[١٣١] وَقد ألحق الْمُحَقِّقُونَ بِهَذَا الْفَصْل ضروبا من الْأَلْفَاظ الشَّرْعِيَّة زاغ فِيهَا بعض نابتة الْفُقَهَاء وجروا فِيهَا على خلاف الْحَقَائِق. وَهَذِه الْأَلْفَاظ المتضمنة لنفي مُضَاف إِلَى الْأَعْيَان، والمقصد مِنْهُ نفي حكم فِيهَا لَا نفي ذواتها
[ ١ / ٢٠٠ ]
نَحْو قَوْله ﵇: «رفع عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان» وَقَوله: «لَا صَلَاة لِجَار الْمَسْجِد إِلَّا فِي الْمَسْجِد»، «وَلَا نِكَاح إِلَّا بولِي» .
[ ١ / ٢٠١ ]
وَقَوله: الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَقَوله: لَا صِيَام لمن لم يبيت الصّيام من اللَّيْل إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يضاهيها.
[ ١ / ٢٠٢ ]
[١٣٢] فَذهب شرذمة من الْفُقَهَاء إِلَى الحاق هَذَا الْقَبِيل بالمجملات الَّتِي لَا تستقل بأنفسها فِي إثارة الْمعَانِي وتلقوا هَذَا الْإِجْمَال من إِضَافَة النَّفْي إِلَى الْأَعْيَان مَعَ تَحْقِيق ثُبُوتهَا.
والمصير إِلَى الْإِجْمَال على هَذَا الْمنْهَج سجية الْجُهَّال بحقائق الْجِدَال.
[ ١ / ٢٠٣ ]
وَذهب الْجُمْهُور من الْفُقَهَاء إِلَى إِلْحَاق هَذَا الْقَبِيل بالمستقلات من الْكَلَام وَحَمَلُوهُ على نفي الْأَحْكَام وَنَفَوْا عَنهُ سمة الْإِبْهَام وأدانوا الْمصير إِلَى توقع نفي الْأَعْيَان من فحوى الْخطاب وَالْبَيَان.
ثمَّ افترق هَؤُلَاءِ فرقا فَمن صائرين إِلَى أَن النَّفْي إِذا أضيف إِلَى الْأَعْيَان اقتضي بِظَاهِرِهِ انْتِفَاء الْأَعْيَان وَالْأَحْكَام جَمِيعًا، ثمَّ إِذا قَامَت دلالات الْمَعْقُول على ثُبُوت الْأَعْيَان الَّتِي انطوى عَلَيْهَا الْخطاب خصصت الْأَعْيَان من مُقْتَضى الْخطاب، وَبقيت الْأَحْكَام على مُوجبهَا وَينزل ذَلِك منزلَة تَخْصِيص اللَّفْظ الشَّامِل للعام.
وَمِنْهُم من ذهب إِلَى أَن نفي الْأَعْيَان لَا يقدر دُخُوله تَحت الْخطاب لتلجيء الْحَاجة إِلَى تخصيصها. وَمَا انطوى مَضْمُون اللُّغَة إِلَّا على الْأَحْكَام فتضمن اللَّفْظ نَفيهَا عُمُوما فَإِن قَامَت دلَالَة فِي قَوْله [ﷺ]: (لَا صَلَاة لِجَار الْمَسْجِد إِلَّا فِي الْمَسْجِد» دَالَّة على أَجزَاء الصَّلَاة فَمن اقْتِضَاء النَّفْي فِي إِطْلَاقه نفي الْجَوَاز والكمال. فَإِذا قَامَت الدّلَالَة على الْجَوَاز نفي الْكَمَال تَحت قَضِيَّة النَّفْي الْمَنْقُول وَالَّذِي نرتضيه بطلَان هَذِه الْمذَاهب كلهَا. فَالْأولى أَن نوضح بُطْلَانهَا ثمَّ نذْكر السديد من الْمذَاهب عندنَا.
[١٣٣] فَأَما وَجه الرَّد عَن من يزْعم أَن الْخطاب يلْتَحق بالمجملات
[ ١ / ٢٠٤ ]
لإضافة النَّفْي إِلَى الْأَعْيَان مَعَ ثُبُوتهَا فَيُقَال لهَؤُلَاء هَل تنكرون فِي إطلاقات الْعَرَب وتفاهمها وتجاوزها إِطْلَاق الشَّيْء نفيا وإثباتا وَالْمرَاد نفي وصف مِنْهُ أَو إِثْبَات وصف لَهُ. فَإِن جَحَدُوا ذَلِك انتسبوا إِلَى إِنْكَار مَا عَلَيْهِ أَرْبَاب اللِّسَان قبل انبعاث الرَّسُول [ﷺ] وَبعده فَإنَّا نعلم فِي الْجَاهِلِيَّة الجهلاء قبل انبعاث خَاتم الْأَنْبِيَاء ﵇. وَكَانُوا يتفاوضون بِرَفْع الزلل وَالْخَطَأ أَن يَقُول الْمَرْء لمن دونه: رفعت / عَنْك زلتك وخطأك، وَلَا يعنون بذلك رفع [١٤ / ب] الْأَعْيَان. وَإِنَّمَا مرامهم نفي الْمُؤَاخَذَة بالْخَطَأ. وَمن الْمَشْهُور السائر فِي كَلَامهم قَوْلهم للَّذي عمل من غير نِيَّة وطوية فِي ارتياد طَاعَة، وَلَكِن بدر مِنْهُ الْعَمَل وفَاقا: مَا عملت شَيْئا، وَلَا يعنون بذلك نفي صُورَة الْعَمَل وَإِنَّمَا يعنون بذلك نفي الْمَقْصُود والنيات، كَمَا قَالَ ﵇: «لَا عمل إِلَّا بنية» إِلَى غير ذَلِك مِمَّا يطول اقتصاصه وتتبعه، فتقرر بِمَا قُلْنَاهُ أَن نفي الصِّفَات تعقل من النَّفْي الْمُضَاف إِلَى الذوات.
فَإِذا تمهد ذَلِك قُلْنَا النَّفْي الْمَنْقُول عَنهُ ﵇ مُضَافا إِلَى شَيْء، لَهُ مصرفان لَا يتوسطهما ثَالِث، أَحدهمَا نفي الْأَعْيَان والذوات. وَالثَّانِي نفي غَيرهمَا مِمَّا تتصل بهما من الآثام وَالْأَحْكَام. وَقد يفهم من اللَّفْظ كِلَاهُمَا. ويستحيل حمل النَّفْي الْمَنْقُول عَنهُ ﵇ على نفي الْأَعْيَان مَعَ الْقطع بثبوتها، وَالْعلم باستحالة الْكَذِب على الرَّسُول ﵇. فَإِذا علمنَا قطعا اسْتِحَالَة الْحمل على نفي الْأَعْيَان. تعين الْمصرف الثَّانِي. ويتضح ذَلِك بِمَا لَا دفع لَهُ. وَهُوَ أَن الْإِجْمَال إِنَّمَا يتوقى عِنْد توقع الْإِضْمَار. واشتباه الْحَال
[ ١ / ٢٠٥ ]
ويستحيل اسناد الْإِبْهَام إِلَى مَا يستيقن بُطْلَانه. وَقد ثَبت بطلَان الْمصير إِلَى نفي الْأَعْيَان فَلم يبْق لاسناد الْإِجْمَال إِلَى ذَلِك أصل.
[١٣٤] فَإِن قيل: إِذا أضيف النَّفْي وَالْإِثْبَات إِلَى عين لم يعقل فِيهِ إِلَّا انْتِفَاء الْعين أَو ثُبُوتهَا، فَيُقَال لَهُم: هَذَا الَّذِي ذكرتموه يبطل عَلَيْكُم من أوجه، أقربها أَن قَوْله عز اسْمه: ﴿حرمت عَلَيْكُم أُمَّهَاتكُم﴾ لَيست من المجملات وفَاقا. وَالتَّحْرِيم مُضَاف إِلَى أَعْيَان الْأُمَّهَات مَعَ اسْتِحَالَة تعلق أَحْكَام التَّكْلِيف بِغَيْر أَفعَال الْمُكَلف على مَا سبق إيضاحه. وَهَذَا مَا لَا مدفع لَهُ.
ثمَّ نقُول قد أوضحنا عَلَيْكُم من تفاوض الْعَرَب إِطْلَاق الْأَعْيَان فِي النَّفْي وَالْإِثْبَات. والمقصد بِالنَّفْيِ أَحْكَامهَا دون ذواتها. ثمَّ نقُول مَا ذكرتموه من أَنه لَا يفهم من نفي الْعين إِلَّا نفي ذَاته تَصْرِيح مِنْكُم بالتوصل إِلَى حمل خطاب الرَّسُول ﵇ على الْخلف الْمَحْض وَهَذَا الْكَلَام خَارج عَن دَعْوَى الِاحْتِمَال، بل هُوَ إفصاح بِحمْل خطاب صَاحب الشَّرْع على خلاف الْمَعْقُول فِي الْحَال.
[١٣٥] فَإِن قيل: إِذا نقل لفظ مَا هَذَا وَصفه استربنا فِي ناقليه وبرأنا عَنهُ الرَّسُول [ﷺ] .
قيل: فقد ورطكم أصلكم فِي أقبح المطاعن فِي الْأَخْبَار وَحملهَا على الْمحَال. ثمَّ انعطفتم بِفساد أصلكم على الطعْن فِي الروَاة والثقات ثمَّ الْكَلَام
[ ١ / ٢٠٦ ]
عَلَيْكُم فِي ذَلِك أَن الْحمل على الْمُجْمل الَّذِي ذكرتموه محَال قطعا. وبدور الْمحَال من الرَّسُول محَال سمعا وعقلا. وَلَا تستريبوا فِيمَا هَذَا سَبيله بل اقْطَعُوا بكذب النقلَة حَتَّى تصرحوا بِأَن قَوْله " لَا عمل إِلَّا بنية " خلف على الرَّسُول [ﷺ] قطعا.
وَهَذَا مَا لم يصر إِلَيْهِ صائر. ثمَّ نقُول إِنَّمَا يستتب لكم هَذَا فِي أَخْبَار الْآحَاد وَنقل الْأَفْرَاد. وَقد ثَبت فِي ظواهر الْكتاب والمستفيض من الْأَخْبَار / [١٥ / أ] إِضَافَة النَّفْي وَالْإِثْبَات إِلَى أَعْيَان مَعَ اسْتِحَالَة حملهَا على التَّخْصِيص بالذوات فِي النَّفْي وَالْإِثْبَات، وَلَئِن سَاغَ اتهام الثِّقَات فِي الْآحَاد لَا نحسم هَذَا الْبَاب فِي ظواهر الْكتاب ومستفيض السّنَن فَهَذَا وَجه الرَّد على هَذِه الطَّائِفَة.
[١٣٦] فَأَما وَجه الرَّد على من زعم أَن النَّفْي يعم الْمَنْفِيّ وَحكمه ثمَّ يخصص ذَوَات الْأَفْعَال بدلالات الْعُقُول، فَهُوَ أَن نقُول انطواء اللَّفْظ على الْمَعْنيين المتضادين مُسْتَحِيل وفَاقا. وَالْحمل على نفي الْعين وَنفي حكمهَا محَال فَإِن نفي الحكم جَوَازًا أَو كَمَا لَا يُنبئ عَن ثُبُوت الْفِعْل مَعَ انْتِفَاء الحكم، وَنفي الذوات يُصَرح باستحالة الثُّبُوت. وَالْحمل عَلَيْهِمَا حمل على المتناقضين، فَهَذَا مَا لَا محيص عَنهُ.
[١٣٧] وبمثل هَذِه الطَّرِيقَة نرد على من يزْعم أَن النَّفْي يتَضَمَّن نفي الْجَوَاز والكمال فَإِن نفي الْكَمَال يُنبئ عَن ثُبُوت الْجَوَاز والأجزاء مَعَ انْتِفَاء سمة الْفَضِيلَة. وَنفي الْجَوَاز يُنَافِي ذَلِك. وَهَذَا كَمَا أَنا نقُول نفي سمة الْإِبَاحَة تنَاقض وصف الْوُجُوب. وَيبْطل قَول من قَالَ من نابتة الْفُقَهَاء أَن كل وَاجِب مُبَاح.
[ ١ / ٢٠٧ ]
وَلَيْسَ كل مُبَاح وَاجِبا فَإِن الْمُبَاح مَا يُخَيّر الْمُكَلف فِي فعله وَتَركه من غير لوم وَاسْتِحْقَاق ذمّ فِي وَاحِد مِنْهُمَا. وَهَذِه الصِّيغَة مَعْدُومَة فِي الْوُجُوب فَكَذَلِك نفي الْكَمَال إِذا قدر مُجَردا انبأ عَن الْأَجْزَاء، وَنفي الْأَجْزَاء يناقضه، فالحمل عَلَيْهِمَا مَحل على النقيضين. فقد بطلت الْمذَاهب الَّتِي قدمناها.
[١٣٨] فَإِن قيل: فَمَا الَّذِي ترتضونه؟
قُلْنَا " مَا نرتضيه إِلْحَاق اللَّفْظ بالمحتملات لتردد النَّفْي بَين الْكَمَال وَالْجَوَاز. واستحالة الْحمل عَلَيْهِمَا جَمِيعًا فَلَا طَرِيق إِلَّا التَّوْقِيف ليتعين أحد المحتملين.
[١٣٩] فَإِن قيل: فَهَذَا هُوَ الْمَذْهَب الأول فِي ادِّعَاء الْإِجْمَال.
قُلْنَا: الْفرق بَين المذهبين أَن الَّذين ادعوا الْإِجْمَال أَولا أسندوه إِلَى توقع نفي الْأَعْيَان، وَهُوَ مُسْتَحِيل. وَنحن أسندنا ادِّعَاء الْإِبْهَام إِلَى الْأَحْكَام، ثمَّ هَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ مَعَ الْمصير إِلَى القَوْل بِالْعُمُومِ. وَإِن نَحن نَفينَا الْعُمُوم لم نحتج إِلَى إِيضَاح وَجه الْإِجْمَال على الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ.
[ ١ / ٢٠٨ ]