(مَسْأَلَةٌ وَلَيْسَتْ لُغَوِيَّةً مَبْدَئِيَّةً) بَلْ مُسْتَطْرَدَةً قَالَ (الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ) وَالْأَشْعَرِيُّ وَأَبُو هَاشِمٍ وَأَبُو الْحُسَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ (يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِالْقِيَاسِ) أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَطْعِيًّا أَوْ ظَنِّيًّا كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ إطْلَاقِهِمْ لَا الظَّنِّيُّ فَقَطْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّخْصِيصَ بِالْقَطْعِيِّ لَا خِلَافَ فِيهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ شَارِحُ الْبُرْهَانِ وَغَيْرُهُ نَعَمْ ذَكَرَ السُّبْكِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ قِيَاسُ نَصٍّ خَاصٍّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْغَزَالِيُّ فِي حَصْرِ الْجَوَازِ فِيهِ تَأَمُّلٌ.
ثُمَّ الظَّاهِرُ مِنْ حِكَايَةِ الْأَقْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي جَوَازِهِ بِالْقِيَاسِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ (إلَّا أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ) قَيَّدُوا الْجَوَازَ بِهِ (بِشَرْطِ تَخْصِيصٍ بِغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْقِيَاسِ مِنْ سَمْعِيٍّ أَوْ عَقْلِيٍّ.
(وَتَقْيِيدُهُ) أَيْ التَّخْصِيصِ بِغَيْرِهِ (بِالْقَبْلِيَّةِ) أَيْ بِأَنْ يَكُونَ قَبْلَ التَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ كَمَا وَقَعَ فِي عِبَارَةِ كَثِيرٍ (لَا يُتَصَوَّرُ) إذْ لَا يُتَصَوَّرُ تَرَاخِي مُقْتَضَى الْقِيَاسِ عَلَى الْمَنْصُوصِ الْمُخْرَجِ مِنْهُ عَنْ خُرُوجِهِ مِنْهُ لِاشْتِرَاكِهِمَا حِينَئِذٍ فِي الْعِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْخُرُوجِ بَلْ وَلَا تَرَاخِي الْمُخَصِّصِ مُطْلَقًا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ (وَتَقَدَّمَتْ إشَارَةٌ إلَيْهِ) فِي الْبَحْثِ الْخَامِسِ مِنْ مَبَاحِثِ الْعَامِّ وَبَيَّنَّا وَجْهَهُ (فَالْمُرَادُ بِالْقَبْلِيَّةِ) لِلْغَيْرِ (ظُهُورُ الْغَيْرِ سَابِقًا) عَلَى ظُهُورِ مَا سِوَاهُ وَقَالَ (ابْنُ سُرَيْجٍ: إنْ كَانَ) الْقِيَاسُ (جَلِيًّا) جَازَ تَخْصِيصُهُ وَإِنْ كَانَ خَفِيًّا لَا يَجُوزُ، فِي الْجَلِيِّ مَذَاهِبُ الرَّاجِحُ مِنْهَا فِي الْمُنْتَخَبِ وَنَصَّ عَلَيْهِ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ أَنَّهُ قِيَاسُ الْمَعْنَى، وَالْخَفِيُّ قِيَاسُ الشَّبَهِ وَاَلَّذِي مَشَى عَلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَسَيَحْكِيهِ الْمُصَنِّفُ فِي مَوْضِعِهِ أَنَّهُ الَّذِي قُطِعَ فِيهِ بِنَفْيِ تَأْثِيرِ الْفَارِقِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ، وَالْخَفِيُّ مَا ظُنَّ فِيهِ نَفْيُ تَأْثِيرِهِ بَيْنَهُمَا (وَقِيلَ إنْ كَانَ أَصْلُهُ) أَيْ الْقِيَاسِ يَعْنِي الْمَقِيسَ عَلَيْهِ (مُخْرَجًا مِنْ ذَلِكَ الْعُمُومِ بِنَصٍّ) خُصَّ وَإِلَّا فَلَا (وَالْجُبَّائِيُّ يُقَدِّمُ الْعَامَّ مُطْلَقًا) أَيْ جَلِيًّا كَانَ الْقِيَاسُ أَوْ خَفِيًّا مُخْرَجًا أَصْلُهُ مِنْ ذَلِكَ الْعُمُومِ أَوْ لَا وَنَقَلَهُ الْقَاضِي فِي التَّقْرِيبِ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيّ فِي الْمَعَالِمِ.
(وَتَوَقَّفَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْقَاضِي وَقِيلَ إنْ كَانَ أَصْلُهُ مُخَصِّصًا) أَيْ مُخْرِجًا مِنْ الْعُمُومِ (أَوْ) ثَبَتَتْ (الْعِلَّةُ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ) خُصَّ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ (اُعْتُبِرَتْ قَرَائِنُ التَّرْجِيحِ) فَإِنْ ظَهَرَ تَرْجِيحُ خَاصٍّ بِالْقِيَاسِ عُمِلَ بِهِ وَإِلَّا عُمِلَ بِالْعَامِّ (وَاخْتَارَهُ بَعْضُهُمْ) وَهُوَ ابْنُ الْحَاجِبِ قُلْت وَقَوْلُ السُّبْكِيّ وَهُوَ آيِلٌ إلَى اتِّبَاعِ أَرْجَحِ الظَّنَّيْنِ وَإِنْ تَسَاوَيَا فَالْوَقْفُ وَهَذَا هُوَ رَأْيُ الْغَزَالِيِّ وَاعْتَرَفَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ فِي أَثْنَاءِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّهُ حَقٌّ وَاسْتَحْسَنَهُ الْقَرَافِيُّ وَقَالَ الشَّيْخُ الْأَصْفَهَانِيُّ: إنَّهُ حَقٌّ وَاضِحٌ اهـ.
لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا وَقْفَ أَصْلًا فِي هَذَا الْمُخْتَارِ لِابْنِ الْحَاجِبِ وَأَمَّا أَنَّهُ حَقٌّ فَسَتَقِفُ عَلَى مَا فِيهِ (لَنَا) عَلَى الْأَوَّلِ (الِاشْتِرَاكُ) أَيْ الْعَامُّ وَالْقِيَاسُ مُتَشَارِكَانِ (فِي الظَّنِّيَّةِ أَمَّا الثَّلَاثَةُ) أَيْ أَمَّا عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ (فَمُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ خُصَّ الْعَامُّ أَوْ لَا وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ (وَأَمَّا الطَّائِفَةُ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ) الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْعَامَّ قَطْعِيٌّ (فَبِالتَّخْصِيصِ) صَارَ ظَنِّيًّا عِنْدَهُمْ أَيْضًا بِوَاسِطَةِ تَحَقُّقِ عَدَمِ إرَادَةِ مَعْنَاهُ وَاحْتِمَالِ إخْرَاجِ بَعْضٍ آخَرَ مِنْهُ (وَالتَّفَاوُتُ فِي الظَّنِّيَّةِ غَيْرُ مَانِعٍ) مِنْ تَخْصِيصِ الْأَقْوَى فِيهَا بِمَا دُونَهُ فِيهَا لِأَنَّ مُسَاوَاةَ الْمُخَصَّصِ وَالْمُخَصِّصِ فِيهَا لَيْسَتْ شَرْطًا (كَمَا تَقَدَّمَ) فِي التَّخْصِيصِ بِالْمَفْهُومِ (وَوَجْهُهُ) أَيْ التَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ (إعْمَالُهُمَا) أَيْ الْعَامِّ وَالْقِيَاسِ (مَا أَمْكَنَ أَوْ تَرَجُّحُ
[ ١ / ٢٨٧ ]
الْمُخَصِّصِ) عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ وَإِنْ كَانَ الْمُخَصَّصُ - عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ - أَقْوَى مِنْهُ فِي الظَّنِّ (هُوَ الْوَاقِعُ كَمَا تَقَدَّمَ) فِي التَّخْصِيصِ بِالْمَفْهُومِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِلْكِتَابِ بَعْدَ تَخْصِيصِهِ بِقَطْعِيٍّ (فَبَطَلَ تَوْجِيهُ الْأَخِيرِ) أَيْ مُخْتَارِ ابْنِ الْحَاجِبِ (بِكَوْنِ الْعِلَّةِ كَذَلِكَ) أَيْ ثَابِتَةً بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ (تُوجِبُ كَوْنَ الْقِيَاسِ كَالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ) وَإِنَّمَا بَطَلَ (لِأَنَّ) الْعِلَّةَ (الْمُسْتَنْبَطَةَ دَلِيلٌ، وَوُجُوبَ الْإِعْمَالِ عَامٌّ) لِكُلِّ دَلِيلٍ فَوَجَبَ إعْمَالُ الْمُسْتَنْبَطَةِ كَالْمَنْصُوصَةِ (وَمَا قِيلَ) فِي وَجْهِ عَدَمِ إعْمَالِهَا إذَا عَارَضَتْ عَامًّا (الْمُسْتَنْبَطَةُ إمَّا رَاجِحَةٌ أَوْ مُسَاوِيَةٌ أَوْ مَرْجُوحَةٌ) بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَامِّ (فَالتَّخْصِيصُ عَلَى تَقْدِيرٍ) أَيْ رُجْحَانِهَا (وَعَدَمُهُ) أَيْ التَّخْصِيصِ (عَلَى تَقْدِيرَيْنِ) أَيْ مُسَاوَاتِهَا وَمَرْجُوحِيَّتِهَا (فَيَتَرَجَّحُ) عَدَمُ التَّخْصِيصِ بِهَا لِأَنَّ وُقُوعَ احْتِمَالٍ مِنْ اثْنَيْنِ أَقْرَبُ مِنْ وُقُوعِ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ (يُوجِبُ بُطْلَانَ الْمُخَصِّصِ مُطْلَقًا) إذْ يُقَالُ كُلُّ مُخَصِّصٍ إمَّا رَاجِحٌ عَلَى الْعَامِّ الْمُخْرَجِ مِنْهُ أَوْ مُسَاوٍ أَوْ مَرْجُوحٌ فَالتَّخْصِيصُ عَلَى تَقْدِيرٍ، وَعَدَمُهُ عَلَى تَقْدِيرَيْنِ فَيَتَرَجَّحُ عَدَمُ التَّخْصِيصِ لِمَا ذَكَرْنَا فَيَبْطُلُ التَّخْصِيصُ مِنْ أَصْلِهِ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ (بَلْ الرُّجْحَانُ) لِلْمُخَصِّصِ - عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ - (دَائِمِيٌّ بِإِعْمَالِهِمَا) أَيْ بِسَبَبِ إعْمَالِهِ وَإِعْمَالِ الْمُخَصَّصِ - عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْمَفْعُولِ - حَيْثُ أَمْكَنَ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا إذَا قُدِّرَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ كَانَ عَلَى طَرِيقِ الْإِلْزَامِ لِلْمُخَالِفِينَ إذْ يُقَالُ لَهُمْ مِثْلُ هَذَا فِي التَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ ابْتِدَاءً (وَلِمَا تَقَدَّمَ) مِنْ أَنَّ تَرَجُّحَ الْمُخَصِّصِ وَإِنْ كَانَ دُونَ الْمُخَصَّصِ فِي الظَّنِّ هُوَ الْوَاقِعُ وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ (وَلِتَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ) عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ لَهُ وَقَدْ كَانَ الْأَحْسَنُ " وَلِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ " أَوْ الِاقْتِصَارَ عَلَى أَحَدِهِمَا وَقَدْ كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ " وَلِمَا تَقَدَّمَ " فَزِيدَ وَلَوْ زِيدَ عِوَضَهُ عَلَى أَنَّ ذَاكَ يُقْلَبُ عَلَيْهِ لِيُشْرَحَ بِأَنَّ التَّخْصِيصَ كَمَا يَكُونُ عَلَى تَقْدِيرِ الرُّجْحَانِ يَكُونُ عَلَى تَقْدِيرِ الْمُسَاوَاةِ فَالتَّخْصِيصُ عَلَى تَقْدِيرَيْنِ هُمَا ذَاكَ وَعَدَمُهُ عَلَى تَقْدِيرٍ وَهُوَ الْمَرْجُوحِيَّةُ فَيَتَرَجَّحُ التَّخْصِيصُ لَعَيْنِ تِلْكَ الْعِلَّةِ لَكَانَ أَوْلَى
(الْجُبَّائِيُّ يَلْزَمُ تَقْدِيمُ الْأَضْعَفِ) أَيْ الْقِيَاسِ عَلَى الْأَقْوَى وَهُوَ الْعَامُّ (عَلَى مَا يَأْتِي) تَقْرِيرُهُ فِي مَسْأَلَةِ تَعَارُضِ الْقِيَاسِ وَالْخَبَرِ (فِي الْخَبَرِ وَيَأْتِي جَوَابُهُ) وَمَا يَفْتَحُ اللَّهُ فِي بَيَانِهِ ثَمَّةَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَبِأَنَّ ذَلِكَ) أَيْ لُزُومَ مَا ذُكِرَ مِنْ تَقْدِيمِ الْأَضْعَفِ عَلَى الْأَقْوَى إنَّمَا هُوَ (عِنْدَ إبْطَالِ أَحَدِهِمَا) الَّذِي هُوَ الْعَامُّ (وَهَذَا) أَيْ وَتَخْصِيصُ الْعَامِّ بِالْقِيَاسِ (إعْمَالُهُمَا) أَيْ الْعَامِّ وَالْقِيَاسِ لَا إبْطَالُ أَحَدِهِمَا فَانْتَفَى اللَّازِمُ الْبَاطِلُ (وَبِأَنَّهُ) أَيْ الْجُبَّائِيَّ (يُخَصِّصُ الْكِتَابَ بِالسُّنَّةِ وَبِالْمَفْهُومِ) الْمُخَالِفِ وَالسُّنَّةَ بِهِ أَيْضًا مَعَ قُصُورِهِمَا فِي الْقُوَّةِ عَنْ الْكِتَابِ وَقُصُورِ الْمَفْهُومِ عَنْهَا أَيْضًا فَمَا هُوَ جَوَابُهُ عَنْ هَذَا فَهُوَ جَوَابُنَا عَنْ ذَاكَ (وَقَالُوا) لِلْجُبَّائِيِّ أَيْضًا (أَخَّرَ مُعَاذٌ الْقِيَاسَ) عَنْ السُّنَّةِ (وَأَقَرَّهُ) النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ «أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمَّا بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ قَالَ كَيْفَ تَقْضِي إذَا عَرَضَ لَك أَمْرٌ قَالَ أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ قَالَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَالَ فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلَا آلُو قَالَ فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ» وَكُلٌّ مِنْ تَقْدِيمِ مُعَاذٍ وَتَقْرِيرِ النَّبِيِّ - ﷺ - يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ تَقْدِيمِ الْخَبَرِ عَلَى الْقِيَاسِ خَالَفَهُ أَوْ وَافَقَهُ (أُجِيبَ أَخَّرَ السُّنَّةَ أَيْضًا عَنْ الْكِتَابِ وَتَخْصِيصُهُ) أَيْ الْكِتَابِ (بِهَا) أَيْ بِالسُّنَّةِ (اتِّفَاقٌ) فَمَا هُوَ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَنْ
[ ١ / ٢٨٨ ]
تَأْخِيرِ الْقِيَاسِ عَنْ السُّنَّةِ مَعَ جَوَازِ تَخْصِيصِهَا بِهِ.
(وَأَيْضًا لَيْسَ فِيهِ) أَيْ حَدِيثِ مُعَاذٍ (مَا يَمْنَعُ الْجَمْعَ) بَيْنَ الْقِيَاسِ وَالْعَامِّ (عِنْدَ التَّعَارُضِ وَالتَّخْصِيصِ مِنْهُ) أَيْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَإِنَّمَا غَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ السُّنَّةُ بِالْقِيَاسِ وَنَحْنُ قَائِلُونَ بِهِ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ مُعَاذٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِيهِ غَرِيبٌ وَلَيْسَ إسْنَادُهُ عِنْدِي بِمُتَّصِلٍ.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ لَا يَصِحُّ، انْتَهَى. لَكِنَّ شُهْرَتَهُ وَتَلَقِّيَ الْعُلَمَاءِ لَهُ بِالْقَبُولِ لَا يُقْعِدُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ دَرَجَةِ الْحُجِّيَّةِ وَمِنْ ثَمَّةَ أَطْلَقَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ كَالبَاقِلَّانِيِّ وَأَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ عَلَيْهِ الصِّحَّةَ. قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ وَلَهُ شَاهِدٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ لَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ ثُمَّ أَسْنَدَ مِنْ طَرِيقِ الدَّارِمِيِّ ثُمَّ الْبَيْهَقِيّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ لَقَدْ أَتَى عَلَيْنَا زَمَانٌ وَمَا نُسْأَلُ وَلَسْنَا هُنَاكَ ثُمَّ بَلَّغَنَا اللَّهُ مَا تَرَوْنَ فَإِذَا سُئِلَ أَحَدُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَلْيَنْظُرْ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلْيَنْظُرْ مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلْيَجْتَهِدْ رَأْيَهُ وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ إنِّي أَخْشَى فَإِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَالْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ فَدَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك وَفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ نَحْوُ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ دُونَ مَا فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لِمَسْلَمَةَ بْنِ مَخْلَدٍ لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ الْقَضَاءِ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
(وَلَهُ) أَيْ الْجُبَّائِيِّ (أَيْضًا دَلِيلُ اعْتِبَارِ الْقِيَاسِ الْإِجْمَاعُ وَلَا إجْمَاعَ عِنْدَ مُخَالَفَتِهِ) أَيْ الْقِيَاسِ (الْعُمُومَ) لِلْخِلَافِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ فَامْتَنَعَ الْعَمَلُ بِهِ، إذْ لَا يَثْبُتُ حُكْمٌ بِلَا دَلِيلٍ (وَالْجَوَابُ إذَا ثَبَتَتْ حُجِّيَّتُهُ) أَيْ الْقِيَاسِ (بِهِ) أَيْ الْإِجْمَاعِ (ثَبَتَ حُكْمُهَا) أَيْ مُخَالَفَةِ هَذَا الْقِيَاسِ لَهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لِأَنَّهُ جُزْئِيٌّ مِنْ جُزْئِيَّاتِ الْقِيَاسِ الْكُلِّيِّ الثَّابِتِ اعْتِبَارُهُ بِالْإِجْمَاعِ (وَمِنْهُ) أَيْ حُكْمِهَا (الْجَمْعُ) بَيْنَ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ وَبَيْنَ الْعَامِّ وَالْمُعَارِضِ لَهُ (مَا أَمْكَنَ) وَقَدْ أَمْكَنَ كَمَا ذَكَرْنَا (وَلِلْمُفَصِّلِ الثَّانِي) أَيْ ابْنِ الْحَاجِبِ جَوَابٌ غَيْرُ هَذَا وَهُوَ الْعِلَّةُ (الْمُؤَثِّرَةُ) أَيْ مَا ثَبَتَ تَأْثِيرُهَا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ (وَالْمُخَصَّصُ) أَيْ الْعَامُّ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ التَّخْصِيصِ (تَرْجِعَانِ إلَى النَّصِّ) وَهُوَ مَا عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ «حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ» وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَمْ يُحْفَظْ هَذَا اللَّفْظُ وَأَنَّهُ وَرَدَ مَعْنَاهُ مَعَ أَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فَإِذَا ثَبَتَتْ الْعِلِّيَّةُ أَوْ الْحُكْمُ فِي حَقِّ وَاحِدٍ ثَبَتَ فِي حَقِّ الْجَمَاعَةِ بِهَذَا النَّصِّ وَلَزِمَ تَخْصِيصُ الْعَامِّ وَبِهِ كَانَ بِالْحَقِيقَةِ تَخْصِيصًا بِالنَّصِّ لَا بِالْقِيَاسِ (وَإِذَا تَرَجَّحَ ظَنُّ التَّخْصِيصِ) أَيْ تَخْصِيصِ الْقِيَاسِ لِلْعَامِّ فِيمَا سِوَاهُمَا (فَبِالْإِجْمَاعِ عَلَى اتِّبَاعِ الرَّاجِحِ) يَجِبُ تَخْصِيصُ الْعَامِّ بِهِ (وَهَذَا) الْجَوَابُ بِنَاءٌ (عَلَى اعْتِبَارِ رُجْحَانِ ظَنِّ الْقِيَاسِ) عَلَى الْعَامِّ (فِي تَخْصِيصِهِ) أَيْ الْقِيَاسِ لِلْعَامِّ (وَعَلِمْت انْتِفَاءَهُ) أَيْ انْتِفَاءَ اعْتِبَارِهِ حَيْثُ قُلْنَا التَّفَاوُتُ فِي الظَّنِّيَّةِ غَيْرُ مَانِعٍ (أَوْ لُزُومِهِ) أَيْ التَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ (بِلَا تِلْكَ الْقُيُودِ) مِنْ كَوْنِ الْعِلَّةِ ثَابِتَةً بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ مُرَجِّحٍ خَاصٍّ بِالْقِيَاسِ لِأَنَّهُ دَلِيلٌ وَيَجِبُ إعْمَالُ كُلِّ دَلِيلٍ مَا أَمْكَنَ (الْوَاقِفِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا) أَيْ الْعَامِّ وَالْقِيَاسِ (جِهَةُ قَطْعٍ) فَفِي الْعَامِّ بِاعْتِبَارِ الثُّبُوتِ وَفِي الْقِيَاسِ بِاعْتِبَارِ الْحُجِّيَّةِ (وَظَنٍّ) فَفِي الْعَامِّ بِاعْتِبَارِ الدَّلَالَةِ وَفِي الْقِيَاسِ بِاعْتِبَارِ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ (فَيُتَوَقَّفُ قُلْنَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مُرَجِّحٌ - وَهُوَ إعْمَالُهُمَا - وَأَمَّا تَخْصِيصُ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَتَقْيِيدُهُ) أَيْ الْقُرْآنِ (بِهِ) أَيْ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ (وَ) تَخْصِيصُ (الْكُتُبِ بِالْكِتَابِ وَالْإِجْمَاعِ فَفِي مَوَاضِعِهَا) تَأْتِي مُفَصَّلَةً مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَنَذْكُرُ فِيهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَا يُيَسِّرُهُ الْكَرِيمُ الْوَهَّابُ.
(وَأَمَّا) تَخْصِيصُ الْعَامِّ (بِالتَّقْرِيرِ) أَيْ تَقْرِيرِ النَّبِيِّ - ﷺ -
[ ١ / ٢٨٩ ]
لِمَا هُوَ مُخَالِفٌ لِلْعُمُومِ (كَعِلْمِهِ) - ﷺ - (بِفِعْلٍ مُخَالِفٍ لِلْعَامِّ وَلَمْ يُنْكِرْهُ يَكُونُ الْفَاعِلُ مُخَصَّصًا) مِنْ ذَلِكَ الْعَامِّ (فَوَاجِبٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ) وَمَنْ لَمْ يَشْرِطْ مُقَارَنَةَ الْمُخَصَّصِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ (مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فِعْلُ الْفَاعِلِ عَقِبَ ذِكْرِ الْعَامِّ فِي مَجْلِسِ ذِكْرِهِ أَوْ لَا (لِأَنَّهُ) أَيْ التَّخْصِيصَ (أَسْهَلُ مِنْ النَّسْخِ وَأَكْثَرُ وَبِشَرْطِ كَوْنِ الْعِلْمِ) بِفِعْلِ الْفَاعِلِ الْمُخَالِفِ لِلْعُمُومِ (عَقِيبَ ذِكْرِ الْعَامِّ فِي مَجْلِسِهِ وَإِلَّا) فَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِهِ (فَنَسْخٌ) لِذَلِكَ الْعُمُومِ (عِنْدَ شَارِطِي الْمُقَارَنَةِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ) لِلتَّخْصِيصِ لِتَرَاخِيهِ ثُمَّ عَلَى كَوْنِهِ مُخَصَّصًا (فَإِنْ عَلَّلَ ذَلِكَ) أَيْ تَخْصِيصَ الْفَاعِلِ مِنْ الْعَامِّ بِمَعْنًى (تَعَدَّى) ذَلِكَ التَّخْصِيصُ (إلَى غَيْرِ الْفَاعِلِ) أَيْضًا إمَّا بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ وَإِمَّا بِعُمُومٍ حُكْمِيٍّ عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِيٍّ عَلَى الْجَمَاعَةِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَسْتَوْعِبَ ذَلِكَ الْمَعْنَى جَمِيعَ أَفْرَادِ الْعَامِّ وَإِلَّا يَكُونُ نَسْخًا وَإِنْ لَمْ يُعَلِّلْ فَالْمُخْتَارُ أَنْ لَا يَتَعَدَّى حُكْمُهُ إلَى غَيْرِهِ لِتَعَذُّرِ دَلِيلِ التَّعْدِيَةِ أَمَّا بِالْقِيَاسِ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا بِحُكْمِيٍّ عَلَى الْوَاحِدِ فَلِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَا عُلِمَ فِيهِ عَدَمُ الْفَارِقِ وَهُنَا لَمْ يُعْلَمْ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الْأَحْكَامِ بِوَاسِطَةِ عُرُوضِ الْأَوْصَافِ وَالْأَعْذَارِ.
قَالَ السُّبْكِيُّ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إذَا ثَبَتَ حُكْمِيٌّ عَلَى الْوَاحِدِ لَمْ يُحْتَجْ إلَى الْعِلْمِ بِالْجَامِعِ بَلْ يَكْفِي عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْفَارِقِ، وَالْأَصْلُ بَعْدَ ثُبُوتِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْخَلْقَ فِي الشَّرْعِ شَرْعٌ فَالْمُخْتَارُ عِنْدَنَا التَّعْمِيمُ وَإِنَّمَا يَظْهَرْ الْمَعْنَى مَا لَمْ يَظْهَرْ مَا يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ ثُمَّ إنْ اسْتَوْعَبَ الْأَفْرَادَ كُلَّهَا فَهُوَ نَسْخٌ وَإِلَّا فَتَخْصِيصٌ، انْتَهَى.
(وَيَأْتِي تَمَامُهُ) فِي مَسْأَلَةٍ قَبْلَ فَصْلِ التَّعَارُضِ بِثَلَاثِ مَسَائِلَ.
(وَيُتَصَوَّرُ كَوْنُ فِعْلِ الصَّحَابِيِّ) الْمُخَالِفِ لِلْعُمُومِ (عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مُخَصِّصًا إذَا عُرِفَ عِلْمُهُ) أَيْ الصَّحَابِيِّ (بِالْعَامِّ إذْ قَالُوا) أَيْ الْحَنَفِيَّةُ وَوَافَقَهُمْ الْحَنَابِلَةُ (بِحُجِّيَّتِهِ) أَيْ فِعْلِ الصَّحَابِيِّ (حَمْلًا عَلَى عَمَلِهِ) الصَّحَابِيِّ (بِالْمُقَارِنِ) أَيْ بِالْمُخَصَّصِ الْمُقَارِنِ لِلْعَامِّ (وَهُوَ) أَيْ حَمْلُ فِعْلِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى الْعِلْمِ بِالْمُخَصَّصِ (أَسْهَلُ مِنْ حَمْلِهِمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ (مَرْوِيَّهُ) أَيْ الصَّحَابِيِّ إذَا فَعَلَ بِخِلَافِهِ (عَلَى عِلْمِهِ بِالنَّاسِخِ) لِأَنَّ التَّخْصِيصَ أَخَفُّ مِنْ النَّسْخِ فَيَتَعَيَّنُ حَيْثُ أَمْكَنَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.