[١٧٨] فَأَما خطاب الله ﷿ فَاعْلَم أَنه يتَّصل بذوي الْأَلْبَاب على وَجْهَيْن من غير وَاسِطَة وَلَا تخَلّل مؤد وَرَسُول مبلغ. وَذَلِكَ تكليم الله ﷿ من حمله وحيه من مَلَائكَته. وَهُوَ نَحْو تكليم الله مُوسَى وَنَبِينَا صلوَات الله عَلَيْهِمَا. فَإِن كَانَت المخاطبة على هَذَا الْوَجْه فَلَا طَرِيق إِلَى مَعْرفَتهَا والإحاطة بعلمها إِلَّا الِاضْطِرَار. فَإِذا كلم الله عبدا من عباده يضطره إِلَى الْعلم بِأَن مخاطبه رب الْعَالمين ويبدع لَهُ الْعلم الضَّرُورِيّ بِأَن مَا سَمعه كَلَام الله تَعَالَى.
وَالدَّلِيل على تَحْقِيق مَا قُلْنَاهُ أَن كَلَام الرب ﷾ يُخَالف الْأَجْنَاس فَلَا يتبلغ بِمَعْرِفَة ضروب الْكَلَام إِلَى معرفَة كَلَامه وَلَا يتَوَصَّل باللغات / والمواضعات على الإطلاقات والعبارات إِلَى الْعلم بِكَلَامِهِ سُبْحَانَهُ [١٩ / ب] وَتَعَالَى. فَإِنَّهُ يُخَالف الْعبارَات، وَجُمْلَة ضروب الْكَلَام واللغات، وَلَا تدل على كَلَامه دلَالَة عقلية، نَحْو دلَالَة الْحُدُوث على الْمُحدث والاتقان على الْعلم والتخصيص على المريد فَلَا تبقي طَريقَة فِي مدرك الْعلم بِكَلَامِهِ سوى الِاضْطِرَار.
[ ١ / ٢٣٥ ]
[١٧٩] فَإِن قيل: فَلَو قرن خطابه مَعَ انْتِفَاء الوسائط بِالْآيَاتِ الظَّاهِرَة والمعجزات الباهرة أفتدل؟
قيل: مَا نرى أَنَّهَا تدل، فَإِنَّهُ لَا تعلق لمبدعات الرب تَعَالَى وصنائعه بِكَوْن المسموع كَلَامه. وَإِنَّمَا تدل المعجزات على صدق الْأَنْبِيَاء ﵈ لاقتران التحدي مَعَ عجز الَّذين تعلق بهم التحدي عَن الْمُقَابلَة والمعارضة. فَلَو خضنا فِي وَجه دلَالَة المعجزة على الصدْق لخرج عَن الْمَقْصُود. وَهُوَ مِمَّا يتَعَلَّق بالديانات.
[١٨٠] وَقد ذهب القلانسي وَعبد الله بن سعيد وَغَيرهمَا من سلفنا أَن نفس سَماع كَلَام الله تَعَالَى يعقب الْعلم بِهِ لَا محَالة.
قَالَ القَاضِي ﵁ وَهَذَا مِمَّا لَا أرتضيه وأجوز سَماع كَلَام الله تَعَالَى مَعَ الذهول عَن كَونه كلَاما لله تَعَالَى، فَلَا طَرِيق مَعَ تَقْدِير انْتِفَاء
[ ١ / ٢٣٦ ]
الوسائط يُوصل إِلَى الْعلم إِلَّا الِاضْطِرَار، فَلَو خَاطب الرب تَعَالَى عَبده من غير توَسط مبلغ وَرَسُول.
[١٨١] فَأَما الْوَجْه الثَّانِي من الْخطاب فَهُوَ الَّذِي يتَّصل بالمخاطبين من جِهَة الرُّسُل المبلغين، فَمَا هَذَا سَبيله تترتب مَعْرفَته على الْعلم بِصدق الْمُرْسل أَولا وَوُجُوب عصمته عَن الْخلف فِي التَّبْلِيغ. وَإِنَّمَا يتَبَيَّن ذَلِك بالمعجزات فَإِذا استيقن الْمُكَلف صدق [الْمبلغ] فِيمَا بلغه.
[١٨٢] ثمَّ صِيغ الْكَلَام تَنْقَسِم إِلَى نُصُوص ومحتملات. فَأَما النُّصُوص على مَذْهَبنَا لم يُتَابع عَلَيْهِ فتستقل بأنفسها فِي إثارة الْمعَانِي أَمر لذاته فِي دَرك المُرَاد مِنْهَا حَتَّى تقترن بهَا قرينَة من حَال أَو مقَال تَقْتَضِي تَحْقِيق المُرَاد بهَا، على مَا ستأتيك الْقَرَائِن ومنازلها فِي أَبْوَاب الْعُمُوم وَالْخُصُوص وأبواب الْأَوَامِر والنواهي. فَهَذَا وَجه انقسام معرفَة خطاب الله تَعَالَى.
[١٨٣] فَأَما معرفَة خطاب رَسُوله [ﷺ] فينقسم أَيْضا إِلَى شفَاه ووجاه وَإِلَى مَا يبلغ عَنهُ. فَأَما مَا خَاطب بِهِ من عاصره وجاها فَمِنْهُ مَا كَانَ نصا علم المخاطبون مَعْنَاهُ وفحواه قطعا. وَمِنْهَا مَا كَانَ مُحْتملا فِي نَفسه، ووضح لديهم مَعْنَاهُ بقرائن الْحَال. وَمِنْه مَا بَقِي على الِاحْتِمَال وَلم [يتَّفق] فِيهِ استفصال وَهَذَا الْقَبِيل يتَعَلَّق بالوعد والوعيد وأنباء الْآخِرَة، فَإِنَّهُ [ﷺ] مَا كَانَ
[ ١ / ٢٣٧ ]
ينْطق بِمَا يُنبئ عَن الشَّرْع إِلَّا ويوضحه على مَا نقرر التَّحْقِيق فِي ذَلِك فِي أَبْوَاب الْبَيَان إِن شَاءَ الله ﷿.
وَأما مَا يبلغ عَنهُ فينقسم إِلَى تَوَاتر وآحاد واستفاضة. ثمَّ يَنْقَسِم [٢٠ / أ] الْمَنْقُول / إِلَى نَص ومحتمل فَهَذَا وَجه الْإِيمَاء إِلَى جمل مدارك خطاب الله وَرَسُوله وتفصيلها يَأْتِي فِي مُعظم أَبْوَاب الْكتاب.
[ ١ / ٢٣٨ ]