[١] فَإِن قَالَ قَائِل: مَا حَقِيقَة الْفِقْه؟
قيل: الْفِقْه فِي حَقِيقَة اللُّغَة هُوَ الْعلم وَلَا تفصل الْعَرَب فِي كَلَامهَا بَين قَول الْقَائِل " فقهت الشَّيْء " وَبَين قَوْله " عَلمته " بيد أَن أَرْبَاب الشَّرَائِع خصصوه بضروب من الْعُلُوم تواضعا مِنْهُم وَاصْطِلَاحا.
فالفقه إِذا فِي مواضعتهم هُوَ الْعلم بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة وَعبر القَاضِي عَن هَذَا الْمَقْصد بِعِبَارَة أُخْرَى فَقَالَ: هُوَ الْعلم بِأَحْكَام أَفعَال الْمُكَلّفين الشَّرْعِيَّة دون الْعَقْلِيَّة.
[ ١ / ١٠٥ ]
وَهَذِه الْعبارَة وَإِن كَانَت تُؤدِّي مَضْمُون الْعبارَة الأولى فَالْأولى أَسد وأوضح.
[٢] فَإِن قَالَ قَائِل: مَا أصُول الْفِقْه على قَضِيَّة الِاصْطِلَاح المتداول بَين الْعلمَاء؟
قيل: أصُول الْفِقْه أدلته، فالأدلة الدَّالَّة على أَحْكَام الشَّرَائِع أُصُولهَا وَالْعلم بهَا هُوَ الْعلم بالأصول.
[٣] فَإِن قيل: أفيدخل فِي هَذَا الْفَنّ مَا لَا يلْتَمس فِيهِ الْقطع وَالْعلم؟
[ ١ / ١٠٦ ]
قيل: مَا ارْتَضَاهُ الْمُحَقِّقُونَ أَن مَا لَا يَبْتَغِي فِيهِ الْعلم لَا يعد من الْأُصُول.
فَإِن قيل: فأخبار الْآحَاد والمقاييس السمعية لَا تُفْضِي إِلَى الْعلم وَهِي من أَدِلَّة أَحْكَام الشَّرَائِع؟
قيل: إِنَّمَا يتَعَلَّق بالأصول تثبيتها أَدِلَّة على وجوب الْأَعْمَال وَذَلِكَ مِمَّا يدْرك بالأدلة القاطعة، فَأَما الْعَمَل المتلقى مِنْهَا فمتصل بالفقه دون أصُول الْفِقْه.