ِ لَا بِقَيْدِ مَرَّةٍ وَلَا تَكْرَارٍ وَلَا (يَحْتَمِلُهُ) أَيْ التَّكْرَارَ (وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ) وَالْآمِدِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ عَلَى نَقْلِهِمَا وَالْبَيْضَاوِيِّ، قَالَ السُّبْكِيُّ: وَأَرَاهُ رَأْيَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا (وَكَثِيرٌ لِلْمَرَّةِ) وَهَذَا عَزَاهُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَأَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ إلَى أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ.
وَقَالَ الْإسْفَرايِينِيّ: إنَّهُ مُقْتَضَى كَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَإِنَّهُ الصَّحِيحُ الْأَشْبَهُ بِمَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ، لَكِنْ قَالَ السُّبْكِيُّ: النَّقَلَةُ لِهَذَا عَنْ أَصْحَابِنَا لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّأْيِ الْمُخْتَارِ، وَلَيْسَ غَرَضُهُمْ إلَّا نَفْيَ التَّكْرَارِ وَالْخُرُوجِ عَنْ الْعُهْدَةِ بِالْمَرَّةِ، وَلِذَا لَمْ يَحْكِ أَحَدٌ مِنْهُمْ الْمَذْهَبَ الْمُخْتَارَ مَعَ حِكَايَةِ هَذَا فَهُوَ عِنْدَهُمْ هُوَ (وَقِيلَ لِلتَّكْرَارِ أَبَدًا) أَيْ مُدَّةَ الْعُمُرِ مَعَ الْإِمْكَانِ كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْآمِدِيُّ وَاِبْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمْ لِيَخْرُجَ أَزْمِنَةُ ضَرُورِيَّاتِ الْإِنْسَانِ مِنْ قَضَاءِ حَاجَةٍ وَغَيْرِهِ، وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ مِنْهُمْ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ (وَقِيلَ) الْأَمْرُ (الْمُعَلَّقُ) عَلَى شَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ لِلتَّكْرَارِ لَا الْمُطْلَقُ، وَهُوَ مَعْزُوٌّ إلَى بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ (وَقِيلَ) الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ لِلْمَرَّةِ (وَيَحْتَمِلُهُ) أَيْ التَّكْرَارَ، وَهُوَ مَعْزُوٌّ إلَى الشَّافِعِيِّ (وَقِيلَ بِالْوَقْفِ) إمَّا عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ (لَا نَدْرِي) أَوُضِعَ لِلْمَرَّةِ وَلِلتَّكْرَارِ أَوْ لِلْمُطْلَقِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَيْهِمَا (أَوْ) عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ (لَا يُدْرَى مُرَادُهُ) أَيْ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ (لِلِاشْتِرَاكِ) اللَّفْظِيِّ بَيْنَهُمَا وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ فِي جَمَاعَةٍ وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَلَى قَوْلِ الْإِسْنَوِيِّ، هَذَا وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ: إنَّ الْمَرَّةَ لَا تَفْعَلُ بَلْ فِعْلُهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَاقْتِضَاءُ كَلَامِ الْإِسْنَوِيِّ خِلَافَهُ خِلَافُ الْوَاقِعِ (لَنَا) عَلَى الْمُخْتَارِ وَهُوَ الْأَوَّلُ (إطْبَاقُ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى أَنَّ هَيْئَةَ الْأَمْرِ لَا دَلَالَةَ لَهَا إلَّا عَلَى الطَّلَبِ فِي خُصُوصِ زَمَانٍ وَخُصُوصِ الْمَطْلُوبِ) مِنْ قِيَامٍ وَقُعُودٍ وَغَيْرِهِمَا إنَّمَا هُوَ (مِنْ الْمَادَّةِ وَلَا دَلَالَةَ لَهَا) أَيْ الْمَادَّةِ (عَلَى غَيْرِ مُجَرَّدِ الْفِعْلِ) أَيْ الْمَصْدَرِ (فَلَزِمَ) مِنْ مَجْمُوعِ الْهَيْئَةِ وَالْمَادَّةِ (أَنَّ تَمَامَ مَدْلُولِ الصِّيغَةِ طَلَبُ الْفِعْلِ فَقَطْ، وَالْبَرَاءَةَ بِمَرَّةٍ لِوُجُودِهِ) أَيْ وَالْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ الْأَمْرِ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً لِضَرُورَةِ إدْخَالِهِ فِي الْوُجُودِ لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ بِأَقَلَّ مِنْهَا (فَانْدَفَعَ دَلِيلُ الْمَرَّةِ) وَهُوَ أَنَّ الِامْتِثَالَ يَحْصُلُ بِالْمَرَّةِ فَيَكُونُ لَهَا بِهَذَا
(وَاسْتُدِلَّ) لِلْمُخْتَارِ أَيْضًا كَمَا فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْبَدِيعِ (مَدْلُولُهَا) أَيْ الصِّيغَةِ (طَلَبُ حَقِيقَةِ الْفِعْلِ فَقَطْ، وَالْمَرَّةُ
[ ١ / ٣١١ ]
وَالتَّكْرَارُ خَارِجَانِ) عَنْ حَقِيقَتِهِ فَيَجِبُ أَنْ يَحْصُلَ الِامْتِثَالُ بِهِ فِي أَيِّهِمَا وُجِدَ وَلَا يَتَقَيَّدُ بِأَحَدِهِمَا (وَدُفِعَ) هَذَا كَمَا أَفَادَهُ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ (بِأَنَّهُ اسْتِدْلَالٌ بِالنِّزَاعِ) لِأَنَّ الْمُخَالِفَ يَقُولُ: هِيَ لِلْحَقِيقَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِالْمَرَّةِ أَوْ التَّكْرَارِ (وَبِأَنَّهُمَا) أَيْ وَاسْتَدَلَّ لَهُ أَيْضًا بِأَنَّ الْمَرَّةَ وَالتَّكْرَارَ (مِنْ صِفَاتِهِ) أَيْ الْفِعْلِ كَالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ (وَلَا دَلَالَةَ لِلْمَوْصُوفِ) بِالصِّفَاتِ الْمُتَقَابِلَةِ (عَلَى الصِّفَةِ) الْمُعَيَّنَةِ مِنْهَا فَلَا دَلَالَةَ لِلْأَمْرِ الدَّالِّ عَلَى طَلَبِ الْفِعْلِ عَلَيْهِمَا (وَدُفِعَ) هَذَا كَمَا أَفَادَهُ الْقَاضِي الْمَذْكُورُ أَيْضًا (بِأَنَّهُ إنَّمَا يَقْتَضِي انْتِفَاءَ دَلَالَةِ الْمَادَّةِ أَيْ الْمَصْدَرِ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ الْمَرَّةِ وَالتَّكْرَارِ (وَالْكَلَامَ) فِي انْتِقَاءِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِمَا (فِي الصِّيغَةِ) فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَدُلَّ الصِّيغَةُ عَلَى الْمَرَّةِ وَالتَّكْرَارِ، وَهُوَ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ، وَاحْتِمَالُ الصِّيغَةِ لَهُمَا لَا يَمْنَعُ ظُهُورَ أَحَدِهِمَا وَالْمُدَّعَى الدَّلَالَةُ بِحَسَبِ الظُّهُورِ لَا النُّصُوصِيَّةُ (قَالُوا) أَيْ الْمُكَرِّرُونَ (تَكَرَّرَ) الْمَطْلُوبُ (فِي النَّهْيِ فَعُمَّ) فِي الْأَزْمَانِ (فَوَجَبَ) التَّكْرَارُ أَيْضًا (فِي الْأَمْرِ لِأَنَّهُمَا) أَيْ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ (طَلَبٌ قُلْنَا) هَذَا (قِيَاسٌ فِي اللُّغَةِ لِأَنَّهُ فِي دَلَالَةِ لَفْظٍ) وَقَدْ تَقَدَّمَ بُطْلَانُهُ (وَ) أُجِيبَ أَيْضًا (بِالْفَرْقِ) بَيْنَهُمَا (بِأَنَّ النَّهْيَ لِتَرْكِهِ) أَيْ الْفِعْلِ (وَتَحَقُّقِهِ) أَيْ التَّرْكِ (بِهِ) أَيْ بِالتَّرْكِ (فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ، وَالْأَمْرُ لَا يُنَافِيهِ) أَيْ الْفِعْلَ (وَيَتَحَقَّقُ) الْفِعْلُ (بِمَرَّةٍ وَيَأْتِي) فِي هَذَا أَيْضًا (أَنَّهُ مَحَلُّ النِّزَاعِ) لِأَنَّ كَوْنَهُ لِمُجَرَّدِ إثْبَاتِهِ الْحَاصِلِ بِمَرَّةٍ عَيْنُ النِّزَاعِ إذْ هُوَ عِنْدَ الْمُخَالِفِ لِإِثْبَاتِهِ دَائِمًا.
(وَأَمَّا) الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا كَمَا فِي مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْبَدِيعِ (بِأَنَّ التَّكْرَارَ مَانِعٌ مِنْ) فِعْلِ (غَيْرِ الْمَأْمُورِ بِهِ) لِأَنَّ الْأَفْعَالَ كُلَّهَا لَا تُجَامِعُ كُلَّ فِعْلٍ (فَيَتَعَطَّلُ) مَا سِوَاهُ مِنْ الْمَأْمُورِ وَالْمَصَالِحِ الْمُهِمَّاتِ (بِخِلَافِ النَّهْيِ) فَإِنَّ التُّرُوكَ تُجَامِعُ كُلَّ فِعْلٍ، فَقَالَ الْمُصَنِّفُ: (فَمَدْفُوعٌ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي مَدْلُولِهِ) أَيْ لَفْظِ الْأَمْرِ (وَلَيْسَ) مَدْلُولُهُ (مَلْزُومَ الْإِرَادَةِ) لِلتَّكْرَارِ (فَيَجِبُ انْتِفَاؤُهَا) أَيْ إرَادَةِ التَّكْرَارِ (لِلْمَانِعِ) مِنْهَا (قَالُوا) أَيْ الْمُكَرِّرُونَ أَيْضًا: الْأَمْرُ (نَهْيٌ عَنْ أَضْدَادِهِ، وَهُوَ) أَيْ النَّهْيُ (دَائِمِيٌّ) أَيْ يَمْنَعُ مِنْ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ دَائِمًا (فَيَتَكَرَّرُ) الْأَمْرُ (فِي الْمَأْمُورِ) أَيْ بِهِ، وَالْوَجْهُ عَدَمُ حَذْفِهِ ثُمَّ الظَّاهِرُ فَيَتَكَرَّرُ الْمَأْمُورُ بِهِ.
(قُلْنَا: تَكَرُّرُ) النَّهْيِ (الْمَضْمُونِ فَرْعُ تَكَرُّرِ) الْأَمْرِ (الْمُتَضَمِّنِ، فَإِثْبَاتُ تَكَرُّرِهِ) أَيْ تَكَرُّرِ الْأَمْرِ الْمُتَضَمِّنِ (بِهِ) أَيْ بِتَكَرُّرِ النَّهْيِ الْمَضْمُونِ (دَوْرٌ) لِتَوَقُّفِ تَكَرُّرِ كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ (وَلَيْسَ) هَذَا الْجَوَابُ (بِشَيْءٍ) دَافِعٍ لِهَذَا الِاسْتِدْلَالِ (بَلْ إذَا كَانَ) تَكَرُّرُ النَّهْيِ الْمَضْمُونِ (فَرْعَهُ) أَيْ تَكَرُّرِ الْأَمْرِ الْمُتَضَمِّنِ (وَتَحَقَّقْنَا ثُبُوتَهُ) أَيْ تَكَرُّرِ النَّهْيِ (اسْتَدْلَلْنَا بِهِ) أَيْ بِتَكَرُّرِهِ (عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ) أَيْ الْأَمْرَ (كَذَلِكَ) أَيْ لِلتَّكْرَارِ (مِنْ قَبِيلِ) الْبُرْهَانِ (الْآنِيِّ) هُوَ الِاسْتِدْلَال بِالْأَثَرِ عَلَى الْمُؤْثَرِ (بَلْ) يَلْزَمُ (لِلْفَرْعِيَّةِ) أَيْ لِكَوْنِ تَكْرَارِ النَّهْيِ فَرْعَ تَكْرَارِ الْأَمْرِ (إذَا كَانَ) الْأَمْرُ (دَائِمًا كَانَ) نَهْيًا عَنْ أَضْدَادِهِ (دَائِمًا أَوْ) كَانَ الْأَمْرُ (فِي) وَقْتٍ (مُعَيَّنٍ فَفِيهِ) أَيْ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ الْأَمْرُ (نَهْيُ الضِّدِّ) أَيْ عَنْ أَضْدَادِهِ (أَوْ) كَانَ الْأَمْرُ مُطْلَقًا فَفِي (وَقْتِ الْفِعْلِ) لِلْمَأْمُورِ بِهِ يَكُونُ الْأَمْرُ نَهْيًا عَنْ أَضْدَادِهِ (الْمُعَلَّقِ) أَيْ الْقَائِلِ الْأَمْرُ الْمُعَلَّقُ عَلَى شَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ يَدُلُّ عَلَى التَّكْرَارِ قَالَ (تَكَرُّرُ) الْمَأْمُورِ بِهِ (فِي نَحْوِ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] فَتَكَرُّرُ وُجُوبِ الِاطِّهَارِ بِتَكَرُّرِ الْجَنَابَةِ.
(قُلْنَا: الشَّرْطُ هُنَا عِلَّةٌ فَيَتَكَرَّرُ) مُوجَبُ الْأَمْرِ (بِتَكْرَارِهَا اتِّفَاقًا) ضَرُورَةَ تَكَرُّرِ الْمَعْلُولِ بِتَكَرُّرِ عِلَّتِهِ (لَا بِالصِّفَةِ وَأَمَّا غَيْرُهُ) أَيْ مَا لَا يَكُونُ عِلَّةً (كَإِذَا دَخَلَ الشَّهْرُ فَأَعْتِقْ
[ ١ / ٣١٢ ]
فَخِلَافٌ) فِي كَوْنِهِ لِلتَّكْرَارِ (وَالْحَقُّ النَّفْيُ) أَيْ نَفْيُ التَّكْرَارِ فِيهِ (فَإِنْ قُلْت فَكَيْفَ نَفَاهُ) أَيْ تَكَرُّرَ الْحُكْمِ بِتَكْرَارِ الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ عِلَّتُهُ (الْحَنَفِيَّةُ فِي السَّارِقِ وَالسَّارِقَةِ) ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] (فَلَمْ يَقْطَعُوا فِي) الْمَرَّةِ (الثَّالِثَةِ) يَدَ السَّارِقِ الْيُسْرَى إذَا كَانَ قَدْ قُطِعَ فِي الْأُولَى يَدُهُ الْيُمْنَى، وَفِي الثَّانِيَةِ رِجْلُهُ الْيُسْرَى مَعَ أَنَّ السَّرِقَةَ عِلَّةُ الْقَطْعِ (وَجَلَدُوا فِي الزَّانِي بِكْرًا أَبَدًا) أَيْ كُلَّمَا زَنَى مَعَ أَنَّ الزِّنَا عِلَّةُ الْجَلْدِ (فَالْجَوَابُ أَمَّا مَانِعُو تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ فَلَمْ يُعَلَّقْ) الْقَطْعُ عِنْدَهُمْ (بِعِلَّةٍ) هِيَ السَّرِقَةُ (لِأَنَّ عَدَمَ قَطْعِ يَدِهِ فِي الثَّانِيَةِ إجْمَاعًا نَقْضٌ) لِكَوْنِهَا عِلَّةً لِتَخَلُّفِ حُكْمِهَا عَنْهَا (فَوَجَبَ عَدَمُ الِاعْتِبَارِ) لَهَا عِلَّةً لَهُ (فَبَقِيَ مُوجِبُهُ) أَيْ النَّصُّ (الْقَطْعُ مَرَّةً مَعَ السَّرِقَةِ) بِخِلَافِ الْجَلْدِ فِي الزِّنَا فَإِنَّهُ عُلِّقَ بِعِلَّةٍ هِيَ الزِّنَا فَتَكَرَّرَ بِتَكَرُّرِهِ.
(وَالْوَجْهُ الْعَامُ) أَيْ عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ وَبِعَدَمِ جَوَازِهِ بَيْنَ هَذَيْنِ (أَنَّهُ) أَيْ نَصَّ الْقَطْعِ (مُؤَوَّلٌ إذْ حَقِيقَتُهُ قَطْعُ الْيَدَيْنِ بِسَرِقَةٍ وَاحِدَةٍ) وَهِيَ غَيْرُ مَعْمُولٍ بِهَا إجْمَاعًا (بَلْ صُرِفَ) النَّصُّ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ قَطْعِ الْيَدَيْنِ (إلَى وَاحِدَةٍ هِيَ الْيُمْنَى بِالسُّنَّةِ) قُلْت: غَيْرَ أَنَّ كَوْنَ السُّنَّةِ مُفِيدَةً لِلِاقْتِصَارِ عَلَى وَاحِدَةٍ كَثِيرٌ، وَسَنَذْكُرُ بَعْضًا مِنْهُ، وَأَمَّا كَوْنُهَا مُعَيِّنَةً لِلْيُمْنَى فَلَا يَحْضُرُنِي مِنْهَا مَا يُفِيدُ بِمُجَرَّدِهِ تَعَيُّنَ الْيُمْنَى أَلْبَتَّةَ بَلْ غَايَةُ مَا حَضَرَنِي مِنْهَا «أَنَّهُ - ﷺ - أُتِيَ بِسَارِقٍ فَقَطَعَ يَمِينَهُ» كَمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَهُوَ لَا يُفِيدُ تَعَيُّنَهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهَا يُمْنَى بَلْ إنَّمَا يُفِيدُ كَوْنَ قَطْعِهَا مُخْرِجًا عَنْ الْعَهْدِ لِكَوْنِهَا مِنْ صَدَقَاتِ الْيَدِ، مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِعَدَمِ إجْزَاءِ قَطْعِ الْيُسْرَى، نَعَمْ إذَا ضُمَّ إلَيْهِ.
وَلَمْ يَرِدْ عَنْهُ - ﷺ - قَطْعُ الْيُسْرَى مَعَ قِيَامِ الْيُمْنَى فَحَيْثُ لَمْ يَقْطَعْ الْيُسْرَى حِينَئِذٍ وَالْيُمْنَى أَنْفَعُ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ بِهَا مِنْ الْأَعْمَالِ وَحْدَهَا مَا لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ بِالْيُسْرَى، وَمِنْ عَادَتِهِ طَلَبُ الْأَيْسَرِ لِلْأُمَّةِ مَا أَمْكَنَ دَلَّ عَلَى تَعَيُّنِ الْيُمْنَى لِلْقَطْعِ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ (وَقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ) فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا عَلَى مَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ تَفْسِيرِ الْبَيْضَاوِيِّ، أَوْ وَالسَّارِقُونَ وَالسَّارِقَاتُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمْ عَلَى مَا فِي تَفْسِيرِ الزَّجَّاجِ وَالْكَشَّافِ، وَالْقِرَاءَةُ الشَّاذَّةُ حُجَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ (وَالْإِجْمَاعِ) وَفِي هَذَا كِفَايَةٌ وَلَا عِبْرَةَ بِمَا نُقِلَ عَنْ شُذُوذٍ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِقَطْعِ الْأَصَابِعِ لِأَنَّ بِهَا الْبَطْشَ (فَظَهَرَ) بِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ (أَنَّ الْمُرَادَ) مِنْ النَّصِّ (انْقِسَامُ الْآحَادِ عَلَى الْآحَادِ أَيْ كُلُّ سَارِقٍ فَاقْطَعُوا يَدَهُ الْيُمْنَى بِمُوجَبِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ) وَهُوَ " أَيْدِيَهُمَا " (عَلَيْهِ) أَيْ الْمُقَيَّدِ وَهُوَ الْيُمْنَى لِمَا ذَكَرْنَا عَلَى أَنَّا نَقُولُ (فَلَوْ فُرِضَتْ) السَّرِقَةُ (عِلَّةً) لِلْقَطْعِ (تَعَذَّرَ) الْقَطْعُ فِي الثَّانِيَةِ (لِفَوْتِ مَحَلِّ الْحُكْمِ) الَّذِي هُوَ الْقَطْعُ وَهُوَ الْيُمْنَى (فِي الثَّانِيَةِ) لِقَطْعِهَا فِي الْأُولَى (بِخِلَافِ الْجَلْدِ) فَإِنَّهُ يَتَكَرَّرُ بِالزِّنَا لِعَدَمِ فَوْتِ مَحَلِّهِ وَهُوَ الْبَدَنُ بِالْجَلْدِ السَّابِقِ، ثُمَّ لَا يُقَالُ لَمَّا تَعَذَّرَ فِي الثَّانِيَةِ أُقِيمَتْ الرِّجْلُ الْيُسْرَى مَقَامَهَا فِيهِ لِأَنَّا نَقُولُ لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِيهِ.
(وَقَطْعُ الرِّجْلِ فِي الثَّانِيَةِ بِالسُّنَّةِ ابْتِدَاءً) فَقَدْ رَوَى الشَّافِعِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ «إذَا سَرَقَ السَّارِقُ فَاقْطَعُوا يَدَهُ ثُمَّ إنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَبِالْإِجْمَاعِ، وَقَالَ (الْوَاقِفُ) لَوْ ثَبَتَ كَوْنُهُ لِلْمَرَّةِ أَوْ لِلتَّكْرَارِ (فَأَمَّا بِالْآحَادِ) وَهِيَ إنَّمَا تُفِيدُ الظَّنَّ - وَالْمَسْأَلَةُ عِلْمِيَّةٌ - أَوْ بِالتَّوَاتُرِ وَهُوَ يَمْنَعُ الْخِلَافَ وَالْعَقْلُ الصِّرْفُ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِيهِ فَلَزِمَ الْوَقْفُ (وَتَقَدَّمَ مِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ هَذَا فِي مَسْأَلَةِ " صِيغَةُ الْأَمْرِ خَاصٌّ فِي الْوُجُوبِ لِلْوَاقِفِ فِي كَوْنِهَا لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ " وَجَوَابُهُ (وَسُؤَالُ) الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ النَّبِيَّ - ﷺ - عَنْ الْحَجِّ (أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ أَوْرَدَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ) دَلِيلًا (لِاحْتِمَالِ التَّكْرَارِ)، فَقَالَ فَلَوْ لَمْ يَحْتَمِلْ لَمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ (وَهُوَ) أَيْ
[ ١ / ٣١٣ ]
وَكَوْنُهُ دَلِيلًا (لِلْوَقْفِ بِالْمَعْنَى الثَّانِي) وَهُوَ لَا يَدْرِي مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ أَهُوَ الْمَرَّةُ أَمْ التَّكْرَارُ (أَظْهَرُ) مِنْ كَوْنِهِ دَلِيلًا لِاحْتِمَالِ التَّكْرَارِ لِأَنَّ كَوْنَهُ ظَاهِرًا لِلْمَرَّةِ لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ السُّؤَالِ فِي مَحَلِّ الْحَاجَةِ لِجَوَازِ الْعَمَلِ بِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى الِاسْتِخْبَارِ عَنْ الِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ خَفِيًّا عَلَى السَّامِعِ فَإِنَّ سُؤَالَهُ فِي مَحَلِّ الْحَاجَةِ وَهُوَ الْأَصْلُ فِيهِ وَالْأَصْلُ الْحَمْلُ عَلَى الْأَصْلِ (وَإِيرَادُهُ) دَلِيلًا (لِإِيجَابِ التَّكْرَارِ وُجِّهَ بِعِلْمِهِ) أَيْ السَّائِلِ (بِدَفْعِ الْحَرَجِ) فِي الدِّينِ وَفِي حَمْلِ الْأَمْرِ بِالْحَجِّ عَلَى التَّكْرَارِ حَرَجٌ عَظِيمٌ فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ فَسَأَلَ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَإِنَّمَا يُصَحِّحُ) هَذَا التَّوْجِيهَ (السُّؤَالُ) عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ الْأَمْرِ لِلتَّكْرَارِ، إذْ يُقَالُ: إنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا إلَيْهِ فَيُعْتَذَرُ بِهَذَا (لَا كَوْنُهُ دَلِيلًا لِوُجُوبِ التَّكْرَارِ) لِاسْتِغْنَائِهِ حِينَئِذٍ عَنْ السُّؤَالِ ظَاهِرًا، وَأَمَّا قَوْلُهُ (أَوْ احْتِمَالِهِ) فَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الِاسْتِفْسَارَ قَدْ يَكُونُ لِلْقَطْعِ بِالْمَرْجُوحِ لِظَنِّهِ بِقَرِينَةٍ عَلَيْهِ (ثُمَّ الْجَوَابُ) لِلْجُمْهُورِ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ (أَنَّ الْعِلْمَ بِتَكْرِيرِ) الْحُكْمِ (الْمُتَعَلِّقِ بِسَبَبٍ مُتَكَرِّرٍ ثَابِتٌ فَجَازَ كَوْنُهُ) أَيْ سُؤَالِ السَّائِلِ (لِإِشْكَالِ أَنَّهُ) أَيْ سَبَبَ الْحَجِّ (الْوَقْتُ فَيَتَكَرَّرُ) الْحَجُّ لِتَكَرُّرِ الْوَقْتِ (أَوْ) أَنَّ سَبَبَهُ (الْبَيْتُ فَلَا) يَتَكَرَّرُ لَا لِكَوْنِ الْأَمْرِ يُوجِبُ التَّكْرَارَ أَوْ يَحْتَمِلُهُ أَوْ لِلْوَقْفِ فِي مُقْتَضَاهُ، وَالِاحْتِمَالُ مُسْقِطٌ لِلِاسْتِدْلَالِ ثُمَّ الْحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفْظِ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ، وَاَلَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَسُنَنِ النَّسَائِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ الْحَجُّ فَحُجُّوا فَقَالَ رَجُلٌ أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ»، نَعَمْ كَوْنُ السَّائِلِ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ هُوَ كَذَلِكَ عَلَى مَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ، ثُمَّ وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّ الْمَعْنَى لَوْ قُلْت نَعَمْ لَتَقَرَّرَ الْوُجُوبُ فِي كُلِّ عَامٍ عَلَى مَا هُوَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ الْأَمْرِ، وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ بَلْ مَعْنَاهُ لَصَارَ الْوَقْتُ سَبَبًا لِأَنَّهُ - ﷺ - كَانَ صَاحِبَ الشَّرْعِ وَإِلَيْهِ نَصْبُ الشَّرَائِعِ. هَذَا وَفِي التَّلْوِيحِ وَفِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ أَنَّ السَّائِلَ هُوَ سُرَاقَةُ، فَقَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ وَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْأَمْرِ اهـ. وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ بِذَلِكَ وَاَلَّذِي فِي مُسْنَدِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْآثَارِ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ «لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِمَا أَمَرَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ قَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَخْبِرْنَا عَنْ عُمْرَتِنَا هَذِهِ أَلَنَا خَاصَّةً أَمْ هِيَ لِلْأَبَدِ قَالَ هِيَ لِلْأَبَدِ» (وَبَنَى بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ) أَيْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ كَفَخْرِ الْإِسْلَامِ وَصَدْرِ الشَّرِيعَةِ (عَلَى التَّكْرَارِ وَعَدَمِهِ وَاحْتِمَالِهِ طَلِّقِي نَفْسَكِ أَوْ طَلِّقْهَا يَمْلِكُ) الْمَأْمُورُ أَنْ يُطَلِّقَ (أَكْثَرَ مِنْ الْوَاحِدَةِ) جُمْلَةً وَمُتَفَرِّقَةً (بِلَا نِيَّةٍ عَلَى الْأَوَّلِ) أَيْ التَّكْرَارِ، أَمَّا مَا لَوْ نَوَى وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ فَفِي الْكَشْفِ وَالتَّحْقِيقِ يَنْبَغِي أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى مَا نَوَى عِنْدَهُمْ، لِأَنَّهُ وَإِنْ أَوْجَبَ التَّكْرَارَ عِنْدَهُمْ فَقَدْ يَمْنَعُ عَنْهُ بِدَلِيلٍ، وَالنِّيَّةُ دَلِيلٌ، انْتَهَى.
وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَنْعَ عَنْهُ مُسَلَّمٌ إذَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ، وَفِيمَا فِيهِ تَخْفِيفٌ وُجِدَ الْمَانِعُ فَلَا يُصَدَّقُ قَضَاءً فِي صَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ مُوجَبِهِ، وَهُوَ الثَّلَاثُ لِلتَّخْفِيفِ (وَبِهَا) أَيْ وَيَمْلِكُ أَكْثَرَ مِنْ الْوَاحِدَةِ بِالنِّيَّةِ (عَلَى الثَّالِثِ) أَيْ احْتِمَالِ التَّكْرَارِ مُطَابِقًا لِنِيَّتِهِ مِنْ اثْنَيْنِ وَثَلَاثٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَوْ نَوَى وَاحِدَةً فَوَاحِدَةٌ لَا غَيْرُ (وَعَلَى الثَّانِي) أَيْ عَدَمِ احْتِمَالِهِ التَّكْرَارَ (وَهُوَ) أَيْ الثَّانِي (قَوْلُهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ يَقَعُ (وَاحِدَةٌ) سَوَاءٌ نَوَاهَا أَوْ الثِّنْتَيْنِ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا (وَالثَّلَاثُ بِالنِّيَّةِ لَا الثِّنْتَانِ) وَإِنْ نَوَاهُمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُتَفَرِّعَ) فِي هَذِهِ الصُّورَةِ (تَعْدَادُ الْأَفْرَادِ) لِلْمَأْمُورِ بِهِ وَعَدَمُ
[ ١ / ٣١٤ ]
تَعْدَادِهَا (وَلَيْسَ) تَعْدَادُهَا (التَّكْرَارَ) لِلْفِعْلِ (وَلَا مَلْزُومَهُ) أَيْ التَّكْرَارِ (لِلتَّعَدُّدِ) فِي الْأَفْرَادِ (وَالْفِعْلُ وَاحِدٌ فِي التَّطْلِيقِ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثًا) فَإِنَّ فِيهِ تَعَدُّدَ الطَّلَاقِ مَعَ عَدَمِ تَكَرُّرِ فِعْلِ الْمُطَلِّقِ (فَهُوَ) أَيْ تَعَدُّدُ الْأَفْرَادِ (لَازِمٌ لِلتَّكْرَارِ أَعَمَّ) مِنْهُ لِصِدْقِهِ مَعَ التَّكْرَارِ وَعَدَمِهِ (فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ التَّعَدُّدِ ثُبُوتُهُ) أَيْ التَّكْرَارِ (وَلَا مِنْ انْتِفَاءِ التَّكْرَارِ انْتِفَاؤُهُ) أَيْ التَّعَدُّدِ (فَهِيَ) أَيْ هَذِهِ الصُّورَةُ وَأَمْثَالُهَا غَيْرُ مَبْنِيَّةٍ عَلَى هَذَا الْمُبْتَنَى بَلْ هِيَ مَسْأَلَةٌ (مُبْتَدَأَةٌ) .
هَكَذَا (صِيغَةُ الْأَمْرِ لَا تَحْتَمِلُ التَّعَدُّدَ الْمَحْضَ لِأَفْرَادِ مَفْهُومِهَا فَلَا تَصِحُّ إرَادَتُهُ) أَيْ التَّعَدُّدِ الْمَحْضِ مِنْهَا (كَالطَّلَاقِ) أَيْ كَمَا لَا يَصِحُّ إرَادَةُ الطَّلَاقِ (مِنْ اسْقِنِي، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ) فَإِنَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّهَا تَحْتَمِلُهُ وَإِنَّمَا قُلْنَا لَا تَحْتَمِلُهُ (لِأَنَّهَا مُخْتَصَرَةٌ مِنْ طَلَبِ الْفِعْلِ بِالْمَصْدَرِ النَّكِرَةِ) حَتَّى كَانَ قَائِلُ: طَلِّقْ أَوْقَعَ طَلَاقًا (وَهُوَ) أَيْ الْمَصْدَرُ النَّكِرَةُ (فَرْدٌ فَيَجِبُ مُرَاعَاةُ فَرْدِيَّةِ مَعْنَاهُ فَلَا يَحْتَمِلُ ضِدَّ مَعْنَاهُ) وَهُوَ التَّعَدُّدُ الْمَحْضُ لِلْمُنَافَاةِ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْفَرْدَ مَا لَا تَرَكُّبَ فِيهِ، وَالْعَدَدَ مَا تَرَكَّبَ مِنْ الْأَفْرَادِ، فَإِنْ قِيلَ: فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَصِحَّ إرَادَةُ الثِّنْتَيْنِ فِي قَوْلِهِ: طَلِّقِي نَفْسَكِ، لِزَوْجَتِهِ الْأَمَةِ، وَلَا إرَادَةُ الثَّلَاثِ فِي قَوْلِهِ هَذَا لِزَوْجَتِهِ الْحُرَّةِ كَمَا لَا تَصِحُّ إرَادَةُ الثِّنْتَيْنِ فِيهِ لَهَا، فَالْجَوَابُ الْمَنْعُ (وَصِحَّةُ إرَادَةِ الثِّنْتَيْنِ فِي الْأَمَةِ وَالثَّلَاثِ فِي الْحُرَّةِ لِلْوَحْدَةِ الْجِنْسِيَّةِ) فِيهِمَا لِأَنَّهُمَا كُلُّ جِنْسِ طَلَاقِهِمَا، إذْ لَا مَزِيدَ لَهُ فِي حَقِّ الْأَمَةِ عَلَى الثِّنْتَيْنِ وَفِي حَقِّ الْحُرَّةِ عَلَى الثَّلَاثِ فَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا فَرْدًا وَاحِدًا مِنْ أَجْنَاسِ التَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، فَيَقَعُ بِالنِّيَّةِ (بِخِلَافِ الثِّنْتَيْنِ فِي الْحُرَّةِ لَا جِهَةَ لِوَحْدَتِهِ) فِيهَا لَا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا (فَانْتَفَى) كَوْنُهُ مُحْتَمَلَ اللَّفْظِ فَلَا يُنَالُ بِالنِّيَّةِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْفَرْدَ الْحَقِيقِيَّ مُوجَبُهُ وَالْفَرْدَ الِاعْتِبَارِيَّ مُحْتَمَلُهُ، وَالْعَدَدَ لَا مُوجَبُهُ وَلَا مُحْتَمَلُهُ، وَالْأَصْلُ أَنَّ مُوجَبَ اللَّفْظِ يَثْبُتُ بِاللَّفْظِ وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ وَمُحْتَمَلَ اللَّفْظِ لَا يَثْبُتُ إلَّا إذَا نَوَى، وَمَا لَا يَحْتَمِلُهُ لَا يَثْبُتُ وَإِنْ نَوَى لِأَنَّ النِّيَّةَ لِتَعْيِينِ مُحْتَمَلِ اللَّفْظِ لَا لِإِثْبَاتِهِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: (وَبَعْدَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ اتِّحَادُ مَدْلُولِ الصِّيغَةِ وَتَعَدُّدُهُ) أَيْ مَدْلُولِهَا بَلْ قَدْ يَكُونُ وَاحِدًا، وَقَدْ يَكُونُ مُتَعَدِّدًا (فَقَدْ يَبْعُدُ نَفْيُ الِاحْتِمَالِ) أَيْ احْتِمَالِ التَّعَدُّدِ (لِثُبُوتِ الْفَرْقِ لُغَةً بَيْنَ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ الْمَعَانِي وَبَعْضِ) أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ (الْأَعْيَانِ، إذْ لَا يُقَالُ لِرَجُلَيْنِ رَجُلٌ، وَيُقَالُ لِلْقِيَامِ الْكَثِيرِ قِيَامٌ، كَالْأَعْيَانِ الْمُتَمَاثِلَةِ الْأَجْزَاءِ كَالْمَاءِ وَالْعَسَلِ فَإِذَا صَدَقَ الطَّلَاقُ عَلَى طَلْقَتَيْنِ كَيْفَ لَا يَحْتَمِلُهُ) أَيْ الطَّلَاقُ هَذَا الْعَدَدَ الصَّادِقُ عَلَيْهِ؟
(لَكِنَّهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةَ (اسْتَمَرُّوا عَلَى مَا سَمِعْت) مِنْ عَدَمِ الِاحْتِمَالِ (فِي الْكُلِّ) أَيْ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ الْمَعَانِي وَالْأَعْيَانِ حَتَّى قَالُوا تَفْرِيعًا عَلَى ذَلِكَ (فَلَوْ حَلَفَ: لَا يَشْرَبُ مَاءً انْصَرَفَ إلَى أَقَلِّ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ) مَاءٌ وَهُوَ قَطْرَةٌ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ (وَلَوْ نَوَى مِيَاهَ الدُّنْيَا صَحَّ فَيَشْرَبُ مَا شَاءَ) مِنْهَا وَلَا يَحْنَثُ لِصِدْقِ أَنَّهُ لَمْ يَشْرَبْهَا (أَوْ) قَدْرًا مِنْ الْأَقْدَارِ الْمُتَخَلِّلَةِ بَيْنَ الْحَدَّيْنِ كَمَا لَوْ نَوَى (كُوزًا لَا يَصِحُّ) ذَلِكَ مِنْهُ لِخُلُوِّ الْمَنْوِيِّ عَنْ صِفَةِ الْفَرْدِيَّةِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.