[١٧١] اعْلَم، وفقك الله أَن الْأَسْمَاء والألفاظ منقسمة. فَمِنْهَا مَا وضع لإِفَادَة معنى وَاحِد وَلم يسْتَعْمل عرفا فِي غَيره فَلَا يُفِيد فِي الْإِطْلَاق إِلَّا مُقْتَضَاهُ وَمِنْهَا: مَا وضع فِي أصل اللُّغَة لمعنيين فَصَاعِدا. ثمَّ ذَلِك يَنْقَسِم فَمِنْهُ
[ ١ / ٢٣٠ ]
مَا يُنبئ عَن أَشْيَاء متماثلة وَمِنْه مَا يُنبئ عَن معَان مُخْتَلفَة فَالَّذِي يُنبئ عَن أَشْيَاء متماثلة فَهُوَ نَحْو قَوْلك. السوَاد وَالْبَيَاض. فالسواد يُنبئ عَن آحَاد جنسه وَكَذَلِكَ كل مَا يضاهيه وَأما الَّذِي يُنبئ عَن معَان مُخْتَلفَة فنحو الْعين والقرن والبيضة والقرء، فَإِنَّهُ على الْأَصَح مُتَرَدّد بَين الطُّهْر وَالْحيض. وَمِمَّا يلْتَحق بِهَذَا الْقسم أَن اللَّفْظَة قد تُوضَع فِي أصل اللُّغَة لِمَعْنى وَاحِد ثمَّ تسْتَعْمل فِي غير ذَلِك تجوزا، وَذَلِكَ نَحْو اللَّمْس بِالْيَدِ وَغَيرهَا ثمَّ اسْتعْمل مجَازًا فِي الوطئ. وَكَذَلِكَ النِّكَاح حَقِيقَة الوطئ فِي أصل اللُّغَة ثمَّ غلب اسْتِعْمَاله فِي إِرَادَة العقد وَمن الْأَلْفَاظ المنقسمة بَين معَان قَوْلك أَي شَيْء يحسن زيد. يَنْقَسِم إِلَى الِاسْتِفْهَام وَإِلَى الازدراء بِمَا يُحسنهُ وَإِلَى التَّعْظِيم لما يُحسنهُ.
[١٧٢] ثمَّ اعْلَم بعد ذَلِك كُله أَن كل لَفْظَة تنبئ عَن مَعْنيين فَإِن كَانَا متناقضين لَا يتَحَقَّق اجْتِمَاعهمَا فَلَا تجوز إرادتهما باللفظة الْوَاحِدَة وكل مَعْنيين غير متناقضين تنبئ اللَّفْظَة عَن كل وَاحِد مِنْهُمَا فَتجوز إرادتهما باللفظة وَإِن أطلقت مرّة وَاحِدَة. ثمَّ كَمَا يجوز إِرَادَة مَعْنيين بِلَفْظَة وَاحِدَة وضعت لَهما حَقِيقَة فَكَذَلِك يجوز إِرَادَة مَعْنيين بِلَفْظ هُوَ حَقِيقَة فِي أَحدهمَا مجَاز فِي الثَّانِي وإيضاح ذَلِك بالأمثلة أَن قَول الْقَائِل «افْعَل» . عِنْد منكري
[ ١ / ٢٣١ ]
الصِّيغَة مُتَرَدّد بَين الْإِبَاحَة والإيجاب وَالنَّدْب والزجر وَغير ذَلِك. فَلَا تصح إِرَادَة هَذِه الْمعَانِي باللفظة الْوَاحِدَة لتناقضها وَالْعين لما ترددت بَين معَان مُخْتَلفَة لَا تتناقض فَتَصِح إرادتهما بِاللَّفْظِ مَعَ إيجازه وَأما تَمْثِيل حمل اللَّفْظ على الْحَقِيقَة وَالْمجَاز فَهُوَ مثل اللَّمْس يجوز حمله على مُجَرّد الْمَسِيس وعَلى الوطئ مَعًا.
[١٧٣] وَفِي هَذَا الْقسم أصل تزل فِيهِ أفهام المستطرفين. وَنحن [١٩ / أ] ننبهك عَلَيْهِ، وَهُوَ أَن مُطلق هَذَا اللَّفْظ لَو خطر لَهُ قصر اللَّفْظ / على الْحَقِيقَة أَو قصر اللَّفْظ على الْمجَاز لم يتَصَوَّر الْجمع بَين الْمَعْنيين فَلَا يَتَقَرَّر اسْتِعْمَاله على حَقِيقَة مَعَ الْجمع بَينهمَا وَبَين وَجه التَّجَوُّز فَإِن الْحَقِيقَة تَقْتَضِي قصرهَا والتجوز يَقْتَضِي تعديتها عَن أصل وَضعهَا فَافْهَم ذَلِك.
وَاعْلَم أَن إِرَادَة الْجمع إِنَّمَا تصح مِمَّن لم يخْطر لَهُ التَّعَرُّض للْحَقِيقَة وَالْمجَاز وَلَكِن يقْتَصر على إِرَادَة الْمَسِيس من غير تعرض لوجه الِاسْتِعْمَال حَقِيقَة وتجوزا. [١٧٤] فَهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ مَذَاهِب المحققة وجماهير الْفُقَهَاء؟
[ ١ / ٢٣٢ ]
[١٧٥] وَزعم ابْن الجبائي من الْمُعْتَزلَة وشرذمة من أَصْحَاب أبي حنيفَة أَنه لَا يجوز إِرَادَة مَعْنيين بِلَفْظَة وَاحِدَة تطلق مرّة وَاحِدَة، سَوَاء كَانَت حَقِيقَة فيهمَا أَو مجَازًا أَو حَقِيقَة فِي أَحدهمَا مجَازًا فِي الثَّانِي.
[ ١ / ٢٣٣ ]
[١٧٦] وَالَّذِي يُوضح الْحق فِي ذَلِك عَلَيْهِم أَن نقُول أَنْتُم لَا تخلون إِمَّا أَن تَقولُوا يَسْتَحِيل من مُطلق اللَّفْظ الْمُشْتَرك إِرَادَة الْمَعْنيين مَعًا، وَإِمَّا أَن تَقولُوا لَا يَسْتَحِيل مِنْهُ إرادتهما وَلَكِن لَا يفهم من مُطلق اللَّفْظ جمع الْمَعْنيين من غير قرينَة. فَإِن قُلْتُمْ يَسْتَحِيل إِرَادَة الْمَعْنيين جَمِيعًا فَهَذَا قرب مِنْكُم من جحد الضَّرُورَة والمعهود فِي الْمَعْقُول. فَإنَّا نعلم قطعا جَوَاز إِرَادَة الْمُخْتَلِفين غير المتناقضين مَعًا. وجاحد ذَلِك مفصح بالعناد. وَإِن أَنْتُم زعمتم أَن ذَلِك لَا يَسْتَحِيل وَلَكِن لَا يفهم من مُطلق اللَّفْظ فَهَذَا مَا نقُول بِهِ. فَإنَّا نقُول إِذا احْتمل إِرَادَة الْمَعْنيين وَاحْتمل تَخْصِيص اللَّفْظ بِأَحَدِهِمَا فَيتَوَقَّف فِي معنى اللَّفْظ على قرينَة تدل على الْجمع أَو التَّخْصِيص. وَكَيف لَا نقُول ذَلِك وَنحن على نصْرَة نفي صِيغَة الْعُمُوم.
[١٧٧] فَإِن قيل: إِذا جوزتم إِرَادَة الْمَعْنيين أفتتعلق بهما إِرَادَة وَاحِدَة أم إرادتان؟ قُلْنَا: الْأَصَح عندنَا أَن الْإِرَادَة الْحَادِثَة لَا تتَعَلَّق إِلَّا بِمُرَاد وَاحِد
[ ١ / ٢٣٤ ]
فَلَا تتَحَقَّق إِرَادَة المرادين إِلَّا بإرادتين وَهَذَا لَو أطنبنا فِيهِ لتَعلق الْكَلَام بالديانات فِي حقائق صِفَات المتعلقات.