[١١٢] قَالَ القَاضِي ﵁: الْحَقِيقَة تطلق وَيُرَاد بهَا خَاص وصف الشَّيْء الَّذِي يتَمَيَّز ويوافق ويماثل وَهُوَ حَده عَنهُ. وَذَلِكَ كَمَا يُقَال حَقِيقَة الْعَالم من قَامَ بِهِ الْعلم. وَحَقِيقَة الْجَوْهَر المتحيز إِلَى غير ذَلِك. وَهَذَا مَا لَا نطلبه فِي مَضْمُون هَذَا الْبَاب.
وَقد تطلق الْحَقِيقَة فِي اللُّغَات ومجاري المحاورات فَهَذَا مقصدنا من هَذَا الْبَاب. فَإِذا قُلْنَا هَذِه الْعبارَة حَقِيقَة فِي هَذَا الْمَعْنى فَمَعْنَاه أَنَّهَا مستعملة [١١ / ب] فِيمَا وضعت فِي أصل / وضع اللُّغَة لَهُ فَهَذَا مَا نريده بِالْحَقِيقَةِ. فَأَما الْمجَاز
[ ١ / ١٨٤ ]
فَهُوَ مَا [اسْتعْمل فِي غير مَا وضع لَهُ فِي أصل] وضع اللُّغَة.
وَيُسمى هَذَا الضَّرْب مجَازًا لِأَن أهل اللُّغَة يتجاوزون بِهِ عَن أصل الْوَضع توسعا مِنْهُم. وَذَلِكَ نَحْو تسميتهم الشجاع البطل من الرِّجَال أسدا والبليد حمارا والأسد فِي أصل الْوَضع لحيوان مَعْلُوم بيد أَنهم قد أَطْلقُوهُ توسعا على من يتخصص بشاعته وجرأته، وعدوا من هَذَا الْقَبِيل أَيْضا قَوْله تَعَالَى: ﴿جدارا يُرِيد أَن ينْقض﴾ فإضافة الْإِرَادَة إِلَى الْجِدَار لَيْسَ فِي أصل وضع اللُّغَة بل هُوَ من الْمجَاز وَيكثر نَظَائِر ذَلِك فِي الْكتاب وَالسّنة.
[١١٣] وَقد عد بعض أَئِمَّتنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَسُئِلَ الْقرْيَة﴾ من هَذَا الْقَبِيل فَإِن الْمَعْنى بالقرية أهل الْقرْيَة. وَمن أَصْحَابنَا من عد ذَلِك من قبيل
[ ١ / ١٨٥ ]
الْمجَاز. وَزعم أَن الْقرْيَة وضعت مَوضِع أهل الْقرْيَة وعنى بهَا نَفسهَا أَهلهَا تجوزا.
وَمِنْهُم من قَالَ هَذَا وَأَمْثَاله من الْمُضْمرَات. وَلَا نقُول أُقِيمَت الْقرْيَة مقَام أَهلهَا بل حذف من الْخطاب ذكر أهل الْقرْيَة لدلَالَة بَقِيَّة الْخطاب عَلَيْهِ. وأبواب الْإِضْمَار والحذف لَا يلْتَحق بالمجازات. فَإِن الْمجَاز لَفْظَة مستعملة فِي غير مَا وضعت لَهُ.
[١١٤] وَكَذَلِكَ من أَئِمَّتنَا من صَار إِلَى أَن قَوْله: ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ فَقَالَ: الْكَاف والمثل تجوزا وتوسعا، وَهَذَا الْقَائِل يَقُول من ضروب الْخطاب مَا يلْتَحق بالمجاز لنُقْصَان شَيْء مِنْهُ كَمَا قدمْنَاهُ. وَمِنْه مَا يلْتَحق بِهِ لزِيَادَة شَيْء فِيهِ، نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ .
ونرى القَاضِي يمِيل إِلَى عد ذَلِك من قبيل الْمجَاز.
[١١٥] ويلتحق بذلك قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جزاؤا الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله﴾ .
مَعْنَاهُ أهل الله ومصدقيه ومتبعي شرائعه.
[ ١ / ١٨٦ ]
[١١٦] فَكل كَلَام وضع فِي أصل اللُّغَة فَإِذا نقص مِنْهُ شَيْء مَعَ اسْتِبْقَاء تَمام المُرَاد فَهُوَ مجَاز. فَإِنَّهُ من هَذَا الْوَجْه معدول عَن أصل الْوَضع وَكَذَلِكَ الزِّيَادَة وَهَذَا لعمري سديد.