(مَسْأَلَةُ صِيغَةِ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ) السَّالِمِ وَإِنَّمَا لَمْ يُقَيَّدْ بِهِ كَغَيْرِهِ مَعَ كَوْنِهِ الْمُرَادَ؛ لِأَنَّهُ اُخْتُصَّ فِي الْعُرْفِ بِهِ مِنْ إطْلَاقِهِ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا لُغَةً عَلَى نَحْوِ: قَوْمٌ قِيَامٌ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: الصِّيغَةُ الَّتِي يَصِحُّ إطْلَاقُهَا عَلَى الذُّكُورِ خَاصَّةً الْمَوْضُوعَةُ بِحَسَبِ الْمَادَّةِ لَهُمْ وَلِلْإِنَاثِ كَمَا سَنُنَبِّهُك عَلَيْهِ (وَنَحْوُ الْوَاوِ فِي فَعَلُوا) وَيَفْعَلُونَ وَافْعَلُوا (هَلْ يَشْمَلُ النِّسَاءَ وَضْعًا نَفَاهُ الْأَكْثَرُ إلَّا فِي تَغْلِيبٍ) وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ (خِلَافًا لِلْحَنَابِلَةِ) وَالِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ صِيغَةَ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ الْمَوْضُوعَةَ بِحَسَبِ الْمَادَّةِ لِلذُّكُورِ خَاصَّةً كَالرِّجَالِ لَا تَتَنَاوَلُ النِّسَاءَ، وَجَمْعُ الْمُؤَنَّثِ لَا يَتَنَاوَلُ الْمُذَكَّرَ كَالْإِنَاثِ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَأَنَّ الصِّيغَةَ الْمَوْضُوعَةَ لِمَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ الذُّكُورِ كَالنَّاسِ تَتَنَاوَلُهُمَا. (لِلْأَكْثَرِ ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] إذْ لَوْ كَانَ مَدْلُولُ الْمُسْلِمَاتِ دَاخِلًا فِي مَدْلُولِ الْمُسْلِمِينَ لَمَا حَسُنَ هَذَا؛ لِأَنَّهُ تَكْرَارٌ بِلَا فَائِدَةٍ فَإِنْ قِيلَ: بَلْ لَهُ فَائِدَةٌ وَهِيَ التَّنْصِيصُ وَالتَّأْكِيدُ؛ كَعَطْفِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى عَلَى الصَّلَوَاتِ، قُلْنَا: يُعَارِضُهَا فَائِدَةُ الِابْتِدَاءِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ أَعْنِي التَّأْسِيسَ ثُمَّ تَقَدَّمَ عَلَى فَائِدَةِ التَّكْرَارِ كَمَا قَالَ:
(وَفَائِدَةُ الِابْتِدَاءِ أَوْلَى مِنْ النُّصُوصِيَّةِ بَعْدَ التَّنَاوُلِ ظَاهِرًا)؛ إذْ الْإِفَادَةُ خَيْرٌ مِنْ الْإِعَادَةِ، وَلَا يُقَالُ: الْإِفَادَةُ بِطَرِيقِ النُّصُوصِيَّةِ دُونَ الظُّهُورِ تَأْسِيسٌ لَا تَأْكِيدٌ لِأَنَّا نَقُولُ: لَيْسَ هَذَا إلَّا تَقْوِيَةً لِمَدْلُولِ الْأَوَّلِ تَدْفَعُ تَوَهُّمَ التَّجَوُّزِ وَعَدَمِ الشُّمُولِ وَهُوَ مَعْنَى التَّأْكِيدِ (وَسَبَبُهُ) أَيْ وَلِلْأَكْثَرِ أَيْضًا سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ (وَهُوَ «قَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ النِّسَاءَ قُلْنَ مَا نَرَى اللَّهَ ذَكَرَ إلَّا
[ ١ / ٢١٠ ]
الرِّجَالَ» فَأُنْزِلَتْ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ أُمِّ سَلَمَةَ وَمِنْ طَرِيقِ أُمِّ عِمَارَةَ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ) إلَّا أَنَّ ظَاهِرَ هَذَا أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مِنْ هَاتَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ وَأَنَّ التِّرْمِذِيَّ حَسَّنَهُ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الَّذِي فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قُلْت لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: مَا لَنَا لَا نُذْكَرُ فِي الْقُرْآنِ كَمَا يُذْكَرُ الرِّجَالُ قَالَتْ فَلَمْ يَرُعْنِي مِنْهُ ذَاتَ يَوْمٍ إلَّا وَنِدَاؤُهُ عَلَى الْمِنْبَرِ أَيُّهَا النَّاسُ قَالَتْ: وَأَنَا أُسَرِّحُ رَأْسِي فَلَفَفْت شَعْرِي ثُمَّ دَنَوْت مِنْ الْبَابِ فَجَعَلْت سَمْعِي عِنْدَ الْجَرِيدِ فَسَمِعْته يَقُولُ إنَّ اللَّهَ - ﷿ - يَقُولُ ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]» هَذِهِ الْآيَةَ بَلْ قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ جَاءَ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ لَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَوَّلَهُ هَكَذَا انْتَهَى وَلَا ذِكْرَ لَهُ مِنْ طَرِيقِ أُمِّ عُمَارَةَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ نَعَمْ هُوَ فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِهَا بِلَفْظِ «أَنَّهَا أَتَتْ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَتْ مَا أَرَى كُلَّ شَيْءٍ إلَّا لِلرِّجَالِ، وَمَا أَرَى النِّسَاءَ يُذْكَرْنَ بِشَيْءٍ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]» الْآيَةَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَقَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ لَكِنْ اُخْتُلِفَ فِي وَصْلِهِ وَإِرْسَالِهِ رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ حُصَيْنٍ مُرْسَلًا، وَهُوَ أَحْفَظُ مِنْ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ يَعْنِي الرَّاوِيَ لَهُ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ عِكْرِمَةَ مَرْفُوعًا وَذَكَرَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ سَأَلَتْ أَيْضًا عَنْ ذَلِكَ نَحْوَ سُؤَالِ أُمِّ عُمَارَةَ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَا ضَيْرَ فَإِنَّ الْحَاصِلَ أَنَّهُنَّ نَفَيْنَ ذِكْرَهُنَّ مُطْلَقًا (فَقَرَّرَ) النَّبِيُّ - ﷺ - (النَّفْيَ) وَلَوْ كُنَّ دَاخِلَاتٍ لَمْ يُصَدِّقْ نَفْيَهُنَّ وَلَمْ يُقْرِرْهُنَّ عَلَيْهِ بَلْ مَنَعَهُنَّ مِنْهُ (وَهُنَّ أَيْضًا مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ) نَعَمْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ «دَخَلَ نِسَاءٌ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقُلْنَ قَدْ ذَكَرَكُنَّ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ وَلَمْ نُذْكَرْ بِشَيْءٍ أَمَا فِينَا مَا يُذْكَرُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]» الْآيَةَ وَرَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ عَنْهُ نَحْوَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا تَقَدَّمَ رَاجِحًا عَلَيْهِ وَإِلَّا فَهُوَ مُعَكِّرٌ لِلْمَطْلُوبِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
(قَالُوا) أَيْ الْحَنَابِلَةُ (صَحَّ) إطْلَاقَهُ (لِلْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ) ك: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٣٨] خِطَابًا لِآدَمَ وَحَوَّاءَ وَإِبْلِيسَ (كَمَا لِلْمُذَكَّرِ فَقَطْ، وَالْأَصْلُ) فِي الْإِطْلَاقِ (الْحَقِيقَةُ أُجِيبَ يَلْزَمُ الِاشْتِرَاكُ) اللَّفْظِيُّ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ (وَالْمَجَازُ خَيْرٌ) مِنْهُ قَالَ الْكَرْمَانِيُّ وَلِلْخَصْمِ أَنْ يَمْنَعَ أَنَّهُ لِلرِّجَالِ وَحْدَهُمْ حَقِيقَةً بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ مِنْ أَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْكُلِّ (وَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ)، وَهُوَ ابْنُ الْحَاجِبِ (مَنْ يُورِدُ دَلِيلَهُمْ) أَيْ الْحَنَابِلَةِ (هَكَذَا الْمَعْرُوفُ) مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ (تَغْلِيبُ الذُّكُورِ) عَلَى الْإِنَاثِ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا بِاتِّفَاقٍ، وَهَذَا إنَّمَا يُتَصَوَّرُ بِدُخُولِ النِّسَاءِ فِيهِ (وَيُجِيبُ بِكَوْنِهِ إذًا مَجَازًا وَأَنَّهُ خَيْرٌ إلَى آخِرِهِ وَهُوَ) أَيْ إيرَادُ دَلِيلِهِمْ هَكَذَا (بَعِيدٌ) مِنْهُمْ (إذْ اعْتِرَافُهُمْ بِالتَّغْلِيبِ اعْتِرَافٌ بِالْمَجَازِ) لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْهُ (وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ) مِنْ إيرَادِ دَلِيلِهِمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَمِنْ إيرَادِهِ عَلَى مَا قَالَهُ هَذَا الْمُحَقِّقُ (فَالِانْفِصَالُ) عَنْ دَلِيلِهِمْ (بِكَوْنِ الْمَجَازِ خَيْرًا إنَّمَا هُوَ فِي اللَّفْظِيِّ وَيُمْكِنُ ادِّعَاؤُهُمْ الْمَعْنَوِيَّ أَيْ هُوَ) أَيْ جَمْعُ الْمُذَكَّرِ (لِلْأَحَدِ الدَّائِرِ فِي عُقَلَاءِ الْمُذَكَّرِينَ مُنْفَرِدِينَ أَوْ مَعَ الْإِنَاثِ فَلَا يَتِمُّ) الِانْفِصَالُ الْمَذْكُورُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَوِيَّ خَيْرٌ مِنْ الْمَجَازِ
(وَيَدُلُّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى أَنَّ الصِّيغَةَ لِلْمُشْتَرَكِ الْمَعْنَوِيِّ (شُمُولُ الْأَحْكَامِ الْمُعَلَّقَةِ بِالصِّيغَةِ) لَهُنَّ أَيْضًا كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ الثَّابِتِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٨٣] وَقَوْلِهِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] (فَإِنْ قِيلَ) شُمُولُهَا لَهُنَّ (بِخَارِجٍ) كَالْحَدِيثِ الْحَسَنِ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ «إنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ» وَالْإِجْمَاعُ (مَنَعَ)
[ ١ / ٢١١ ]
كَوْنَ شُمُولِهَا لَهُنَّ بِخَارِجٍ؛ إذْ لَا مُعَيِّنَ لِذَلِكَ (فَإِنْ اُسْتُدِلَّ بِعَدَمِ دُخُولِهِنَّ فِي الْجِهَادِ وَالْجُمُعَةِ وَغَيْرِهِمَا) كَحِلِّ الِاسْتِمْتَاعِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فِي نَحْوِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] (لِعَدَمِهِ) أَيْ دُخُولِهِنَّ فِي أَحْكَامٍ أُخَرَ حَتَّى إنَّهُ يَحْتَاجُ ثُبُوتُ وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَنَحْوِهَا فِي حَقِّهِنَّ إلَى دَلِيلٍ غَيْرِ الصِّيَغِ الْمَذْكُورَةِ (فَقَدْ يُقَالُ بَلْ ذَلِكَ) أَيْ عَدَمُ دُخُولِهِنَّ فِيمَا لَمْ يَدْخُلْنَ فِيهِ مِنْ أَحْكَامِ الصِّيَغِ الْمَذْكُورَةِ (بِخَارِجٍ) عَنْهَا.
(وَهُوَ) أَيْ عَدَمُ دُخُولِهِنَّ فِيمَا لَمْ يَدْخُلْنَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ بِخَارِجٍ (أَوْلَى مِنْ دُخُولِهِنَّ) فِيمَا دَخَلْنَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ (بِهِ) أَيْ بِخَارِجٍ (لِأَنَّهُ) أَيْ عَدَمَ دُخُولِهِنَّ الْمَذْكُورِ (أَقَلُّ) مِنْ دُخُولِهِنَّ الْمَذْكُورِ (وَإِسْنَادُ الْأَقَلِّ إلَى الْخَارِجِ أَوْلَى) مِنْ إسْنَادِ الْأَكْثَرِ إلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْلِيلِ خِلَافِ الظَّاهِرِ (خُصُوصًا بَعْدَ تَرْجِيحِ الْمَعْنَوِيِّ) عَلَى اللَّفْظِيِّ وَالْمَجَازِ. ثُمَّ الْخَارِجُ الْمُخْرِجُ لَهُنَّ مِنْ الْجِهَادِ وَالْجُمُعَةِ وَحِلِّ الِاسْتِمْتَاعِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ الْإِجْمَاعُ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ - «الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إلَّا أَرْبَعَةً: مَمْلُوكٌ أَوْ امْرَأَةٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ مَرِيضٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. .
وَقَالَ النَّوَوِيُّ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «عَنْ عَائِشَةَ اسْتَأْذَنْت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فِي الْجِهَادِ فَقَالَ جِهَادُكُنَّ الْحَجُّ» وَمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ عَنْهَا «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ قَالَ نَعَمْ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ (وَلَا حَاجَةَ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ كَوْنِ جَمْعِ الْوَاحِدِ الْمَعْنَوِيَّ (إلَى الِاسْتِدْلَالِ) لِدُخُولِهِنَّ حَقِيقَةً (بِالْإِيصَاءِ لِنِسَاءٍ وَرِجَالٍ) بِشَيْءٍ (ثُمَّ قَوْلِهِ أَوْصَيْت لَهُمْ) بِكَذَا حَيْثُ يَدْخُلُ النِّسَاءُ فِي لَهُمْ ثُمَّ يُدْفَعُ بِأَنَّ تَقَدُّمَ الْجَمْعَيْنِ الْخَاصَّيْنِ قَرِينَةُ إرَادَةِ الْكُلِّ مَجَازًا كَمَا ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَوِيِّ مَعَ أَنَّهُ أَقْوَى (وَحِينَئِذٍ) أَيْ وَحِينَ تَرَجَّحَ قَوْلُ الْحَنَابِلَةِ (فَقَوْلُهَا) أَيْ أُمِّ سَلَمَةَ نَقْلًا عَنْهُنَّ بِنَاءً عَلَى اللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مَا مَعْنَاهُ (مَا نَرَى اللَّهَ ذَكَرَهُنَّ) فَإِنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِهِنَّ مَا ذَكَرَ إلَّا الرِّجَالَ (أَيْ) مَا ذَكَرَهُنَّ (بِاسْتِقْلَالٍ) وَقَوْلُهَا نَفْسِهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا مَا لَنَا لَا نُذْكَرُ أَيْ مُسْتَقِلَّاتٍ، وَقَوْلُ أُمِّ عُمَارَةَ وَمَا أَرَى النِّسَاءَ يُذْكَرْنَ بِشَيْءٍ أَيْ مُسْتَقِلَّاتٍ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ (وَلَا يَخْفَى عَدَمُ تَحَقُّقِ الْخِلَافِ فِي نَحْوِ: زَيْدُونَ) لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ بِحَسَبِ الْمَادَّةِ لِلذُّكُورِ خَاصَّةً.
وَهَذَا مَا تَقَدَّمَ الْوَعْدُ بِالتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ (إلَّا بِفَرْضِ امْرَأَةٍ مُسَمَّاةٍ بِزَيْدٍ) فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ لِعَدَمِ اخْتِصَاصِهِ بِحَسَبِ الْمَادَّةِ بِالذُّكُورِ (وَأَمَّا أَسْمَاءُ الْأَجْنَاسِ كَ: مُسْلِمُونَ فَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ) لِلْأَكْثَرِ (لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ جَمْعُ الْمُذَكَّرِ وَالْجَمْعُ لِتَضْعِيفِ الْوَاحِدِ وَهُوَ مُسْلِمٌ) وَمُسْلِمٌ غَيْرُ مُسْلِمَةٍ (وَلَهُمْ) أَيْ الْحَنَابِلَةِ (دَفْعُهُ) أَيْ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ (بِأَنَّ الْجَمْعَ لِلتَّضْعِيفِ) لِلْوَاحِدِ (لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي كَوْنِهِ) أَيْ الْوَاحِدِ الْمُضَعَّفِ (الْوَاحِدَ الْمُذَكَّرَ لَيْسَ غَيْرُ) أَوْ وَالْمُؤَنَّثَ أَيْضًا (وَتَسْمِيَتُهُ) أَيْ هَذَا الْجَمْعِ (بِجَمْعِ الْمُذَكَّرِ اصْطِلَاحٌ) لِأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ لَا لِلْعَرَبِ فَلَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ.
(فَإِنْ قِيلَ): لَوْ كَانَ مُسْلِمُونَ جَمْعًا لِمُسْلِمَةٍ أَيْضًا لَزِمَ أَنْ لَا يَصِحَّ فِيهِ الْوَاحِدُ فَلَمْ يَكُنْ جَمْعَ تَصْحِيحٍ ثُمَّ يُقَالُ اسْتِبْعَادًا (فَأَيْنَ تَذْهَبُ التَّاءُ فِي مُسْلِمَةٍ الَّتِي هِيَ مِنْ آحَادِهِ قِيلَ مَذْهَبُهَا فِي صَوَاحِبَ أَوْ طَلَحُونَ عَلَى رَأْيِ أَئِمَّةِ الْكُوفَةِ) وَابْنِ كَيْسَانَ إلَّا أَنَّهُ فَتَحَ اللَّامَ فِي طَلَحُونَ قِيَاسًا عَلَى أَرَضُونَ، وَإِنْ مَنَعَهُ الْبَصْرِيُّونَ، وَقَالُوا: إنَّمَا يُجْمَعُ عَلَى طَلْحَاتٍ كَمَا هُوَ الْمَسْمُوعُ وَالْحَرْفُ أَنَّ الْخُلُوَّ مِنْ تَاءِ التَّأْنِيثِ الْمُغَايِرَةِ لِمَا فِي عِدَةٍ وَثُبَةٍ عَلَمَيْنِ شَرْطٌ لِهَذَا الْجَمْعِ فَقَالَ
[ ١ / ٢١٢ ]
الْبَصْرِيُّونَ: نَعَمْ وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ لَا ثُمَّ قَدْ عَرَفْت مِنْ هَذَا أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهَا ذَهَبَتْ مَذْهَبَهَا فِي طَلَحُونَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا جَمْعُ تَصْحِيحٍ بِخِلَافِ صَوَاحِبَ.
(وَالْوَجْهُ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِتَسْمِيَةِ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ مِنْ كُلِّ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ اسْتِدْلَالٌ بِإِجْمَاعِهِمْ) عَلَى ذَلِكَ فَتَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ (وَإِلَّا لَقَالُوا: جَمْعُ الْمُخْتَلِطِ) لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ كَذَلِكَ (وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّغْلِيبِ فِي التَّسْمِيَةِ بَلْ) كَانَ (يَجِبُ) أَنْ يَقُولُوا: جَمْعُ الْمُخْتَلِطِ (دَفْعًا لِمُوهِمٍ فَحَيْثُ قَالُوهُ) أَيْ جَمْعَ الْمُذَكَّرِ (كَانَ) هَذَا الْجَمْعُ (ظَاهِرًا فِي الْخُصُوصِ) بِالذُّكُورِ (وَيُدْفَعُ) هَذَا بِأَنَّهُ (لَمَّا لَزِمَهُ) أَيْ لَفْظَ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ (الذُّكُورُ حَيْثُ كَانَ) جَمْعُ الذُّكُورِ (لِلْأَعَمِّ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ الذُّكُورِ (مُنْفَرِدِينَ أَوْ مُخْتَلِطِينَ كَانَ نِسْبَتُهُ) أَيْ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ (إلَيْهِمْ) أَيْ الذُّكُورِ (أَوْلَى مِنْ الْمُخْتَلِطِ؛ إذْ لَا يَلْزَمُهُ) أَيْ الِاخْتِلَاطَ هَذَا الْجَمْعُ (وَحِينَئِذٍ) أَيْ وَحِينَ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى هَذَا (تَرَجَّحَ الْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ) أَيْضًا، وَفِي الْبَدِيعِ: وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَالْحَنَابِلَةُ يَدْخُلْنَ تَبَعًا (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْقَوْلِ بِتَنَاوُلِ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ الْإِنَاثَ (فُرِّعَ أَمِّنُونِي عَلَى بَنِيَّ تَدْخُلُ بَنَاتُهُ) ثُمَّ كَرَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى قَوْلِ الْحَنَابِلَةِ مُرَجِّحًا لِقَوْلِ الْأَكْثَرِ فَقَالَ (وَالْأَظْهَرُ خُصُوصُهُ) أَيْ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ بِالذُّكُورِ (لِتَبَادُرِ خُصُوصِهِمْ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ) مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ، وَالتَّبَادُرُ عِنْدَهُ بِدُونِهَا مِنْ أَمَارَاتِ الْحَقِيقَةِ (وَدُخُولُ الْبَنَاتِ) فِي الْأَمَانِ عَلَى الْبَنِينَ (لِلِاحْتِيَاطِ فِي الْأَمَانِ حَيْثُ كَانَ مِمَّا تَصِحُّ إرَادَتُهُ) أَيْ الْأَمَانِ عَلَيْهِنَّ مِنْ الْأَمَانِ عَلَيْهِمْ تَبَعًا حَقْنًا لِلدَّمِ أَوْ بِعُمُومِ الْمَجَازِ فِي الْبَنِينَ بِالْأَوْلَادِ.