[٢٠٢] اعْلَم أَن الْإِبَاحَة هِيَ الْإِذْن المتضمن تَخْيِير الْمُخَاطب بَين فعل الشَّيْء وَتَركه الْجَارِي مجْرَاه فِي الْإِبَاحَة من غير تَخْصِيص ذمّ وَلَا مدح
[ ١ / ٢٥٠ ]
بِأَحَدِهِمَا وَأما الْأَمر فقد سبق تَحْقِيقه وَإِذا جمعت بَين الحقيقتين تميزتا / [٢٢ / أ] وامتاز أحد الْبَابَيْنِ عَن الآخر.
[٢٠٣] وَذهب الكعبي وشيعته إِلَى أَن الْمُبَاح مَأْمُور بِهِ وَأَن الْأَمر بِهِ دون رُتْبَة الْإِيجَاب وَالنَّدْب. وَالْأَمر على سَبِيل النّدب دون الْأَمر على سَبِيل الْإِيجَاب.
[٢٠٤] ثمَّ اعْلَم أَنه [و] إِن أطلق اسْم الْأَمر على الْإِبَاحَة وَاسم الْمَأْمُور بِهِ على الْمُبَاح فَلَا يُسمى الْمُبَاح وَاجِبا وَلَا الْإِبَاحَة
[ ١ / ٢٥١ ]
إِيجَابا.
[٢٠٥] فَأول مَا نفاتحه أَن نقُول الْأَمر عندنَا هُوَ اقْتِضَاء الطَّاعَة، وَالْإِبَاحَة هِيَ الْإِذْن على النَّعْت الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي صدر الْبَاب. فَأَنت أَيهَا الكعبي هَل تدرج الْإِبَاحَة فِي حَقِيقَة الْأَمر حَتَّى تزْعم أَنَّهَا اقْتِضَاء للطاعة أَو لَا تَقول ذَلِك. فَإِن أَنْت زعمت أَنَّهَا اقْتِضَاء الْفِعْل على سَبِيل الطَّاعَة فقد راغمت الْحَقَائِق، فَإنَّا نعلم بديهة وقطعا أَن تَخْيِير الْمُخَاطب بَين الشَّيْء وَتَركه المتساويين فِي جملَة أَحْكَام التَّكْلِيف لَا يتَضَمَّن اقْتِضَاء طَاعَة بل هُوَ تَخْيِير وَلَيْسَ باقتضاء وَدُعَاء إِلَى فعل، وَالَّذِي يُوضح ذَلِك مَا لَا محيص عَنهُ. وَهُوَ أَن نقُول إِن اقْتَضَت الْإِبَاحَة اقْتِضَاء وَدُعَاء فَلَا تَخْلُو إِمَّا أَن تَقْتَضِي دُعَاء إِلَى الْفِعْل وَتَركه جَمِيعًا. وَذَلِكَ متضاد يَسْتَحِيل الدُّعَاء إِلَيْهِ. وَإِمَّا أَن تَتَضَمَّن اقْتِضَاء أَحدهمَا وَذَلِكَ محَال، فَإِنَّهُ لَا يعين وَاحِد مِنْهُمَا فِي حكم الِاقْتِضَاء إِلَّا ويسوغ قلب الدَّعْوَى فِي الثَّانِي. وَإِن قَالَ الْخصم: هُوَ اقْتِضَاء لأَحَدهمَا لَا بِعَيْنِه كَانَ محالا. وَذَلِكَ أَن الْإِبَاحَة تَقْتَضِي تَفْوِيض الْأَمر إِلَى مشْيَة من أُبِيح لَهُ وَلَيْسَ فِيهَا دعاؤه إِلَى مَا فوض إِلَى خيرته لَا على سَبِيل الْإِجْمَال وَلَا على سَبِيل التَّعْيِين. وَمن أنصف علم أَن قَول الْقَائِل: أَدْعُوك إِلَى أحد الْفِعْلَيْنِ، فَهَذَا القَوْل مُخَالف لقَوْل الْقَائِل: أبحث لَك الْفِعْلَيْنِ جَمِيعًا، وجاحد ذَلِك ينْسب إِلَى العناد وَالْخُرُوج.
[٢٠٦] فَإِن قَالَ الكعبي: ترك الْمَحْظُور مَأْمُور بِهِ وفَاقا وَمَا من مُبَاح إِلَّا وَهُوَ ترك لمحظور فَلَزِمَ من ذَلِك كَونه مَأْمُورا بِهِ.
[ ١ / ٢٥٢ ]
قيل لَهُم: هَذَا الَّذِي ذكرتموه بَاطِل. فَأول مَا يلزمكم عَلَيْهِ أَن نقُول: قد وافقتمونا على أَن الْمُبَاح لَا يُوصف بِالْوُجُوب وزعمتم أَنه فِي كَونه مَأْمُورا بِهِ ينحط عَن الْمَنْدُوب إِلَيْهِ فضلا عَن الْوَاجِب. فَإِذا تمهد ذَلِك من أصلكم قُلْنَا: فَترك الْمَحْظُور وَاجِب كَمَا أَنه مَأْمُور بِهِ فَهَلا زعمتم أَن الْمُبَاح وَاجِب من حَيْثُ أَنه ترك للمحظور وَترك الْمَحْظُور وَاجِب وفَاقا، فقد انعكس عَلَيْكُم فِي الْوُجُوب مَا ألزمتمونا فِي كَون الْمُبَاح مَأْمُورا بِهِ. وسنوضح القَوْل إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي ذَلِك بعد مَا كَفَيْنَاك مُؤنَة الْخصم فِي الْبَاب المنطوي على إِيجَاب شَيْء من جملَة أَشْيَاء لَا بِعَيْنِه.