(مَسْأَلَةٌ تُسْتَعَارُ) أَوْ (لِلْغَايَةِ) أَيْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَهَا غَايَةً لِمَا قَبْلَهَا وَهِيَ مَا يَنْتَهِي أَوْ يَمْتَدُّ إلَيْهِ الشَّيْءُ (قَبْلَ مُضَارِعٍ مَنْصُوبٍ وَلَيْسَ قَبْلَهَا) أَيْ أَوْ (مِثْلُهُ) أَيْ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ بَلْ فِعْلٌ مُمْتَدٌّ يَكُونُ كَالْعَامِّ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَيَقْصِدُ انْقِطَاعَهُ بِالْفِعْلِ الْوَاقِعِ بَعْدَ أَوْ (كَلَأَلْزَمَنَّكَ أَوْ تُعْطِينِي) حَقِّي إذْ الْمُرَادُ أَنَّ ثُبُوتَ الْإِلْزَامِ مُمْتَدٌّ إلَى غَايَةٍ هِيَ وَقْتُ إعْطَاءِ الْحَقِّ كَمَا لَوْ قَالَ: حَتَّى تُعْطِيَنِي حَقِّي وَمِنْ ثَمَّةَ ذَهَبَ النُّحَاةُ إلَى أَنَّ أَوْ هَذِهِ بِمَعْنَى إلَى أَنْ لِأَنَّ الْفِعْلَ الْأَوَّلَ مُمْتَدٌّ إلَى وُقُوعِ الثَّانِي أَوْ إلَّا أَنَّ لِأَنَّ الْفِعْلَ الْأَوَّلَ مُمْتَدٌّ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ إلَّا وَقْتَ وُقُوعِ الْفِعْلِ الثَّانِي فَعِنْدَهُ يَنْقَطِعُ وَمِنْ هَذَا تَظْهَرُ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ أَوْ وَالْغَايَةِ فَإِنَّ أَوْ لِأَحَدِ الْمَذْكُورَيْنِ وَتَعْيِينِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِاعْتِبَارِ الْخِيَارِ قَاطِعٌ لِاحْتِمَالِ الْآخَرِ كَمَا أَنَّ الْوُصُولَ إلَى الْغَايَةِ قَاطِعٌ لِلْفِعْلِ (وَلَيْسَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ أَوْ لِلْغَايَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨] كَمَا ذَكَرَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ تَبَعًا لِلْفَرَّاءِ حَيْثُ قَالَ: إنَّ أَوْ هُنَا بِمَعْنَى حَتَّى لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى حَقِيقَتِهِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلَى شَيْءٍ أَوْ عَلَى لَيْسَ وَالْأَوَّلُ عَطَفَ الْفِعْلَ عَلَى الِاسْمِ وَالثَّانِي عَطَفَ الْمُضَارِعَ عَلَى الْمَاضِي وَهُوَ لَيْسَ بِحَسَنٍ لِاخْتِلَافِهِمَا حَدًّا وَحُكْمًا فَسَقَطَتْ حَقِيقَتُهُ وَاسْتُعِيرَ لِمَا يَحْتَمِلُهُ وَهُوَ الْغَايَةُ لِمَا ذَكَرْنَا أَيْ لَيْسَ
[ ٢ / ٥٦ ]
لَك مِنْ الْأَمْرِ فِي عَذَابِهِمْ أَوْ اسْتِصْلَاحِهِمْ شَيْءٌ حَتَّى تَقَعَ تَوْبَتُهُمْ أَوْ تَعْذِيبُهُمْ (بَلْ عَطَفَ عَلَى يَكْبِتَهُمْ) كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْبَيْضَاوِيُّ وَالنَّسَفِيُّ أَوْ يَقْطَعُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَبُو الْبَقَاءِ وَكَلَامُ صَاحِبِ الْكَشَّافِ يَحْتَمِلُ كُلًّا مِنْهُمَا فَإِنَّهُ قَالَ: أَوْ يَتُوبَ عَطْفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ فَلَا جَرَمَ أَنْ قَالَ الْمُحَقِّقُ التَّفْتَازَانِيُّ عَطْفٌ عَلَى لِيَقْطَعَ أَوْ لِيَكْبِتَ ثُمَّ قَالَ: وَوَجْهُ سَبَبِيَّةِ النَّصْرِ عَلَى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِ اللَّامِ بِقَوْلِهِ ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] ظَاهِرٌ
وَأَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهَا بِقَوْلِهِ ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣] فَلِأَنَّ النَّصْرَ الْوَاقِعَ بِبَدْرٍ كَانَ مِنْ أَظْهَرِ الْآيَاتِ وَأَبْهَرِ الْبَيِّنَاتِ فَيَصْلُحُ سَبَبًا لِلتَّوْبَةِ عَلَى تَقْدِيرِ الْإِسْلَامِ أَوْ لِتَعْذِيبِهِمْ عَلَى تَقْدِيرِ الْبَقَاءِ عَلَى الْكُفْرِ لِجُحُودِهِمْ بِالْآيَاتِ وَإِنْ أُرِيدَ التَّعْذِيبُ فِي الدُّنْيَا بِالْأَسْرِ فَالْأَمْرُ ظَاهِرٌ فَإِنْ قِيلَ: هُوَ يَصْلُحُ سَبَبًا لِتَوْبَتِهِمْ وَالْكَلَامُ فِي التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ قُلْنَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِإِسْلَامِهِمْ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ لِلتَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ فَيَكُونُ سَبَبًا لَهَا بِالْوَاسِطَةِ وَاسْتَشْكَلَ الْفَاضِلُ عَلَاءُ الدِّينِ الْبَهْلَوَانُ سَبَبِيَّةَ النَّصْرِ لِلتَّعْذِيبِ بِأَنَّ مَوْتَهُمْ عَلَى الْكُفْرِ سَبَبٌ لِتَعْذِيبِهِمْ لَا النَّصْرِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ النَّصْرَ سَبَبٌ لِكَوْنِهِمْ مَقْتُولِينَ عَلَى الْكُفْرِ، وَهُوَ سَبَبٌ لِلتَّعْذِيبِ قَالُوا: وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ مَالِكُ أَمْرِهِمْ فَإِمَّا أَنْ يُهْلِكَهُمْ أَوْ يَهْزِمَهُمْ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنْ أَسْلَمُوا أَوْ يُعَذِّبَهُمْ إنْ أَصَرُّوا عَلَى الْكُفْرِ وَلَيْسَ لَك مِنْ أَمْرِهِمْ شَيْءٌ إنَّمَا أَنْتَ عَبْدٌ مَبْعُوثٌ لِإِنْذَارِهِمْ وَمُجَاهِدَتِهِمْ (وَلَيْسَ وَمَعْمُولَاهَا) وَهُمَا لَك شَيْءٌ مَعَ الْحَالِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ مِنْ الْأَمْرِ مَا نَصَّ عَلَيْهِ أَبُو الْبَقَاءِ (اعْتِرَاضٌ) بَيْنَ الْمَعْطُوفِ الَّذِي هُوَ التَّوْبَةُ وَالتَّعْذِيبُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْآجِلِ وَالْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ الْقَطْعُ وَالْكَبْتُ وَهُوَ شِدَّةُ الْغَيْظِ أَوْ وَهْنٌ يَقَعُ فِي الْقَلْبِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْعَاجِلِ فَمِنْ ثَمَّةَ قِيلَ مَا أَحْسَنُهُ وَإِنَّمَا لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ أَمْثِلَةٍ أَوْ بِمَعْنَى حَتَّى أَوْ إلَى (لِمَا فِي ذَلِكَ) أَيْ جَعْلِهَا لِلْغَايَةِ (مِنْ التَّكَلُّفِ مَعَ إمْكَانِ الْعَطْفِ) إمَّا عَلَى يَقْطَعُ أَوْ يَكْبِتُ كَمَا ذَكَرْنَا وَإِمَّا عَلَى الْأَمْرِ أَوْ شَيْءٍ بِإِضْمَارِ أَنْ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ مُبَالَغَةً فِي نَفْيِ الْخَاصِّ أَيْ لَيْسَ لَك مِنْ أَمْرِهِمْ أَوْ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ أَوْ مِنْ تَعْذِيبِهِمْ شَيْءٌ أَوْ لَيْسَ لَك مِنْ أَمْرِهِمْ شَيْءٌ أَوْ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ أَوْ تَعْذِيبِهِمْ كَمَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ ثُمَّ الْبَيْضَاوِيُّ وَلَمْ يَتَعَقَّبَاهُ وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ عَطْفَ يَتُوبَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ عَطْفِ الِاسْمِ فِي الْمَعْنَى عَلَى الِاسْمِ نَعَمْ تَعَقَّبَهُ التَّفْتَازَانِيُّ بِلَكِنَّ فِي مِثْلِ هَذَا الْعَطْفِ بِكَلِمَةٍ أَوْ نَظَرٍ اهـ وَبَيَّنَهُ الْبَهْلَوَانُ بِأَنَّ عَطْفَ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ بِأَوْ عَزِيزٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] وَأَنَّ كَوْنَ الضَّمِيرِ فِي يَتُوبَ اللَّهُ لَا يُسَاعِدُ الْمَعْنَى الْمَذْكُورَ
وَالْعَبْدُ الضَّعِيفُ غَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ يَقُولُ: وَأَنْتَ إذَا تَأَمَّلْت هَذِهِ الْجُمْلَةَ رَأَيْت أَنَّ الْعَطْفَ لَا يَخْلُو مِنْ شَائِبَةٍ وَأَنَّ التَّكَلُّفَ فِيهِ لَا فِي كَوْنِهَا بِمَعْنَى حَتَّى أَوْ إلَّا أَنَّ كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَعَزَاهُ بَعْضُهُمْ إلَى سِيبَوَيْهِ وَالْمَعْنَى لَيْسَ لَك مِنْ أَمْرِهِمْ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ فَتَفْرَحُ بِحَالِهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَتَتَشَفَّى مِنْهُمْ وَأَنَّ ارْتِكَابَ مَجَازِيَّتِهِ عَنْ حَتَّى وَلَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ الْكُوفِيِّينَ إنَّ حَتَّى هِيَ النَّاصِبَةُ أَوْلَى مِنْ الْعَطْفِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ