(مَسْأَلَةٌ يَعُمُّ الْمَجَازُ فِيمَا تَجُوزُ بِهِ فِيهِ فَقَوْلُهُ) - ﷺ - «لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ وَلَا الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ الرِّمَاءَ وَالرِّمَاءُ هُوَ الرِّبَا» أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ (يَعُمُّ فِيمَا يُكَالُ بِهِ فَيَجْرِي الرِّبَا فِي نَحْوِ الْجَصِّ) مِمَّا لَيْسَ بِمَطْعُومٍ (وَيُفِيدُ مَنَاطُهُ) أَيْ الرِّبَا لِأَنَّ الْحُكْمَ عُلِّقَ بِالْمَكِيلِ فَيُفِيدُ عَلَيْهِ مَبْدَأَ الِاشْتِقَاقِ (وَعَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ لَا) يَعُمُّ وَعَزَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ إلَى الشَّافِعِيِّ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْمَجَازَ (ضَرُورِيٌّ) أَيْ لِضَرُورَةِ التَّوْسِعَةِ فِي الْكَلَامِ كَالرُّخَصِ الشَّرْعِيَّةِ الثَّابِتَةِ ضَرُورَةُ التَّوْسِعَةِ عَلَى النَّاسِ إذْ الْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ الْحَقِيقَةُ وَلِذَا تَتَرَجَّحُ عَلَى الْمَجَازِ عِنْدَ التَّعَارُضِ وَالضَّرُورَةِ بِدُونِ إثْبَاتِ الْعُمُومِ فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ (فَانْتَفَى) الرِّبَا (فِيهِ) أَيْ فِي نَحْوِ الْجَصِّ وَوَجْهُ تَرْتِيبِهِ عَلَى كَوْنِهِ ضَرُورِيًّا ظَاهِرٌ فَإِنَّهُ حَيْثُ كَانَ كَذَلِكَ لَا يَعُمُّ لِانْدِفَاعِ الضَّرُورَةِ بِبَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الطَّعَامُ مُرَادٌ بِقَوْلِهِ - ﷺ - «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ» أَخْرَجَ مَعْنَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُهُ مُرَادًا فَصَارَ الْمُرَادُ بِالصَّاعِ الطَّعَامَ (فَسَلَّمَ عُمُومَ الطَّعَامِ لِانْتِفَاءِ عِلِّيَّةِ الْكَيْلِ) أَيْ فَتَعَيَّنَ الطَّعْمُ لِلْعِلِّيَّةِ وَبَطَلَ عِلِّيَّةُ الْكَيْلِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُعَلَّلْ بِعِلَّتَيْنِ فَسَلِمَ عِلِّيَّتُهُ عَنْ الْمُعَارِضِ وَعُمُومِهِ (فَامْتَنَعَ) أَنْ تُبَاعَ (الْحَفْنَةُ بِالْحَفْنَتَيْنِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الطَّعَامِ (وَلَزِمَتْ عِلِّيَّتُهُ) أَيْ الطَّعْمِ عِنْدَهُمْ (قِيلَ) أَيْ قَالَ الشَّيْخُ سَعْدُ الدِّينِ التَّفْتَازَانِيُّ مَا مَعْنَاهُ: (لَمْ يُعْرَفْ) نَفْيُ عُمُومِ الْمَجَازِ (عَنْ أَحَدٍ وَيَبْعُدُ) أَيْضًا نَفْيُهُ (لِأَنَّهَا) أَيْ الضَّرُورَةَ (بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُتَكَلِّمِ مَمْنُوعٌ) وُجُودُهَا (لِلْقَطْعِ بِتَجْوِيزِ الْعُدُولِ إلَيْهِ) أَيْ الْمَجَازِ (مَعَ قُدْرَةِ الْحَقِيقَةِ لِفَوَائِدِهِ) أَيْ الْمَجَازِ الَّتِي مِنْهَا لَطَائِفُ الِاعْتِبَارَاتِ وَمَحَاسِنُ الِاسْتِعَارَاتِ وَالْمُوجِبَةُ لِزِيَادَةِ بَلَاغَةِ الْكَلَامِ أَيْ عُلُوِّ دَرَجَتِهِ وَارْتِفَاعِ طَبَقَتِهِ عَلَى أَنَّ الْمَجَازَ وَاقِعٌ فِي كَلَامِ مَنْ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الْعَجْزُ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةِ وَالِاضْطِرَارُ إلَى اسْتِعْمَالِ الْمَجَازِ وَبِالنِّسْبَةِ إلَى الْكَلَامِ (وَإِلَى السَّامِعِ أَيْ لِتَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ) بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِهَا وَجَبَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ ضَرُورَةً لِئَلَّا يَلْزَمَ إلْغَاءُ الْكَلَامِ وَإِخْلَاءُ اللَّفْظِ مِنْ الْمَرَامِ (لَا تَنْفِي الْعُمُومَ)
[ ٢ / ٢٣ ]
فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ وَإِرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ فَعِنْدَ الضَّرُورَةِ إلَى حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا قَصَدَهُ الْمُتَكَلِّمُ وَاحْتَمَلَهُ اللَّفْظُ بِحَسَبِ الْقَرِينَةِ إنْ عَامًّا فَعَامٌّ وَإِنْ خَاصًّا فَخَاصٌّ
(وَلَا) تَتَحَقَّقُ الضَّرُورَةُ أَيْضًا (بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَاضِعِ بِأَنْ اشْتَرَطَ فِي اسْتِعْمَالِهِ) أَيْ الْمَجَازِ (تَعَذُّرَهَا) أَيْ الْحَقِيقَةِ (لِمَا ذَكَرْنَا) مِنْ أَنَّهُ لَا يَنْفِي الْعُمُومَ (وَلِأَنَّ الْعُمُومَ لِلْحَقِيقَةِ بِاعْتِبَارِ شُمُولِ الْمُرَادِ) بِاللَّفْظِ (بِمُوجِبِهِ) أَيْ الشُّمُولِ مِنْ أَسْبَابٍ زَائِدَةٍ عَلَى ذَاتِهَا كَأَدَاةِ التَّعْرِيفِ وَوُقُوعِهَا فِي سِيَاقِ النَّفْيِ (لَا) بِاعْتِبَارِ (ذَاتِهَا) أَيْ لَيْسَ الْعُمُومُ ذَاتِيًّا لِلْحَقِيقَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ نَاشِئٌ عَنْهَا إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا انْفَكَّ عَنْهَا لِأَنَّ مُوجِبَ الذَّاتِ لَا يَنْفَكُّ عَنْهَا فَكَانَتْ لَا تُوجَدُ إلَّا عَامَّةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِذَا وُجِدْت فِي الْمَجَازِ الْأَسْبَابُ الْمُوجِبَةُ لِلْعُمُومِ فِي الْحَقِيقَةِ كَانَ عَامًّا أَيْضًا لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي وَعَدَمِ الْمَانِعِ (قِيلَ) أَيْ قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ: (وَلَا يَتَأَتَّى نِزَاعٌ لِأَحَدٍ فِي صِحَّةِ قَوْلِنَا جَاءَنِي الْأُسُودُ الرُّمَاةُ إلَّا زَيْدًا لَكِنَّ الْوَاجِدَ) لِلْخِلَافِ (مُقَدَّمٌ) عَلَى نَافِيهِ لِعَدَمِ اسْتِيعَابِ النَّافِي عَامَّةَ الْمَحَالِّ (وَانْدَرَجَ الْوَجْهُ) لِعُمُومِ الْمَجَازِ فِيمَا تَقَدَّمَ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَتِهِ (وَلَزِمَتْ الْمُعَارَضَةُ) بَيْنَ عِلِّيَّةِ وَصْفِ الطَّعْمِ وَكَوْنِهِ يُكَالُ وَيَتَرَجَّحُ الْأَعَمُّ وَهُوَ كَوْنُهُ يُكَالُ فَإِنَّهُ أَعَمُّ مِنْ الطَّعْمِ لِتَعَدِّيهِ إلَى مَا لَيْسَ بِمَطْعُومٍ وَذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ تَرْجِيحِ عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.