(مَسْأَلَةٌ بَلْ قَبْلَ مُفْرَدٍ لِلْإِضْرَابِ فَبَعْدَ الْأَمْرِ كَاضْرِبْ زَيْدًا بَلْ بَكْرًا وَالْإِثْبَاتُ قَامَ زَيْدٌ بَلْ بَكْرٌ لِإِثْبَاتِهِ) أَيْ الْحُكْمِ الَّذِي قَبْلَهَا (لِمَا بَعْدَهَا) وَهُوَ بَكْرٌ فِي هَذَيْنِ الْمِثَالَيْنِ (وَجَعَلَ الْأَوَّلَ) وَهُوَ زَيْدٌ فِيهِمَا (كَالْمَسْكُوتِ فَهُوَ) أَيْ الْأَوَّلُ (عَلَى الِاحْتِمَالِ) أَيْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَطْلُوبًا وَأَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَطْلُوبٍ فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ مُخْبَرًا بِقِيَامِهِ وَغَيْرَ مُخْبَرٍ بِهِ فِي الْمِثَالِ الثَّانِي هَذَا إذَا لَمْ يَذْكُرْ مَعَ لَا (وَمَعَ لَا) نَحْوُ جَاءَ زَيْدٌ لَا بَلْ عَمْرٌو (يَنُصُّ عَلَى نَفْيِهِ) أَيْ الْأَوَّلِ فَيُفِيدُ عَدَمَ مَجِيءِ زَيْدٍ قَطْعًا (وَهُوَ) أَيْ بَلْ (فِي كَلَامِ غَيْرِهِ تَعَالَى تَدَارُكٌ أَيْ كَوْنُ الْإِخْبَارِ الْأَوَّلِ أَوْلَى مِنْهُ) أَيْ الْأَوَّلِ (الثَّانِي فَيُعْرِضُ عَنْهُ) أَيْ الْأَوَّلِ (إلَيْهِ) أَيْ الثَّانِي (لَا إبْطَالُهُ) أَيْ الْأَوَّلِ وَإِثْبَاتُ الثَّانِي تَدَارُكًا لِمَا وَقَعَ أَوَّلًا مِنْ الْغَلَطِ (كَمَا قِيلَ: وَيُعَدُّ النَّهْيُ) كَلَا تَضْرِبْ زَيْدًا بَلْ عَمْرًا (وَالنَّفْيُ) كَمَا قَامَ زَيْدٌ بَلْ عَمْرٌو (لِإِثْبَاتِ ضِدِّهِ) أَيْ حُكْمِ الْأَوَّلِ لِمَا بَعْدَهَا (وَتَقْرِيرُ الْأَوَّلِ) فَفِي الْأَوَّلِ قَرَّرْت النَّهْيَ عَنْ ضَرْبِ زَيْدٍ وَأَثْبَتُّ الْأَمْرَ بِضَرْبِ عَمْرٍو وَفِي الثَّانِي قَرَّرْت نَفْيَ الْقِيَامِ لِزَيْدٍ وَأَثْبَتُهُ لِعَمْرٍو (وَعَبْدُ الْقَاهِرِ) الْجُرْجَانِيُّ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْكَشْفِ أَوْ ابْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ ابْنُ أُخْتِ الْفَارِسِيِّ كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ النَّحْوِيِّينَ وَلَعَلَّهُ عَنْ كِلَيْهِمَا وِفَاقًا لِلْمُبَرِّدِ عَلَى أَنَّهَا كَذَلِكَ لَكِنْ (يُحْتَمَلُ نَقْلُ النَّهْيِ وَالنَّفْيِ إلَيْهِ) أَيْ الثَّانِي قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: وَهُوَ مُخَالِفٌ لِاسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ (فَقَوْلُ زُفَرَ يَلْزَمُهُ ثَلَاثَةٌ فِي لَهُ دِرْهَمٌ بَلْ دِرْهَمَانِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إفَادَةِ إبْطَالِ الْأَوَّلِ وَإِنْ قِيلَ بِهِ) أَيْ بِإِبْطَالِهِ كَمَا تَقَدَّمَ (بَلْ يَكْفِي) فِي لُزُومِ الثَّلَاثَةِ (كَوْنُهُ) أَيْ الْمُقِرِّ أَعْرَضَ عَنْ الْإِقْرَارِ بِدِرْهَمٍ (كَالسَّاكِتِ عَنْهُ) أَيْ الْإِقْرَارِ بِهِ (بَعْدَ إقْرَارِهِ فِي رَدِّهِ) أَيْ كَالْمَلْفُوظِ فِي بَلْ لَهُ دِرْهَمَانِ (كَالْإِنْشَاءِ) نَحْوُ قَوْلِهِ لِلْمَدْخُولِ بِهَا أَنْتِ (طَالِقٌ وَاحِدَةً بَلْ ثِنْتَيْنِ يَقَعُ ثَلَاثٌ وَفِي غَيْرِ الْمَدْخُولَةِ وَاحِدَةٌ لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ بِخِلَافِ تَعْلِيقِهِ) كَذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولَةِ (بِقَوْلِهِ إنْ دَخَلْت فَطَالِقٌ وَاحِدَةً بَلْ ثِنْتَيْنِ يَقَعُ عِنْدَ الشَّرْطِ ثَلَاثٌ لِأَنَّهُ) أَيْ كَالْمَلْفُوظِ (كَتَقْدِيرِ شَرْطٍ آخَرَ) مُمَاثِلٍ لِلْمَذْكُورِ حَتَّى يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ التَّصْرِيحِ بِتَكْرِيرِ الشَّرْطِ مِثْلُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِي هَذَا يَقَعُ الثَّلَاثُ بِالدُّخُولِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَكَذَا فِي ذَاكَ (لَا حَقِيقَتِهِ) أَيْ الشَّرْطِ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ (إذْ لَا مُوجِبَ) لِاعْتِبَارِ شَرْطٍ آخَرَ
(وَتَحْمِيلُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ
[ ٢ / ٤٨ ]
ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ بَلْ تَشْبِيهٌ لِلْعَجْزِ عَنْ إبْطَالِ) الطَّلَاقِ (الْأَوَّلِ) الْمُعَلَّقِ بِالشَّرْطِ (فَلَا يَتَوَسَّطُ) الْأَوَّلُ لِتَعْلِيقِ الثَّانِي بِذَلِكَ الشَّرْطِ (بِخِلَافِهِ) أَيْ هَذَا بِالْعَطْفِ (بِالْوَاوِ عِنْدَهُ) أَيْ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا عُطِفَ عَلَى الْجَزَاءِ بِالْوَاوِ وَلَا بَأْسَ بِذِكْرِ لَفْظِهِ لِيُعْلَمَ ظُهُورُ ذَلِكَ مِنْهُ قَالَ: لَمَّا كَانَ مَعْنَى بَلْ لِإِبْطَالِ الْأَوَّلِ وَإِقَامَةِ الثَّانِي مَقَامَهُ كَانَ مِنْ قَضِيَّتِهِ اتِّصَالُهُ بِذَلِكَ الشَّرْطِ بِلَا وَاسِطَةٍ لَكِنْ بِشَرْطِ إبْطَالِ الْأَوَّلِ وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ إبْطَالُ الْأَوَّلِ وَلَكِنْ فِي وُسْعِهِ إفْرَادُ الثَّانِي بِالشَّرْطِ لِيَتَّصِلَ بِهِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ كَأَنَّهُ قَالَ: لَا بَلْ أَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَيَصِيرُ كَالْحَلِفِ بِيَمِينَيْنِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْعَطْفِ بِالْوَاوِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت هَذِهِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَثِنْتَيْنِ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا أَنَّهَا تَبِينُ بِالْوَاحِدَةِ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ عَلَى تَقْدِيرِ الْأُولَى فَيَصِيرُ مَعْطُوفًا عَلَى سَبِيلِ الْمُشَارَكَةِ فَيَصِيرُ مُتَّصِلًا بِذَلِكَ بِوَاسِطَةٍ وَلَا يَصِيرُ مُنْفَرِدًا بِشَرْطِهِ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمُشَارَكَةِ فِي اتِّحَادِ الشَّرْطِ فَيَصِيرُ الثَّانِي مُتَّصِلًا بِهِ بِوَاسِطَةِ الْأَوَّلِ فَقَدْ جَاءَ التَّرْتِيبُ اهـ قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَبِقَلِيلِ تَأَمُّلٍ يَظْهَرُ أَنْ لَيْسَ بِلَازِمٍ مِنْ كَلَامِهِ هَذَا تَقْدِيرُ شَرْطٍ آخَرَ أَلْبَتَّةَ بَلْ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِالْأَوَّلِ الْمُبْطَلِ مُجَرَّدَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ وَقَضِيَّتُهُ اتِّصَالُهُ بِذَلِكَ الشَّرْطِ بِلَا وَاسِطَةٍ إلَخْ ظَاهِرٌ فِي هَذَا وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ كَالْحَلِفِ بِيَمِينَيْنِ تَشْبِيهٌ يَعْنِي كَمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِوَاسِطَةِ الْأَوَّلِ فِي الْيَمِينَيْنِ كَذَلِكَ فِي الْعَطْفِ بِبَلْ فِي الْيَمِينِ الْوَاحِدَةِ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ عَلَّقَ وَاحِدًا ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُبْطِلَ تَعْلِيقَهُ بِقَيْدِ الْوِحْدَةِ إلَى تَعْلِيقِهِ مَعَ آخَرَ وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ ذَلِكَ فَلَزِمَ اتِّصَالُ الِاثْنَيْنِ مَعَهُ بِذَلِكَ الشَّرْطِ فَيَقَعُ الثَّلَاثُ ثُمَّ يَقُولُ
(وَقُلْنَا) فِي جَوَابِ زُفَرَ كَالْمَلْفُوظِ (يَحْصُلُ بِالْإِعْرَاضِ عَنْ الدِّرْهَمِ إلَى دِرْهَمَيْنِ بِإِضَافَةِ) دِرْهَمٍ (آخَرَ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْأَوَّلِ (فَلَمْ يَبْطُلْ الْإِقْرَارُ وَلَمْ يَلْزَمْهُ ثَلَاثَةٌ وَأَمَّا قَبْلَ الْجُمْلَةِ فَلِلْإِضْرَابِ عَمَّا قَبْلَهُ) أَيْ بَلْ (بِإِبْطَالِهِ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] أَيْ بَلْ هُمْ) عِبَادٌ مُكْرَمُونَ وَقَوْلُهُ ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [المؤمنون: ٧٠] أَمَّا فِي كَلَامِهِ تَعَالَى فَلِلْإِفَاضَةِ فِي غَرَضٍ آخَرَ) مِنْ غَيْرِ إبْطَالٍ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤] ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥] ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [الأعلى: ١٦] وَقَوْلُهُ ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ - بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾ [المؤمنون: ٦٢ - ٦٣] وَادِّعَاءُ حَصْرِ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى أَنَّهَا لِلِانْتِقَالِ مِنْ غَرَضٍ إلَى آخَرَ كَمَا زَعَمَهُ ابْنُ مَالِكٍ فِي شَرْحِ الْكَافِيَةِ (مُنِعَ بِالْأَوَّلِ) أَيْ بِقَوْلِهِ ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [المؤمنون: ٧٠] وَتَوْجِيهُهُ بِأَنَّ كَلَامَهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَبْطُلَ مِنْهُ شَيْءٌ هُوَ كَذَلِكَ لَكِنَّ الْإِبْطَالَ لَيْسَ لِكَلَامِهِ تَعَالَى بَلْ لِقَوْلِ الْكَفَرَةِ الَّذِينَ حَكَى اللَّهُ قِصَّتَهُمْ وَقَوْلُهُ (لَا عَاطِفَةٌ) عَطْفٌ عَلَى فَلِلْإِضْرَابِ أَيْ بَلْ قَبْلَ الْجُمْلَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ لِلْإِضْرَابِ أَوْ لِلِانْتِقَالِ حَرْفُ ابْتِدَاءٍ كَمَا مَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ رَصْفِ الْمَبَانِي وَغَيْرُهُ وَنَصَّ ابْنُ هِشَامٍ عَلَى أَنَّهُ الصَّحِيحُ لِأَنَّك لَمَّا أَضْرَبْت صَارَ الْمَضْرُوبُ عَنْهُ كَأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ وَصَارَتْ هِيَ أَوَّلُ الْكَلَامِ وَكَانَ مَا بَعْدَهَا كَلَامًا مُفِيدًا مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ مُنْقَطِعَ التَّعَلُّقِ عَمَّا قَبْلَهُ لَا أَنَّهَا عَاطِفَةٌ لِلْجُمْلَةِ بَعْدَهَا عَلَى مَا قَبْلَهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ مَالِكٍ وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.