[١٢٦] فَإِن قيل / فَمَا معنى الِاسْم الْعرفِيّ فِي تجَاوز أهل اللُّغَات؟
قيل: يَنْقَسِم ذَلِك إِلَى مَعْنيين:
أَحدهمَا أَن الِاسْم فِي أصل وضع اللُّغَة إِذا انقسم بَين معَان فغلب الِاسْتِعْمَال فِي وَضعه عرفا فِي أحد مَعَانِيه حَتَّى لَا يفهم مِنْهُ عِنْد إِطْلَاقه إِلَّا بعض مَا وضع لَهُ. فيسمى عِنْد اخْتِصَاصه بِبَعْض مَا وضع لَهُ عِنْد غَلَبَة الِاسْتِعْمَال فِي الْعرف عرفيا. وَذَلِكَ نَحْو قَوْلهم دَابَّة.
فَإِن هَذِه الْكَلِمَة مَوْضُوعَة فِي أصل اللُّغَة لكل مَا دب ودرج. ثمَّ غلب استعمالهم لَهَا فِي الْبَهَائِم ذَوَات الْأَرْبَع القوائم. وَكَذَلِكَ الْفَقِيه فِي أصل اللُّغَة وضعا هُوَ الْعَالم و غلب اسْتِعْمَاله فِي ضرب من الْعُلُوم إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يطول تتبعه. فَهَذَا ضرب أَسد فِي السَّبع الْمَشْهُور وَفِي البطل.
[ ١ / ١٩٧ ]
الثَّانِي: المتلحق ببابها لَفْظَة تجوز بهَا عَن أصل الْوَضع على مَنْهَج استعمالهم
غلب اسْتِعْمَاله عرفا على إِرَادَة معنى غير مَا وضع أصل اللَّفْظ لَهُ أصلا فيفهم مِنْهَا الْقَصْد بِهِ لغَلَبَة الْعرف كَمَا يفهم من الْحَقَائِق مَعَانِيهَا وَذَلِكَ نَحْو قَوْله: ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾، وَقَوله: ﴿أحل لكم صيد الْبَحْر﴾، وَقَوله ﵇: «حرمت الْخمر لعينها» فَهَذِهِ أَلْفَاظ وَردت فِي معرض الْمجَاز. وَوجه التَّجَوُّز فِيهَا أَن ظَاهر قَوْله: ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾، يَقْتَضِي تَحْرِيم أعيانهن وَظَاهر قَوْله: ﴿أحل لكم صيد الْبَحْر﴾ يُنبئ عَن تَحْلِيل أَعْيَان الصيود. وَقد أطبق أَرْبَاب الشَّرَائِع على اسْتِحَالَة نعت [١٣ / ب] الْأَعْيَان المنعوتة فِي سِيَاق هَذَا الْبَيَان بِالتَّحْرِيمِ إِذْ التَّحْرِيم إِنَّمَا يتَعَلَّق بِمَا / ينْدَرج تَحت التَّكْلِيف. وَإِنَّمَا المندرج تَحت قضيتها أَفعَال الْمُكَلّفين دون الْأَجْسَام الْخَارِجَة عَن قبيل مقدورات الْخَلَائق، والمقصد من ذَلِك أَن الْمَعْنى لتَحْرِيم الْأُم تَحْرِيم فعل فِي الْأُم إِذْ تَحْرِيمهَا فِي عينهَا غير مُتَحَقق فتجوزوا فِي الْإِطْلَاق. وسوغوا الإنباء عَن فعل مُتَعَلق بالأعيان بِعِبَارَة عَن الْأَعْيَان. فَهَذَا وَجه التَّجَوُّز فَلَمَّا غلب الِاسْتِعْمَال فِي هَذِه الْأَلْفَاظ وأمثالها. وَإِن كَانَت
[ ١ / ١٩٨ ]
لَو ردَّتْ إِلَى أصل الْوَضع لم تصادف على مُقْتَضى الأَصْل وَلَكِن لما غلب اسْتِعْمَالهَا فِي مقصد معنى تنزل فِي إثارته منزلَة الْحَقَائِق.
[١٢٧] فَإِن قيل: قد عَرَفْتُمْ الْأَسْمَاء الْعُرْفِيَّة فِي شَيْئَيْنِ أَحدهمَا تَخْصِيص اللَّفْظ اسْتِعْمَالا بِبَعْض مُقْتَضَاهُ وضعا. وَالثَّانِي غَلَبَة الِاسْتِعْمَال فِي التجوزات فَمَا دليلكم عَلَيْهِ؟
قُلْنَا: الدَّلِيل على أَن الِاسْم الْعرفِيّ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون يُرَاد بوصفه أَنه عرفي أَنه ابتدئ وَضعه فِي الأَصْل لما جرى عَلَيْهِ. وَذَلِكَ محَال لِاتِّفَاق الكافة على اخْتِصَاص الْأَسَامِي الْعُرْفِيَّة [بِبَعْض] الْأَسَامِي فَلَو صرفت إِلَى أصل الْوَضع لزم تَسْمِيَة جملَة اللُّغَات عرفية وَهَذَا مَا لم يصر إِلَيْهِ صائر من الخائضين فِي معنى الِاسْم الْعرفِيّ.
وَكَذَلِكَ لَا يسوغ أَن يُقَال: إِنَّهَا متجردة ابتدئ وَضعهَا بعد اسْتِقْرَار اللُّغَات، فَإِن هَذَا سَبِيل كل لُغَة سبقتها أُخْرَى. فَلَزِمَ من ذَلِك أَن نقُول: إِذا سبقت لُغَة الْعَرَب لُغَة ثمَّ تَجَدَّدَتْ لُغَة الْعَرَب اصْطِلَاحا أَو توقيفا أَن تكون متصفة لتجددها بِكَوْنِهَا عرفية. ويستحيل أَن يصرف معنى الْعرفِيّ إِلَى أَنه ابتدأه غير أهل اللُّغَة من الْعلمَاء وَأهل الصَّنَائِع والمهن والحرف تواضعا مِنْهُم فِيمَا بَينهم على ابْتِغَاء معَان فَإِن ذَلِك فِي حُقُوقهم لَو قدر مِنْهُم جَوَازه كوضع أهل اللُّغَة، من حَيْثُ أَنهم لم يسندوا استعمالهم إِلَى وَاضع سبقهمْ بل ابتدأوه تواضعا من تِلْقَاء أنفسهم. وَلَو سَاغَ وصف مَا هَذَا سَبيله بالعرفي وَجب وصف على كل لُغَة لم يسبقها تَوْقِيف بِكَوْنِهِ عرفيا.
[١٢٨] فَإِن قيل: بِمَ تنكرون على من يزْعم أَن الْعرفِيّ هُوَ الَّذِي اسْتعْمل فِي غير مَا وضع لَهُ وَنقل من أصل مَوْضُوعه؟
[ ١ / ١٩٩ ]
قُلْنَا: فَيلْزم من قَول ذَلِك أَن نقُول لَو سمى مسم منا الْجَارِحَة الْمُسَمَّاة يدا رَأْسا والمسماة بِالرَّأْسِ يدا ابْتِدَاء كَانَ ذَلِك اسْما عرفيا. وَإِن لم يُوَافق هَذَا الْمُطلق على إِطْلَاقه إِذْ قد تحقق فِي ذَلِك النَّقْل والتعدية عَن أصل الْوَضع.
[١٢٩] فَإِن قيل: إِنَّمَا يَتَّصِف بالعرفي إِذا غلب فِي عرف أهل اللِّسَان.
قيل: هَذَا أحد الْقسمَيْنِ الَّذين ذكرناهما فِي معنى الْأَسْمَاء الْعُرْفِيَّة فَإنَّا قُلْنَا الْمجَاز إِذا غلب اسْتِعْمَاله الْتحق بمضمون هَذَا الْبَاب فمصيركم إِلَى هَذَا السُّؤَال اعْتِرَاف مِنْكُم بمرامنا ومضمون كلامنا.
[١٣٠] فَخرج من جملَة مَا قُلْنَاهُ أَن الْعرفِيّ لَا يُنبئ عَن أصل الْوَضع [١٤ / أ] وَلَا عَن تَجْدِيد اللُّغَات وَإِنَّمَا يُنبئ عَمَّا يغلب اسْتِعْمَاله / عرفا من المجازات أَو يغلب تَخْصِيصه بِبَعْض المقتضيات اسْتِعْمَالا وإرسالا فَسُمي مَا يلغي تَخْصِيصه بِبَعْض المقتضيات من الْعرف عرفيا وَسمي الْمجَاز الْغَالِب فِي الْعرف بمجاوزته ضروب المجازات غير الْغَالِبَة عرفيا.