(مَسْأَلَةُ الْحَنَفِيَّةِ) (شَرْطُ إخْرَاجِهِ) أَيْ الْمُسْتَثْنَى مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ (كَوْنُهُ) أَيْ الْمُسْتَثْنَى بَعْضًا (مِنْ الْمُوجَبِ) أَيْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ (قَصْدًا لَا ضِمْنًا) أَيْ لَا تَبَعًا لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَصَرُّفٌ لَفْظِيٌّ فَيَقْتَصِرُ عَمَلُهُ عَلَى مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ (فَلِذَا) الشَّرْطِ (أَبْطَلَ أَبُو يُوسُفَ اسْتِثْنَاءَ الْإِقْرَارِ مِنْ الْخُصُومَةِ فِي التَّوْكِيلِ بِهَا) أَيْ بِالْخُصُومَةِ (لِأَنَّ ثُبُوتَهُ) أَيْ الْإِقْرَارِ لِلْوَكِيلِ (بِتَضَمُّنِ الْوَكَالَةِ إقَامَتَهُ) أَيْ الْمُوَكِّلِ الْوَكِيلَ (مَقَامَ نَفْسِهِ) لَا بِوَاسِطَةِ أَنَّ الْإِقْرَارَ يَدْخُلُ فِي الْخُصُومَةِ قَصْدًا حَتَّى يَصِحَّ إخْرَاجُهُ مِنْهَا، وَلِهَذَا قَالَ: لَا يَخْتَصُّ إقْرَارُهُ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ كَمَا لَا يَخْتَصُّ إقْرَارُ الْمُوَكِّلِ بِهِ (إذْ الْخُصُومَةُ لَا تَنْتَظِمُهُ) أَيْ الْإِقْرَارَ لِأَنَّهُ مُسَالَمَةٌ وَمُوَافَقَةٌ، وَالْخُصُومَةُ مُنَازَعَةٌ وَإِنْكَارٌ فَلَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ (وَإِنَّمَا أَجَازَهُ) أَيْ اسْتِثْنَاءَ الْإِقْرَارِ مِنْهَا (مُحَمَّدٌ) لِوَجْهَيْنِ:
الْوَجْهُ الْأَوَّلُ (لِاعْتِبَارِهَا) أَيْ الْخُصُومَةِ (مَجَازًا فِي الْجَوَابِ) مُطْلَقًا لِأَنَّ حَقِيقَةَ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ مَهْجُورَةٌ شَرْعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنَازَعُوا﴾ [الأنفال: ٤٦] فَيُصَارُ إلَى الْمَجَازِ صَوْنًا لِكَلَامِ الْعَاقِلِ عَنْ الْإِلْغَاءِ، وَمُطْلَقُ الْجَوَابِ يَصْلُحُ جَوَابًا لِأَنَّ الْخُصُومَةَ سَبَبٌ لِلْجَوَابِ، وَإِطْلَاقُ السَّبَبِ وَإِرَادَةُ الْمُسَبَّبِ طَرِيقٌ مِنْ طُرُقِ الْمَجَازِ (فَكَانَ) الْإِقْرَارُ (مِنْ أَفْرَادِهِ) أَيْ مُطْلَقِ الْجَوَابِ، قَالُوا: وَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَى هَذَا يَكُونُ بَيَانَ تَغْيِيرٍ فَيَصِحُّ مَوْصُولًا لَا مَفْصُولًا، وَعَلَى هَذَا مَا فِي التُّحْفَةِ وَالْبَدَائِعِ، وَكَّلَ بِالْخُصُومَةِ مُطْلَقًا ثُمَّ اسْتَثْنَى الْإِقْرَارَ فِي كَلَامٍ مُنْفَصِلٍ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَصِحُّ، وَأَمَّا مَا فِيهِمَا أَيْضًا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَصِحُّ، فَظَاهِرُهُ مُشْكِلٌ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ مَوْصُولًا فَكَيْفَ يَصِحُّ مَفْصُولًا، ثُمَّ جَوَازُهُ مَوْصُولًا اخْتِيَارُ الْخَصَّافِ كَمَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَلَى مَا فِي الذَّخِيرَةِ وَالتَّتِمَّةِ وَفِيهِمَا وَفِي غَيْرِهِمَا أَيْضًا وَعَنْ مُحَمَّدٍ يَصِحُّ مِنْ الطَّالِبِ لِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ لَا مِنْ الْمَطْلُوبِ لِأَنَّهُ مَجْبُورٌ عَلَيْهِ
وَفِي الْمَنْبَعِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ بَيْنَ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ لِأَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْإِقْرَارِ فِي عَقْدِ التَّوْكِيلِ إنَّمَا جَازَ لِحَاجَةِ الْمُوَكِّلِ إلَيْهِ لِأَنَّ الْوَكِيلَ بِالْخُصُومَةِ يَمْلِكُ الْإِقْرَارَ عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ، فَلَوْ أَطْلَقَ التَّوْكِيلَ مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ لَتَضَرَّرَ بِهِ الْمُوَكِّلُ وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجِبُ الْفَصْلَ بَيْنَ التَّوْكِيلِ مِنْ الطَّالِبِ وَبَيْنَهُ مِنْ الْمَطْلُوبِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُحْتَاجٌ إلَى التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ اسْتِثْنَاءَ الْإِقْرَارِ عَمَلٌ بِحَقِيقَةِ اللُّغَةِ فَيَكُونُ اسْتِثْنَاؤُهُ تَقْرِيرًا لِمُوجَبِ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ فَهُوَ بِالْحَقِيقَةِ بَيَانُ تَقْرِيرٍ لَا اسْتِثْنَاءٍ عَلَى هَذَا يَصِحُّ مَوْصُولًا
[ ١ / ٢٦٨ ]
وَمَفْصُولًا (وَعَلَى هَذَا) الِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ لِمُحَمَّدٍ (صَحَّ اسْتِثْنَاءُ الْإِنْكَارِ عِنْدَهُ) أَيْ مُحَمَّدٍ أَيْضًا مِنْ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ لِشُمُولِ مَعْنَاهَا الْمَجَازِيِّ لَهُ وَهَلْ يُشْتَرَطُ اتِّصَالُهُ؟
لَمْ أَرَهُ، وَالظَّاهِرُ نَعَمْ لِأَنَّهُ مُغَيِّرٌ وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي لَا يَصِحُّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ لِمَا سَنَذْكُرُ (وَبَطَلَ) اسْتِثْنَاؤُهُ (عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ) أَيْ اسْتِثْنَاءَهُ (مُسْتَغْرَقٌ) إمَّا لِأَنَّهُ حَقِيقَةُ مَعْنَى الْخُصُومَةِ وَهَذَا مَا وَعَدَنَا بِهِ، وَمِنْ هُنَا قِيلَ: لَا يَصِحُّ عِنْدَ الْكُلِّ، وَإِمَّا لِأَنَّ الْإِقْرَارَ يَثْبُتُ عِنْدَهُ تَبَعًا لِلْإِنْكَارِ فَإِذَا اسْتَثْنَى الْإِنْكَارَ لَزِمَ اسْتِثْنَاءُ الْإِقْرَارِ أَيْضًا بِخِلَافِهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَمِنْ هُنَا يُعْرَفُ أَنَّ كَوْنَ اسْتِثْنَاءِ الْإِنْكَارِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْأَصَحِّ كَمَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَصَحَّ هُوَ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ، ثُمَّ أَقُولُ وَعَلَى هَذَا الْقَائِلِ أَنْ يَقُولَ: يُشْكِلُ بِهَذَا مَا فِي مَبْسُوطِ خُوَاهَرْ زَادَهْ وَالذَّخِيرَةِ: قَالَ وَكَّلْتُك بِالْخُصُومَةِ غَيْرُ جَائِزِ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ، لَا رِوَايَةَ فِي هَذَا عَنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ انْتَهَى.
فَإِنَّ الرِّوَايَةَ بِبُطْلَانِ اسْتِثْنَاءِ الْإِنْكَارِ فَقَطْ رِوَايَةٌ بِبُطْلَانِهِ مَعَ الْإِقْرَارِ دَلَالَةً، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ فِيهِ بِعَيْنِهِ خُصُوصًا ثُمَّ فِيهِمَا، وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِيهِ فَبَعْضُهُمْ لَا: يَصِحُّ التَّوْكِيلُ أَصْلًا؛ لِأَنَّ التَّوْكِيلَ بِالْخُصُومَةِ تَوْكِيلٌ بِجَوَابِهَا، وَجَوَابَهَا إقْرَارٌ وَإِنْكَارٌ فَإِذَا اسْتَثْنَى كِلَيْهِمَا لَمْ يُفَوِّضْ إلَيْهِ شَيْئًا، وَبَعْضُهُمْ وَمِنْهُمْ الْقَاضِي صَاعِدٌ: يَصِحُّ التَّوْكِيلُ وَيَصِيرُ الْوَكِيلُ وَكِيلًا بِالسُّكُوتِ مَتَى حَضَرَ مَجْلِسَ الْحُكْمِ يُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا صَحَّ التَّوْكِيلُ بِهَذَا الْقَدْرِ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ مَا هُوَ مَقْصُودُ الطَّالِبِ وَهُوَ خَصْمٌ تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ السُّكُوتَ مِنْ الْخَصْمِ كَافٍ لِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ كَالْإِنْكَارِ، وَلِلْمَطْلُوبِ نَوْعُ فَائِدَةٍ أَيْضًا كَمَا فِيمَا لَوْ ادَّعَى الطَّالِبُ الْبَيْعَ - وَالْمَطْلُوبُ يُنْكِرُهُ فَإِنَّ الطَّالِبَ إذَا أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى الْبَيْعِ إذَا سَكَتَ وَكِيلُ الْمَطْلُوبِ ثُمَّ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي عَلَى الْمَطْلُوبِ بِالْبَيْعِ أَقَرَّ الْمَطْلُوبُ بِالْبَيْعِ وَأَرَادَ أَنْ يَرُدَّ الْمَبِيعَ عَلَى الْبَائِعِ بِالْعَيْبِ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَنْكَرَ الْوَكِيلُ نَصًّا فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِيرُ مُنَاقِضًا فِي دَعْوَاهُ الْبَيْعَ، فَإِنَّ إنْكَارَ الْوَكِيلِ كَإِنْكَارِهِ فَعَلَى هَذَا فَالْقَائِلُونَ بِصِحَّةِ الْوَكَالَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ قَائِلُونَ بِصِحَّتِهَا فِي صُورَةِ انْفِرَادِ اسْتِثْنَاءِ الْإِنْكَارِ مِنْ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ بِطَرِيقٍ أَوْلَى وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.