لَا تَتَزَوَّجُ الْأُخْتُ فِي عِدَّةِ الْأُخْتِ فَإِنْ قِيلَ: يَشْكُلُ عَلَى كَوْنِ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ فِي الْإِنْشَاءِ آيَةُ الْمُحَارَبَةِ فَإِنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى أَوْ فِي الْإِنْشَاءِ مَعَ أَنَّكُمْ لَمْ تُوجِبُوا التَّخْيِيرَ فِيمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْحُكْمِ قُلْنَا إنَّمَا يَشْكُلُ لَوْ لَمْ يَكُنْ صَارِفٌ عَنْ ذَلِكَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ نَقُولُ (وَتَرَكَ مُقْتَضَاهَا) أَيْ أَوْ وَهُوَ التَّخْيِيرُ (لِلصَّارِفِ) عَنْ الْعَمَلِ بِهِ (لَوْ لَمْ يَكُنْ أَثَرٌ) مُفِيدٌ لِمُخَالِفَتِهِ أَيْضًا (وَهُوَ) أَيْ الصَّارِفُ (أَنَّهَا) أَيْ آيَةَ الْمُحَارَبَةِ (أَجْزِيَةٌ بِمُقَابِلَةِ جِنَايَاتٍ لِتَصَوُّرِ الْمُحَارَبَةِ بِصُوَرِ أَخْذٍ) لِلْمَالِ الْمَعْصُومِ فَقَطْ (أَوْ قَتْلٍ) لِلنَّفْسِ الْمَعْصُومَةِ فَقَطْ (أَوْ كِلَيْهِمَا) أَيْ أَخْذٍ وَقَتْلٍ (أَوْ إخَافَةٍ) لِلطَّرِيقِ فَقَطْ (فَذَكَرَهَا) أَيْ الْأَجْزِيَةَ (مُتَضَمِّنٌ ذِكْرَهَا) أَيْ الْجِنَايَاتِ ضَرُورَةً أَنَّهَا أَجْزِيَتُهَا
(وَمُقَابَلَةُ مُتَعَدِّدٍ بِمُتَعَدِّدٍ ظَاهِرٌ فِي التَّوْزِيعِ وَأَيْضًا مُقَابَلَةُ أَخَفِّ الْجِنَايَاتِ بِالْأَغْلَظِ وَقَلْبِهِ) أَيْ مُقَابَلَةُ أَغْلَظِ الْجِنَايَاتِ بِالْأَخَفِّ (يَنْبُو عَنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ) وَكَيْفَ لَا وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] فَوَجَبَ الْقَتْلُ بِالْقَتْلِ وَقَطْعُ الْيَدِ) الْيُمْنَى (وَالرِّجْلِ) الْيُسْرَى (بِالْأَخْذِ) لِلْمَالِ الْمَعْصُومِ إذَا أَصَابَ كُلًّا مِنْهُمْ نِصَابًا وَمَالِكٌ شَرَطَ كَوْنَ الْمَأْخُوذِ نِصَابًا فَصَاعِدًا أَصَابَ كُلًّا نِصَابٌ أَوْ لَا وَإِنَّمَا قُطِعَتَا مَعًا فِي الْأَخْذِ مَرَّةً وَاحِدَةً بِخِلَافِ السَّرِقَةِ لِأَنَّ هَذَا الْأَخْذَ أَغْلَظُ مِنْ أَخْذِ السَّرِقَةِ حَيْثُ كَانَ مُجَاهَرَةً وَمُكَابَرَةً مَعَ إشْهَارِ السِّلَاحِ فَجُعِلَتْ الْمَرَّةُ مِنْهُ كَالْمَرَّتَيْنِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ تَعَدُّدِ النِّصَابِ مَرَّتَيْنِ لِأَنَّ الْغِلَظَ فِي هَذِهِ الْجِنَايَةِ مِنْ جِهَةِ الْفِعْلِ لَا مِنْ جِهَةِ مُتَعَلَّقِهِ الَّذِي هُوَ الْمَالُ (وَالصَّلْبِ) حَيًّا ثُمَّ يُبَعَّجُ بَطْنُهُ بِرُمْحٍ حَتَّى يَمُوتَ كَمَا عَنْ الْكَرْخِيِّ وَغَيْرِهِ أَوْ بَعْدَ الْقَتْلِ كَمَا عَنْ الطَّحَاوِيِّ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَأَيًّا مَا كَانَ بَعْدَ قَطْعِ يَدِهِ وَرِجْلِهِ مِنْ خِلَافٍ أَوَّلًا أَوْ الْقَتْلِ بِلَا صَلْبٍ وَلَا قَطْعٍ عَلَى حَسَبِ اخْتِيَارِ الْإِمَامِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ (بِالْجَمْعِ) بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْأَخْذِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ اجْتَمَعَ فِي فِعْلِهِ تَعَدُّدُ الْجِنَايَةِ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ وَاتِّحَادُهَا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَجْمُوعَ قَطَعَ الطَّرِيقَ فَبِالنَّظَرِ إلَى تَعَدُّدِهَا يَسْتَحِقُّ جَزَاءَيْنِ مُنَاسِبَيْنِ لِلْجِنَايَتَيْنِ وَهُمَا الْقَطْعُ الْمُنَاسِبُ لِلْأَخْذِ وَالْقَتْلِ الْمُنَاسِبِ لِلْقَتْلِ وَإِلَى اتِّحَادِهَا يَسْتَحِقُّ جَزَاءً وَاحِدًا فَيَتَخَيَّرُ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ وَقَالَا: لَا بُدَّ مِنْ الصَّلْبِ (وَالنَّفْيِ) مِنْ الْأَرْضِ أَيْ الْحَبْسِ (بِالْإِخَافَةِ فَقَطْ فَأَثَرُ أَبِي يُوسُفَ عَنْ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ - ﷺ - وَادَعَ إلَى آخِرِهِ أَيْ أَبَا بُرْدَةَ هِلَالَ بْنَ عُوَيْمِرٍ الْأَسْلَمِيّ فَجَاءَ أُنَاسٌ يُرِيدُونَ الْإِسْلَامَ فَقَطَعَ عَلَيْهِمْ أَصْحَابُ أَبِي بُرْدَةَ
[ ٢ / ٥٥ ]
الطَّرِيقَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ - ﵇ - عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِالْحَدِّ أَنَّ مَنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ صُلِبَ وَمَنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ قُتِلَ وَمَنْ أَخَذَ مَالًا وَلَمْ يَقْتُلْ قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ وَمَنْ جَاءَ مُسْلِمًا هَدَمَ الْإِسْلَامُ مَا كَانَ مِنْهُ فِي الشِّرْكِ»
وَفِي رِوَايَةِ عَطِيَّةِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «وَمَنْ أَخَافَ الطَّرِيقَ وَلَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ نُفِيَ» (عَلَى وَفْقِهِ) أَيْ الصَّارِفِ (زِيَادَةً لَا يَضُرُّهَا التَّضْعِيفُ) بِمُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيِّ لِاتِّهَامِهِ بِالْكَذِبِ (فَكَيْفَ وَلَا يَنْفِي) التَّضْعِيفُ (الصِّحَّةَ فِي الْوَاقِعِ) لِجَوَازِ إجَادَةِ الضَّعِيفِ فِي خُصُوصٍ مَرْوِيٍّ (فَمُوَافَقَةُ الْأُصُولِ) أَيْ الْأَثَرِ لَهَا (ظَاهِرٌ فِي صِحَّتِهَا) أَيْ الزِّيَادَةِ الَّتِي هِيَ الْأَثَرُ الْمَذْكُورُ وَهُوَ الَّذِي عَنَاهُ بِقَوْلِهِ آنِفًا لَوْ لَمْ يَكُنْ أَثَرٌ (وَإِذْ قُبِلَتْ) أَوْ (مَعْنَى التَّعْيِينِ كَالْآيَةِ) أَيْ آيَةِ الْمُحَارَبَةِ (وَصُورَةُ الْإِنْصَافِ) كَ ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] (وَجَبَ) الْمُعَيَّنُ الَّذِي هُوَ الْمَجَازِيُّ (فِي تَعَذُّرِ الْحَقِيقِيِّ) الَّذِي هُوَ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ أَعَمُّ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا مُعَيَّنًا لِأَنَّهُ أَوْلَى مِنْ إلْغَاءِ الْكَلَامِ وَإِبْطَالِهِ وَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ ذَلِكَ فِي عَبْدَيْنِ لَهُ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى التَّعْيِينِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَهُ فِي عَبْدِهِ وَعَبْدِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ عِتْقُ عَبْدِهِ لِأَنَّ عَبْدَ الْغَيْرِ مَحَلٌّ لِإِيجَابِ الْعِتْقِ أَيْضًا لَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ الْمَالِكِ (فَعَنْهُ) أَيْ وُجُوبِ الْمَجَازِيِّ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْحَقِيقِيِّ (قَالَ) أَبُو حَنِيفَةَ: (فِي هَذَا حُرٌّ أَوْ ذَا لِعَبْدِهِ وَدَابَّتِهِ يَعْتِقُ) عَبْدُهُ (وَأَلْغَيَاهُ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ حُكْمِ الْحَقِيقَةِ) وَهُوَ عِتْقُ أَحَدِهِمَا غَيْرَ عَيْنٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْإِيجَابِ ضَرُورَةً أَنَّ أَحَدَهُمَا وَهُوَ الدَّابَّةُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لَهُ شَرْعًا وَبِدُونِ صَلَاحِيَّةِ الْمَحَلِّ لَا يَصِحُّ الْإِيجَابُ كَذَا فِي أُصُولِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ الْعَبْدُ عِنْدَهُمَا بِالنِّيَّةِ أَيْضًا لِأَنَّ اللَّغْوَ لَا حُكْمَ لَهُ أَصْلًا وَفِي مَبْسُوطِهِ يَعْتِقُ ثُمَّ هَذَا مِنْهُمَا تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّ الْمَجَازَ خُلْفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ فِي الْحُكْمِ (كَمَا هُوَ أَصْلُهُمَا) فَلَمَّا لَمْ يَنْعَقِدْ هُنَا الْإِيجَابُ لِلْحُكْمِ فِي الْمُبْهَمِ بَطَلَ فِي الْمُعَيَّنِ كَمَا عِنْدَهُمَا فِي هَذَا ابْنِي لِلْأَكْبَرِ مِنْهُ سِنًّا (لَكِنْ) يَرِدُ (عَلَيْهِ) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ (أَنَّهُمْ يَمْنَعُونَ التَّجَوُّزَ فِي الضِّدِّ) شَرْعًا (وَالْمُعَيَّنُ ضِدُّ الْمُبْهَمِ بِخِلَافِ ابْنِي لِلْأَكْبَرِ لَا يُضَادُّ حَقِيقِيُّهُ مَجَازِيَّهُ وَهُوَ الْعِتْقُ فَالْوَجْهُ أَنَّهَا) أَيْ أَوْ (دَائِمًا لِلْأَحَدِ وَفَهْمُ التَّعْيِينِ أَحْيَانَا بِخَارِجٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِيهِ)
فَالتَّعْيِينُ فِي ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى﴾ [سبأ: ٢٤] الْآيَةُ مِنْ عِلْمٍ الْمُرَادُ مِنْ خَارِجِ لَا أَنَّ أَوْ اُسْتُعْمِلَتْ فِيهِ وَالتَّعْيِينُ فِي قَوْلِهِ لِعَبْدِهِ وَدَابَّتِهِ هَذَا حُرٌّ أَوْ ذَا بِخَارِجٍ وَهُوَ لُزُومُ صَوْنِ عِبَارَةِ الْعَاقِلِ مَا أَمْكَنَ وَقَدْ أَمْكَنَ إذْ عُرِفَ أَنَّ أَوْ تَقَعُ فِي مَوْقِعٍ يَتَعَيَّنُ فِيهِ الْمُرَادُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ هَذَا وَقَالَ بَعْضُ شَارِحِي أُصُولِ الْبَزْدَوِيِّ: وَيَجُوزُ أَنْ يُفْصَلَ فِي مَسْأَلَةِ الدَّابَّةِ وَمَا يُشَاكِلُهَا تَفْصِيلٌ مَلِيحٌ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ لَوْ قَدَّمَ الْإِشَارَةَ إلَى الْعَبْدِ يَعْتِقُ الْعَبْدُ وَيَلْغُو الْعَطْفُ وَإِنْ قَدَّمَ الْإِشَارَةَ إلَى الدَّابَّةِ لَا يَعْتِقُ الْعَبْدُ لِأَنَّ الْمَحَلَّ غَيْرُ صَالِحٍ لِلْعِتْقِ أَصْلًا فَيَلْغُو الْكَلَامُ الْأَوَّلُ فَيَصِيرُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ وَإِذَا صَارَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ فَقَوْلُهُ أَوْ هَذَا لَمْ يُفِدْ شَيْئًا كَمَا لَوْ اسْتَأْنَفَهُ اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ فَلْيُتَأَمَّلْ.