[١٥٠] اعْلَم، وفقك الله أَن مَا صَار إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ من أَرْبَاب الشَّرَائِع أَن الرب تَعَالَى لم يخاطبنا فِي الشَّرِيعَة بِمَا لَيْسَ من كَلَام الْعَرَب. وَكَذَلِكَ رَسُول الله [ﷺ]، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآن كلمة / خَارِجَة عَن لُغَة الْعَرَب ولسنها. [١٧ / أ]
وَزَعَمت طَائِفَة مِمَّن يتعاطى اللُّغَة أَن الْقُرْآن يشْتَمل على كَلِمَات لَيست من كَلَام الْعَرَب أصلا. وَإِنَّمَا هِيَ من سَائِر اللُّغَات.
[ ١ / ٢١٧ ]
وَالدَّلِيل على الرَّد عَلَيْهِم قَوْله تَعَالَى: ﴿بِلِسَان عَرَبِيّ مُبين﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَهَذَا لِسَان عَرَبِيّ مُبين﴾ فنعت الْقُرْآن كُله بِكَوْنِهِ عَرَبيا مُبينًا فتقوم الدّلَالَة بِمُقْتَضى الْآيَة على الْخُصُوم سِيمَا مَعَ قَوْلهم بِالْعُمُومِ. ويتأكد الِاسْتِدْلَال على قَول نفاة الْعُمُوم بمضمون الْآيَة، والمقصد من سياقها، وَذَلِكَ أَن العندة من الْكَفَرَة زَعَمُوا أَن رَسُول الله [ﷺ] يتلَقَّى الْقُرْآن من سلمَان الْفَارِسِي وَمِنْه يتلقف قصَص الْأَوَّلين وسير الماضين فاحتج الله عَلَيْهِم فِي رد مقالتهم وَقَالَ: (لِسَان الَّذِي يلحدون إِلَيْهِ أعجمي وَهَذَا لِسَان عَرَبِيّ
[ ١ / ٢١٨ ]
مُبين﴾ فَلَو كَانَ من جملَة الْقُرْآن فِي تضاعيف نظمه كَلِمَات أَعْجَمِيَّة لبطل الِاحْتِجَاج على الْعَرَب بِمَا ذكره الله ﷿ ولتشبثت الْعَرَب بِتِلْكَ الْكَلِمَات وتوصلت بهَا إِلَى ادِّعَاء تلقيها من فَارسي. ولخصم سيد الْأَوَّلين والآخرين ﵇ فِي احتجاجه عَلَيْهِم. فَدلَّ سِيَاق الْآيَة فِي مُقْتَضى الِاحْتِجَاج مَعَ ظَاهرهَا على مَا ذَكرْنَاهُ. وعَلى هَذَا الْوَجْه يسْتَدلّ بقوله تَعَالَى: ﴿وَلَو جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أعجميا لقالوا لَوْلَا فصلت آيَته أعجمي وعربي﴾ وَالْمعْنَى بِالْآيَةِ أَنا لَو بَعْضنَا الْقُرْآن فَجعلنَا بعضه أعجميا وَبَعضه عَرَبيا لقالت الْعَرَب أعجمي وعربي. واستدلت بقصور الْكَلَام فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة حَتَّى احْتَاجَ إِلَى امداده بلغَة أُخْرَى. وَهَذَا الْمَعْنى بقوله تَعَالَى: ﴿لَوْلَا فصلت آيَته﴾ بلغَة من غير أَن يشوبها مَا لَيْسَ مِنْهَا فَدلَّ ذَلِك على تمحض لُغَة الْعَرَب فِي كتاب الله تَعَالَى.
[١٥١] فَإِن قيل: فِي الْقُرْآن أَلْفَاظ معربة من لُغَة الْعَجم مِنْهَا الإستبرق. وَهُوَ مُعرب استبره بِلِسَان الْعَجم. والمشكاة كلمة هندية
[ ١ / ٢١٩ ]
والسندس والقسطاس كلمتان روميتان وَقد زعم أهل اللُّغَة أَن الْأَب لم يُوجد فِي شَيْء من كَلَام الْعَرَب فَتبين بذلك خُرُوج هَذِه الْأَلْفَاظ عَن أصل اللُّغَة.
قُلْنَا: لَئِن صَارَت شرذمة إِلَى مَا قلتموه فقد صَار مُعظم الْمُفَسّرين إِلَى إِلْحَاق ذَلِك باللغات وتفسيرها على الْمنْهَج الَّذِي فسروا سَائِر الْكَلِمَات، فتتقابل الْمذَاهب. وَيبقى لنا الِاسْتِدْلَال بِنَصّ الْكتاب ثمَّ نقُول مَا ذكرتموه من كَون الإستبرق معربا من قَول الْعَجم استبره بِمَ تنكرون على من يزْعم أَن الْعَجم عبرت عَن استبرق باستبره على الضِّدّ مِمَّا ادعيتموه وَأما الْمشكاة فَهِيَ لُغَة مَعْرُوفَة [و] وجودهَا فِي لُغَة الْهِنْد لَا ينفيها عَن لُغَة الْعَرَب. وَقد تتفق اللغتان فِي اسْم وفَاقا. فَهَذَا مَا لَا استشهاد فِيهِ وَهَذَا وَجه الْكَلَام على السندس والقسطاس. وَأما الْأَب فقد فسره مُعظم أهل اللُّغَة بالكلأ واللغات تَنْقَسِم. فَمِنْهَا مَا يظْهر، وَمِنْهَا مَا ينْدر وَلَا يعثر عَلَيْهِ إِلَّا المتبحر [١٧ / ب] فِي اللُّغَة. وَذُهُول / الْبَعْض عَنهُ لَا يَنْفِيه عَن اللُّغَة.
[ ١ / ٢٢٠ ]
[١٥٢] فَإِن قيل: لَيْسَ فِي لُغَة الْعَرَب اسْم على وزن استفعل. والاستبرق لَا نَظِير لَهُ فِي وَضعه ووزنه.
قيل: وَكم من اسْم شَاذ فِي وضع اللُّغَة لَا نَظِير لَهُ. وَانْتِفَاء نَظِيره لَا يَنْفِيه عَن أصل اللُّغَة. وَذَلِكَ نَحْو قرعبلانة وذويل وصعفوق وخذعل فَإِن فعلالا إِنَّمَا يكون فِي المضاعف كالزلزال.
[ ١ / ٢٢١ ]