[٨٤] اعْلَم، وفقك الله أَن القَوْل فِي ذَلِك يَنْقَسِم، فَرُبمَا تطلق الْكَرَاهِيَة
[ ١ / ١٦٨ ]
وَالْمرَاد بهَا مَا نهي عَنهُ تَنْزِيها وندبا إِلَى تَركه كَقَوْلِنَا يكره ترك النَّوَافِل.
وَمن الْفُقَهَاء من لَا يطلقهَا فِي مثل ذَلِك. وَلَكِن يَقُول إِذا غمضت الْأَدِلَّة وصعب مدركها فاقتحام موقع اللّبْس مَكْرُوه مَعَ تَجْوِيز العثور على عين الْحق.
[٨٥] وَلنْ يتَبَيَّن الْمَقْصد من هَذَا الْبَاب إِلَّا بإيضاح أصل. وَهُوَ أَن تعلم أَن مَا يُسمى مَكْرُوها فِي تواضع الْفُقَهَاء، فَلَا يَتَّصِف بِكَوْنِهِ محرما بل يتَمَيَّز الْمَكْرُوه عَن قبيل الْمُحرمَات كَمَا يتَمَيَّز عَن الْمُبَاحَات والواجبات. وَكَذَلِكَ لَا سَبِيل إِلَى الْمصير إِلَى أَن الْمَكْرُوه مَا شككنا فِي تَحْرِيمه فَإِن من الْأَشْيَاء مَا يتَّفق الْعلمَاء على كَونه مَكْرُوها مَعَ علمنَا باستحالة تشكك الكافة فِي دَرك التَّحْرِيم [وَلَو] سوغنا اسْتِمْرَار اللّبْس فِي حكم من الْأَحْكَام على عُلَمَاء الْإِسْلَام تداعى ذَلِك إِلَى نقض الْأَحْكَام فَبَطل الْمصير إِلَى ذَلِك.
[ ١ / ١٦٩ ]
وَإِنَّمَا قصدنا بذلك الرَّد على طَائِفَة من محققينا لما قَالُوا فِي حَقِيقَة الْمَكْرُوه مَا يخْشَى عَلَيْهِ اللوم فَيُقَال لَهُم: مَا يتَحَقَّق اسْتِحْقَاق اللوم عَلَيْهِ فَهُوَ محرم قطعا فَكَانَ محصول هَذَا [القَوْل] بِأَنَّهُ يخْشَى عَلَيْهِ اللوم أَنه يجوز تَقْدِير حَقِيقَة التَّحْرِيم فِيهِ وَهَذَا مصير إِلَى اللّبْس [وَهُوَ وَاضح] الْبطلَان وَالَّذِي يُوضح القَوْل فِي ذَلِك أَن نقُول: إِذا فَرضنَا الْكَلَام فِي مَكْرُوه فنقسم القَوْل [فِيهِ ونقول]: يَسْتَحِيل الْمصير إِلَى أَنه مُبَاح لما سبق من الْكَلَام فِي حد الْمُبَاح [ويستحيل الْمصير إِلَى أَنه محرم، ويستحيل] الْمصير إِلَى أَنه مَشْكُوك فِي تَحْرِيمه فَإِذا بطلت هَذِه الْأَقْسَام لم يبْق بعد بُطْلَانهَا إِلَّا الْمصير إِلَى أَنه مَنْدُوب إِلَى تَركه. ومأمور بِتَرْكِهِ غير ملوم على فعله.
[٨٦] ثمَّ قد بَينا أَن قضايا [الشَّرْع] قد تتزايد فَيُقَال هَذَا أحسن وَهَذَا أقبح. وَلَكِن وَإِن تزايدت فَلَا تخرج عَن أصل الْحَقَائِق فقد يتَأَكَّد الْأَمر
[ ١ / ١٧٠ ]
بترك الْمَكْرُوه وَلَا يُخرجهُ ذَلِك عَن الْحَقِيقَة الَّتِي ذَكرنَاهَا.