[٣٠٣] اعْلَم، وفقك الله أَن من قَالَ: إِن الْأَمر يَقْتَضِي التّكْرَار واستغراق الْأَوْقَات فَلَا يُفِيد فرض الْخلاف مَعَه فِي الْفَوْر والتراخي فَإِن من حكم استغراق الْأَوْقَات اندراج الْوَقْت المتعقب لِلْأَمْرِ تَحت قَضيته فِي الْإِيجَاب وَالنَّدْب.
[٣٠٤] فَأَما من زعم أَن مُطلق الْأَمر يَقْتَضِي الِامْتِثَال مرّة وَاحِدَة فقد اخْتلفُوا فِي الْفَوْر والتراخي فَذَهَبت طَائِفَة من الْعلمَاء إِلَى أَن الْأَمر يَقْتَضِي الِامْتِثَال على الِاتِّصَال والفور والمبادرة بِلَا فسحة، وَلَا تَأْخِير، إِن لم يصد عَن الِامْتِثَال مَانع،
[ ١ / ٣٢١ ]
وَإِلَيْهِ مَال مُعظم أَصْحَاب أبي حنيفَة ﵀. وَذهب الْأَكْثَرُونَ إِلَى
[ ١ / ٣٢٢ ]
إِن الْأَمر لَا يَقْتَضِي الِامْتِثَال فَوْرًا وَلَكِن يَقْتَضِي فعل الْمَأْمُور بِهِ فِي أَي وَقت يقدر إِمَّا معجلا وَإِمَّا مُؤَخرا.
[٣٠٥] ونرى الْمُحَقِّقين من الْأُصُولِيِّينَ يتسامحون فِي عبارَة لَا نرتضيها وَهِي أَن نفاة الْفَوْر يعبرون عَن أصلهم فَيَقُول: الْأَمر يَقْتَضِي التَّرَاخِي وَكَثِيرًا مَا يُطلقهُ القَاضِي ﵁ فِي مصنفاته وَوجه الدخل فِيهَا أَن ظَاهر قَول الْقَائِل: الْأَمر على التَّرَاخِي، يُنبئ عَن اقْتِضَاء الْأَمر تَأْخِيرا فِي الِامْتِثَال وَهَذَا مَا لم يصر إِلَيْهِ صائر وَالْأَحْسَن فِي الْعبارَة أَن نقُول: الْأَمر يَقْتَضِي الِامْتِثَال من غير تخصص بِوَقْت.
[٣٠٦] وَذَهَبت طَائِفَة من الواقفة إِلَى التَّوَقُّف فِي هَذَا الْبَاب فِي الْفَوْر
[ ١ / ٣٢٣ ]
والتراخي.
[٣٠٧] وَالْقَاضِي ﵁ قطع القَوْل بِإِبْطَال الْمصير إِلَى الوقفة فِي هَذَا الْبَاب، وأوضحه بِمَا سَنذكرُهُ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَهُوَ الْأَصَح إِذْ الْمصير إِلَى الْوَقْف فِي هَذَا الْبَاب يعود إِلَى خرق الْإِجْمَاع أَو يلْزم ضربا من التَّنَاقُض.
[٣٥ / ب] [٣٠٨] ثمَّ افْتَرَقت الواقفية فَمنهمْ / من صَار إِلَى أَنا نعلم أَنه لَو امتثل الْمَأْمُور الْأَمر فِي أول زمَان يعقبه فَيكون ممتثلا وَإِنَّمَا الْوَقْف فِي جَوَاز التَّأْخِير فِيهِ وَذَهَبت الغلاة من الوافقية إِلَى أَنا لَا نقطع القَوْل بِكَوْنِهِ ممتثلا لَو قدر مقدما على الْفِعْل الْمَأْمُور بِهِ فِي أول الزَّمَان فَهَذِهِ جملَة من الْمذَاهب.
[ ١ / ٣٢٤ ]
[٣٠٩] وَالَّذِي يَصح مِنْهَا إبِْطَال الْفَوْر وَالْوَقْف وَهَا نَحن نرد على الفئتين إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
[٣١٠] فَأَما الدَّلِيل على بطلَان القَوْل بِالْوَقْفِ فَهُوَ أَن نقُول: معاشر الواقفية! هَل تعلمُونَ أَن الْمَأْمُور لَو امتثل الْأَمر فِي أول الزَّمَان تَبرأ ذمَّته أم لَا تعلمُونَ ذَلِك؟ فَإِن قُلْتُمْ: نعلم ذَلِك، فقد نقضتم أصل الْوَقْف فَإِن الَّذِي تعولون عَلَيْهِ فِي الْمصير إِلَى الْوَقْف تَجْوِيز إِضَافَة الْأَمر إِلَى كل وَقت فَإِذا عينتم الْوَقْت الأول لِلْخُرُوجِ من قَضِيَّة الْأَمر مَعَ تَجْوِيز إِضَافَة الْأَمر إِلَى كل وَقت من الْأَوْقَات الْمُسْتَقْبلَة فقد صرحتم بِإِبْطَال الْوَقْف، وَإِن أَنْتُم قُلْتُمْ أَنا لَا نعلم ذَلِك فيلزمكم مِنْهُ مَا لَا قبل لكم بِهِ، وَذَلِكَ أَن الْأمة اجْتمعت على أَن الْأَمر إِذا ورد من صَاحب الشَّرْع مقتضيا للْإِيجَاب إِمَّا بِإِطْلَاقِهِ على مَذْهَب قوم أَو مَعَ قرائنه على مَذْهَب آخَرين فَمن ابتدر إِلَى الِامْتِثَال متسارعا مَعَ اعْتِقَاد عدم التّكْرَار فيعد ممتثلا لِلْأَمْرِ، والجاحد لذَلِك ينْسب إِلَى خرق الاجماع.
[٣١١] وَالَّذِي يُوضح ذَلِك فِي إِطْلَاق الْعرف أَن من أطلق أمرا فابتدر الْمُخَاطب بِهِ إِلَى الِامْتِثَال فَإِنَّهُ يعد ممتثلا فِي أصل اللُّغَة ووضعها واستعمالها وَعرفهَا. ومنكر ذَلِك كمنكر مَا اتّفق عَلَيْهِ أَرْبَاب اللُّغَات.
[٣١٢] وَمِمَّا يُوضح ذَلِك أَن نقُول: لَو سبق الْحَظْر فِي شَيْء ثمَّ ثَبت إِيجَابه من غير تعرض للأوقات فَإِذا توقفتم فِي الْوَقْت الأول لزمكم أَن تَقولُوا: لَا يجوز الْإِقْدَام على الِامْتِثَال استصحابا للحظر السَّابِق ثمَّ إِذا أفصحتم بذلك فِي الْوَقْت الأول لزمكم مثله فِي سَائِر الْأَوْقَات الْمُسْتَقْبلَة وَمِثَال ذَلِك اسْتِدَامَة الْحَظْر فِي جملَة الْأَوْقَات، فَإِن قَالُوا: إِذا كَانَ الْأَمر على مَا صورتموه فيتقيد بِالْوَقْتِ الْمعِين معجلا أَو مُؤَخرا.
[ ١ / ٣٢٥ ]
قيل لَهُم: أفتجوزون [التَّقْيِيد] على مَا ذكرتموه وتجوزون نفي [التَّقْيِيد] أَو توجبون [التَّقْيِيد] وَلَا توجبون انتفاءه فِي الْأَمر الَّذِي فرض الْكَلَام عَلَيْكُم فِيهِ؟ . فَإِن زعمتم أَن تقيده لَا يجب، فبمَا ألزمناكم أَو لَا لَازِما لكم، وَلَا تَجِدُونَ عَنهُ محيصا، وَإِن قُلْتُمْ أَن تَقْيِيده وَاجِبا فَهَذَا بَاطِل من وَجْهَيْن، أَحدهمَا أَن مصيركم إِلَى الْوَقْف قادكم إِلَى القَوْل بِنَفْي الْوَقْف فِي الصُّورَة الَّتِي ذَكرنَاهَا فَإِن التَّقْيِيد لَو قدر واستقل الْخطاب فَيَنْتَفِي [٣٦ / أ] مَعَ ذَلِك القَوْل بِالْوَقْفِ. وَأَيْضًا فَإِن الْأَمر إِن قيد بالامتثال / فِيهِ بِوَقْت متراخ فَلَا تَخْلُو إِمَّا أَن توجبوا تَقْيِيد الْأَمر بِالْوَقْفِ الَّذِي سَيَأْتِي فِي أول مورد الْأَمر، أَو لَا توجبون التَّقْيِيد إِلَّا مَعَ الْوَقْت الْمعِين للامتثال، وَإِن أَنْتُم زعمتم أَنه يجب اقتران الْأَمر فِي مورده بالتقييد وَوقت الِامْتِثَال متراخ فَهَذَا مصير إِلَى
[ ١ / ٣٢٦ ]
وجوب الْبَيَان قبل الْحَاجة وأصل الْوَقْف مَعَ هَذَا الأَصْل يتباعد [أَي] تبَاعد على مَا سنذكر فِي بَاب الْبَيَان وتفصيل الْمذَاهب إِن شَاءَ الله ﷿. وَإِن زعمتم أَن التَّقْيِيد يقارن الْوَقْت الْمعِين للامتثال.
فَقبل وُرُود التَّقْيِيد يتَعَيَّن الْكَفّ لما قدمْنَاهُ من تَصْوِير تقدم الْحَظْر ثمَّ إِذا تعين الْكَفّ فَهَذَا إبِْطَال للْوَقْف ومصير إِلَى حكم معِين وَهَذَا وَاضح لَا خَفَاء بِهِ.
[٣١٣] وَمن أوضح مَا يتَمَسَّك بِهِ فِي إبِْطَال القَوْل بِالْوَقْفِ وَهُوَ صدر أدلتنا فِي إبِْطَال القَوْل بالفور وَذَلِكَ أَنا نقُول: إِذا ورد الْأَمر مُطلقًا وَلم يتَضَمَّن تَسْرِيح لَفظه وَلَا تضمنه من حَيْثُ مُقْتَضى اللَّفْظ التَّعَرُّض للأوقات وَإِنَّمَا أنبأ عَن امْتِثَال الْفِعْل.
وَمَعْلُوم أَن الْأَوْقَات يُرَاد بهَا قبيل من أَفعَال الله ﷿ على مَا خَاضَ فِيهِ الْمُحَقِّقُونَ فِي علم الديانَات، فَإِذا ثَبت أَنَّهَا من أَفعَال الله تَعَالَى وَثَبت أَن الْأَمر لَا يُنبئ عَنْهَا صَرِيحًا وَلَا ضمنا على مَا سنوضحه فِي الرَّد على الْقَائِلين بالفور بعد تمهيد ذَلِك: [توقف] مُقَارنَة الْفِعْل وقتا من الْأَوْقَات [كتوقف] مُقَارنَة الْفِعْل سَائِر أَفعَال الله تَعَالَى. فَلَو سَاغَ التَّوَقُّف فِي الْأَوْقَات سَاغَ التَّوَقُّف فِي سَائِر الْأَفْعَال حَتَّى يُقَال: إِذا ورد الْأَمر بِفعل
[ ١ / ٣٢٧ ]
فَيتَوَقَّف الْمَرْء فِي الِامْتِثَال حَتَّى يرد الْبَيَان بَيَان السَّمَاء فِي وَقت الِامْتِثَال متغيمة أَو مصحية والنجوم آفلة أم طالعة والأراضي مُجْدِبَة أَو مخصبة إِلَى غير ذَلِك من تبدل الصِّفَات المعنوية على سَائِر الْجَوَاهِر من أَفعَال الله ﷿ فَإِن ركبُوا التَّوَقُّف فِي ذَلِك باهتوا وَقطع الْكَلَام عَنْهُم وَإِن لم يتوقفوا لم يَجدوا عَنْهَا محيصا.
[٣١٤] وَقد طرد بعض الْأُصُولِيِّينَ عَلَيْهِم مَا ذَكرْنَاهُ فِي معرض يبْقى مَعَه ضرب من اللّبْس وَهُوَ أَنه قَالَ فِي تَحْقِيق الْمَقْصُود بالمثال: وَلَو قَدرنَا وُرُود الْأَمر بالمكث حَتَّى يُقَال امْكُث صَائِما أَو مُفطرا قَائِما أم قَاعِدا إِلَى غير ذَلِك من صِفَاته وَهَذَا لعمري سديد، وَلَكِن لَا يلْزم من ركُوبه مَا يلْزم من
[ ١ / ٣٢٨ ]
ركُوب مَا قدمْنَاهُ فِي أَفعَال الله تَعَالَى الْخَارِجَة عَن مقدراتنا، والأوقات مِنْهَا، فاجتزى بِمَا قدمْنَاهُ فَإِنَّهُ يحسم الْبَاب.
[٣١٥] ثمَّ اعتضد بعض الْأُصُولِيِّينَ بِقصَّة بني إِسْرَائِيل فِي الْبَقَرَة الَّتِي أمروا بذبحها وادعو على الواقفية أَنهم لَو اجتزوا بِمَا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الْبَقَرَة أَولا لكانوا / ممتثلين وَلَكِن رُبمَا تمنع الواقفية ذَلِك فَالْأَحْسَن أَن يُقَال لَهُم: [٣٦ / ب] فَمَا لَهُم لم يستفصلوا عَن كَيْفيَّة الذّبْح وَعَن قد الْبَقَرَة وَحدهَا وَسَائِر نعوتها، فَإِن مَا ذَكرُوهُ أقل مَا تَرَكُوهُ من صفاتها، فَبَطل الْمصير إِلَى الْوَقْف، وبقى الْكَلَام بَين الصائرين إِلَى الْفَوْر، والمبطلين الْمصير إِلَى الْفَوْر.
[٣١٦] وَالدَّلِيل على بطلَان القَوْل بالفور أَن نقُول: إِذا ورد الْأَمر مقتضيا للْفِعْل فَلَيْسَ يُنبئ عَن الْوَقْت وَذَلِكَ أَن إنباء اللَّفْظ عَن الشَّيْء يَنْقَسِم إِلَى صَرِيح وَضمن وَلَا استرابة فِي تعري اللَّفْظ الْمُطلق عَن ذكر الْأَوْقَات صَرِيحًا فَإِذا بَطل ذَلِك لم يبْق للخصوم إِلَّا ادِّعَاء الضمن فَيُقَال: إِنَّمَا يَجْعَل اللَّفْظ متضمنا لشَيْء إِذا أنبأ صَرِيحه عَمَّا لَا يتم الْمُصَرّح بِهِ إِلَّا بِهِ، وَالْأَمر الْمُطلق لَيْسَ يُنبئ عَن تعْيين وَقت لَا يتم الْمَأْمُور بِهِ إِلَّا
[ ١ / ٣٢٩ ]
بِهِ فَإِذا بَطل الْوَجْهَانِ ثَبت أَن الْأَمر لَيْسَ يُنبئ عَن وَقت معِين وَجُمْلَة الْأَوْقَات مُتَسَاوِيَة فِي مضمونه وَقد بَطل الْمصير إِلَى الْوَقْت فَلَا يبْقى إِلَّا الْمصير إِلَى الِامْتِثَال فِي وَقت كَانَ معجلا أَو مُؤَخرا وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَن الرجل لَو قَالَ لمخاطبه اضْرِب شخصا وَاسم الشَّخْص لَا يتَعَيَّن فِي حق وَاحِد فَأَي شخص ضرب كَانَ متمثلا، وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ اضْرِب أَو أوجبت عَلَيْك ضربا وَلم يتَعَرَّض للمضروب تَصْرِيحًا وَلَا ضمنا فَأَي مَضْرُوب ضرب كَانَ ممتثلا لِأَن اللَّفْظ عَار عَن التَّخْصِيص وَالتَّعْيِين وكل من يَتَّصِف بِكَوْنِهِ مَضْرُوبا يتساوي فِي حكم الْأَمر فاستحال تعين وَاحِد من مُقْتَضى الْأَمر فَكَذَلِك الْأَوْقَات فِي امْتِثَال الْأَمر الْمُطلق.
[٣١٧] وَاعْلَم، وفقك الله أَن هَذِه الدّلَالَة لَا معترض عَلَيْهَا بيد أَنَّهَا لَا تصفو لَك إِلَّا بعد أَن تتقصى شبه الصائرين إِلَى الْفَوْر، وتتفصى عَنْهَا، فَإِنَّهُم رُبمَا يعترضون بِشَيْء من شبههم على هَذِه الدّلَالَة.
[٣١٨] وَمِمَّا يسْتَدلّ بِهِ أَيْضا فِي إبِْطَال القَوْل بالفور أَن نقُول: قَضِيَّة اللُّغَات لَا تثبت إِلَّا نقلا، والمصير إِلَى الْفَوْر مِمَّا لم ينْقل عَن أهل اللُّغَات نصا، وَلم يدل عَلَيْهِ شَيْء من كَلَامهم إِلَّا ويقابله مَا يُنَافِيهِ وَهَذَا يقرب مِمَّا قدمْنَاهُ فِي مسئلة الْوَقْف فِي الصِّيغَة الْمُطلقَة، فَإذْ تعذر الْفَوْر لم يبْق إِلَّا الِامْتِثَال الْمُجَرّد.
[ ١ / ٣٣٠ ]
[٣١٩] فَإِن قيل: فَكَمَا لم ينْقل عَنْهُم الْفَوْر فَكَذَا لم ينْقل عَنْهُم التَّرَاخِي.
فَقيل لَهُم: وَنحن لَا نحمل الْأَمر على التَّرَاخِي على التَّعْيِين بيد أَنا نقُول: الْمَفْهُوم من اللَّفْظ الِامْتِثَال الْمُجَرّد فِي أَي وَقت كَانَ، وَهَذَا وَاضح لَا ريب فِيهِ.
[٣٢٠] وَمِمَّا يسْتَدلّ بِهِ أَن نقُول إِذا بدر الْأَمر الْمُطلق حسن من الْمَأْمُور الاستفصال فِي التَّأْخِير والاستعجال وَهَذَا من / أوضح الْبَرَاهِين على [٣٧ / أ] بطلَان تعين الْفَوْر فِي مُقْتَضى اللَّفْظ وَقد أوضحنا هَذِه الدّلَالَة فِي غير مسئلة.
[٣٢١] وَمن أقوى مَا يسْتَدلّ بِهِ مَا أومأنا إِلَيْهِ فِي الرَّد على الواقفية، وَنحن نزيده إيضاحا فِي إبِْطَال الْفَوْر، فَنَقُول: لَيْسَ الْمَعْنى بِوُقُوع الْفِعْل فِي الْوَقْت إِلَّا كَون الْوَقْت ظرفا للْفِعْل فَإِن الْأَوْقَات من أَفعَال الله ﷿ وَهِي تؤول فِي محصول القَوْل إِلَى حركات الْفلك فَلَا تعلق لَهَا بالأفعال فَلَا تعلق للأفعال بهَا، فَكَمَا لَا يتَضَمَّن مُطلق الْأَمر لتعريه عَن التَّعَرُّض لسَائِر أَفعَال الله تَصْرِيحًا وضمنا أَن يكون الْفِعْل مُقَارنًا لشَيْء مِنْهَا تعيينا، فَكَذَلِك يَنْبَغِي أَن لَا تَقْتَضِي مقارنته بِشَيْء من الْأَوْقَات تعيينا.
[٣٢٢] وَتمسك بعض أَصْحَابنَا بِمَا قدمْنَاهُ فِي مسئلة التّكْرَار عَن الْبر
[ ١ / ٣٣١ ]
والحنث فَقَالُوا: إِذا قَالَ الْقَائِل: وَالله لأصلين لم يتخصص بره بِالْوَقْتِ المتعقب ليمينه فَكَذَلِك الِامْتِثَال. واعتضدوا أَيْضا بالألفاظ المنبئة عَن الْأَفْعَال فِي الِاسْتِقْبَال نَحْو قَوْلك، سيقوم زيد أَو يقوم زيد، فَإِن هَذَا لَا يُنبئ عَن وَقت معِين وَالْأولَى الِاحْتِرَاز بِمَا قدمْنَاهُ فَإِن الْمصير إِلَى مثل ذَلِك يلْزم تثبيت اللُّغَات بِالْقِيَاسِ.
[٣٢٣] شبه الْقَائِلين بالفور: من عمدهم فِي إِثْبَات الْفَوْر أَن قَالُوا: إِذا ورد الْأَمر مُطلقًا وجوزتم تَأْخِير الِامْتِثَال وَلم توجبوا المسارعة والابتدار إِلَى الِامْتِثَال فِي أول وَقت الْإِمْكَان، وزعمتم أَن الْأَوْقَات مُتَسَاوِيَة فَإِذا اخترم الْمُكَلف لم يخل إِمَّا أَن تَقولُوا: لَا يعْصى بِالتّرْكِ مَعَ سبق الْإِمْكَان مِنْهُ، وَإِمَّا أَن تَقولُوا يعْصى بِالتّرْكِ، فَإِن قُلْتُمْ إِنَّه لَا يعْصى بِالتّرْكِ فقد صرحتم بِنَفْي الْوُجُوب وألحقتم الْوَاجِب فِي هَذِه الصُّورَة بالنفل، فَإِن زعمتم أَنه يعْصى فَلَا تخلون إِمَّا أَن تَقولُوا يعْصى بِالتَّأْخِيرِ عَن أول وَقت الْإِمْكَان [أَو لَا] فَإِن
[ ١ / ٣٣٢ ]
قُلْتُمْ يعْصى بِالتَّأْخِيرِ عَن أول وَقت الْإِمْكَان فَهَذَا التَّصْرِيح مِنْكُم بالفور وَإِن قُلْتُمْ يعْصى بِالتَّأْخِيرِ عَن أَوسط الْوَقْت فَهَذَا محَال فَإِنَّكُم جوزتم لَهُ التَّأْخِير عَنْهَا وفسحتم ذَلِك [لَهُ] أَولا، فيستحيل مِنْكُم ان تعصوه آخرا، وَإِن زعمتم أَن آخر وَقت الْإِمْكَان يتَعَيَّن للامتثال فقد أبطلتم كل مَا عَلَيْهِ عولتم فَإِن معولكم على تَسَاوِي الْأَوْقَات وَعدم إنباء اللَّفْظ عَن تعْيين شَيْء مِنْهَا وَالْوَقْت الآخر كَالَّذي تقدمه من الْأَوْقَات، قَالُوا فَإِذا بطلت هَذِه الْأَقْسَام لم يبْق إِلَّا الْمصير إِلَى الْفَوْر.
[٣٢٤] وَهَذَا من أعظم شبه الْقَوْم، وَقد زل فِي الِانْفِصَال عَنْهَا مُعظم الصائرين إِلَى التَّرَاخِي، فطريقنا ان نقرر عَلَيْهِم من قَوْلهم فِي تقسيمهم مَا يقارن الصِّحَّة، ونعترض على مَوضِع الْبطلَان مِنْهُ. فَأَما مَا ذَكرُوهُ فِي تضاعيف كَلَامهم من بطلَان القَوْل بِأَنَّهُ يعْصى بِالتَّأْخِيرِ عَن أَوسط الْوَقْت فَهُوَ على مَا ذَكرُوهُ وَكَذَلِكَ لَا نحكم / عَلَيْهِ بالمعصية بِالتَّأْخِيرِ عَن أول الْوَقْت [٣٧ / ب] وَلَا نقُول أَيْضا أَن آخر وَقت الْإِمْكَان يتَعَيَّن للامتثال عَن التَّضْيِيق حَتَّى نعصيه فِي التّرْك فَلَا يبْقى مِمَّا قسموه إِلَّا قَوْلهم إِنَّه إِذا لم يعْص الْتحق الْمَأْمُور بِهِ بالنوافل فَيُقَال لَيْسَ الْأَمر على مَا ذكرتموه وَذَلِكَ أَن النَّفْل لَا يكون نفلا لجَوَاز تَركه إِذْ لَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ الْمُبَاح نفلا وَلَا يكون النَّفْل نفلا لكَون فعله خيرا من تَركه مَعَ جَوَاز تَركه فَإِن الْفَرْض الَّذِي وسع وقته كَالصَّلَاةِ المخصصة
[ ١ / ٣٣٣ ]
بِوَقْت مضبوط الأول وَالْآخر يجوز تَأْخِيرهَا عَن أول الْوَقْت، والابتدار إِلَيْهَا خير فِي أول الْوَقْت وَيجوز تَركهَا فِيهِ، ثمَّ لَا يتَضَمَّن ذَلِك نفي الْوُجُوب عَن الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت لما سنقرره إِن شَاءَ الله ﷿ بعد ذَلِك.
[٣٢٥] فَإِن قيل: فَبِمَ ينْفَصل النَّفْل عَن الْفَرْض إِذا، قيل لَهُم ينْفَصل النَّفْل عَن الْفَرْض بأَشْيَاء نذكرها فِي موَاضعهَا وَلَكِن نذْكر هُنَا مَا يَقع بِهِ الِاسْتِقْلَال فَنَقُول النَّفْل يجوز تَركه أبدا إِلَى غير بدل، وَالْفَرْض لَا يجوز تَركه إِلَّا إِلَى بدل إِن كَانَ مُطلقًا غير مضيق.
[٣٢٦] فَإِن قيل: إِذا أخر الْحَج مثلا أَو الْكَفَّارَة حَتَّى اخترمته الْمنية فَمَا بدل الْكَفَّارَة المتروكة؟ قيل لَهُم: الْأَوْقَات لعصي، فَكَذَلِك لَو تَركهَا
[ ١ / ٣٣٤ ]
وَترك الْعَزْم على الِامْتِثَال فنعصيه، فقد افترق النَّفْل وَالْفَرْض فِي ذَلِك فَإِن تَارِك النَّفْل لَا يعْصى مَعَ ترك الْعَزْم وتارك الْفَرْض الْمُطلق يعْصى مَعَ ترك الْعَزْم.
[٣٢٧] وَكَذَلِكَ يُفَارق الْفَرْض النَّفْل فِي أَن تَارِك الْفَرْض [لَا] يعْصى بِتَرْكِهِ إِذا أَتَى بِبَدَل عَنهُ وَهُوَ الْعَزْم أَو أَتَى بِمثلِهِ فِي مُسْتَقْبل الْأَوْقَات، فانتفاء الْمعْصِيَة عَنهُ مَشْرُوط بِبَدَلِهِ وَانْتِفَاء الْمعْصِيَة عَن تَارِك النَّفْل غير مَشْرُوط بِشَيْء من ذَلِك.
[٣٢٨] فَإِن قيل: فَمَا معولكم فِي ذَلِك كل مَا قدمتموه على الاعتضاد بِمُطلق اللَّفْظ مَعَ الْمصير إِلَى أَنه لَا يُنبئ عَن الْوَقْت صَرِيحًا وَلَا ضمنا ثمَّ أثبتم الْعَزْم وَلَا يُنبئ اللَّفْظ عَنهُ فلئن جَازَ تثبيت الْعَزْم مَعَ أَن اللَّفْظ الْمُطلق لَا يُنبئ عَنهُ جَازَ تعين الْوَقْت الأول مَعَ أَن اللَّفْظ لَا يُنبئ عَنهُ وَهَذَا أصعب سُؤال للْقَوْم.
وَالْجَوَاب عَنهُ أَن نقُول: اعلموا أَن وجوب الْعَزْم لَا يتلَقَّى من مُطلق الْأَمر وَلَكِن ثَبت ذَلِك بِدلَالَة أُخْرَى فَإِذا ثَبت ذَلِك وتهيأ رتبنا عَلَيْهِ مَا يعضده وَقد أوضحنا بِمَا سبق من الْأَدِلَّة تَسَاوِي الْأَوْقَات وَفِي ثُبُوت تساويها فِي مُقْتَضى اللَّفْظ منع تعْيين وَاحِد مِنْهَا وَلَيْسَ من شَرط تَسَاوِي الْأَوْقَات منع وَاجِب آخر سوى مَا انطوى عَلَيْهِ الْأَمر بِدلَالَة أُخْرَى تدل عَلَيْهِ، فمحصول القَوْل فِي ذَلِك إِذا يؤول إِلَى أَن تعْيين الْوَقْت يَنْفِي تَسَاوِي الْأَوْقَات وَفِي ثُبُوت
[ ١ / ٣٣٥ ]
[٣٨ / أ] تساويها فِي مُقْتَضى اللَّفْظ منع تعين / وَاحِد مِنْهَا وَلَيْسَ من شَرط تَسَاوِي الْأَوْقَات منع وَاجِب آخر سوى مَا انطوى عَلَيْهِ الْأَمر بِدلَالَة أُخْرَى تدل عَلَيْهِ، فمحصول القَوْل فِي ذَلِك إِذا يؤول إِلَى أَن تعْيين الْوَقْت يَنْفِي تَسَاوِي الْأَوْقَات وَمُطلق الْأَمر يتَضَمَّن تساويها فَفِي التَّعْيِين إبِْطَال قَضِيَّة الْأَمر وَلَيْسَ فِي إِيجَاب الْعَزْم مَا يبطل قَضِيَّة الْأَمر صَرِيحًا وَلَا ضمنا وَهَذَا بَين، فَتَأَمّله.
[٣٢٩] فَإِن قيل: ففصلوا مذهبكم فِي الْعَزْم وَانْتِفَاء الْمعْصِيَة وثبوتها.
قُلْنَا سنفرد فِي ذَلِك فصلا بعد ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى، ثمَّ نقُول: كل مَا ذكرتموه يبطل عَلَيْكُم بِمَا إِذا قَالَ الْقَائِل الْمُخَاطب للمخاطب: ألزمتك وأوجبت عَلَيْك ضربا أَو ضرب شخص فالأشخاص تتساوى فِي حكم الضَّرْب الْمَأْمُور بِهِ فَمَا من شخص يتلقاه إِلَّا وَله أَن يتعداه. ثمَّ نقُول فَمَا قَوْلكُم فِيهِ؟ مَتى يعْصى مَعَ تَسَاوِي الْأَشْخَاص؟ فقولنا فِي تَسَاوِي الْأَوْقَات كقولكم فِي تَسَاوِي أَوْصَاف المضروبين.
[٣٣٠] شُبْهَة أُخْرَى لَهُم وتداني مَا قدمْنَاهُ وَهِي أَنهم قَالُوا إِذا ورد الْأَمر مُطلقًا لم يخل من ثَلَاثَة أَحْوَال: أما أَن يَقْتَضِي تكْرَار الِامْتِثَال أَو يَقْتَضِي الِامْتِثَال على الِاتِّحَاد من غير بدل أَو يَقْتَضِي اتِّحَاد الِامْتِثَال مَعَ تَقْدِير بدل. فَإِن اقْتضى التّكْرَار واستيعاب الْأَوْقَات فَمن ضَرُورَة ذَلِك الذّهاب إِلَى الْفَوْر. وَإِن اقْتضى فعلا وَلم يتَضَمَّن بَدَلا ثمَّ تَسَاوَت الْأَوْقَات فِيهِ وَجَاز تَأْخِيرهَا فَفِي نفي ذَلِك تَصْرِيح بإلحاقها بالنوافل وَإِن اقْتضى فعلا وبدلا كَانَ [محالا] فَإِن اللَّفْظ لَا يُنبئ عَن الْبَدَل.
[ ١ / ٣٣٦ ]
قُلْنَا: أما التّكْرَار فَلَا نصير إِلَيْهِ وَلَا نَذْهَب أَيْضا إِلَى أَن [الْبَدَل] يثبت بِمُقْتَضى اللَّفْظ وَلَكِن يثبت بِاللَّفْظِ الِامْتِثَال الْمُجَرّد ثمَّ يثبت بِدلَالَة أُخْرَى الْعَزْم الَّذِي قدرناه بَدَلا وَفِيمَا قدمْنَاهُ غنية إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
[٣٣١] شُبْهَة أُخْرَى لَهُم وَهِي أَنهم قَالُوا الْأَمر الْمُطلق يَقْتَضِي الِامْتِثَال مرّة وَاحِدَة واعتقاد الْوُجُوب والعزم، ثمَّ الْعَزْم واعتقاد الْوُجُوب يثبتان على الْفَوْر وَلَا فسحة فِي تأخيرهما عَن أول وَقت الْإِمْكَان فَكَذَلِك الِامْتِثَال وَهَذَا الَّذِي ذَكرُوهُ بَاطِل من أوجه: أَحدهَا: أَن مِمَّا عولوا عَلَيْهِ الْعَزْم وَهُوَ لَا يَتَقَرَّر على مُقْتَضى أصلهم وَذَلِكَ أَن الْعَزْم إِنَّمَا يتَحَقَّق مُتَعَلقا بِشَيْء فِي الثَّانِي بِشَيْء، فَإِن ادعوا الِامْتِثَال متعقبا لمورد الْأَمر لم يتَصَوَّر الْعَزْم عَلَيْهِ مُقَارنًا لوُجُوده. وَأما الِاعْتِقَاد فَلَا يَصح التَّمَسُّك بِهِ من أوجه: أَحدهَا أَنه على التّكْرَار وَلَا يتخصص بالكرة الْوَاحِدَة والامتثال يتخصص بالكرة الْوَاحِدَة فَلَمَّا تكَرر الِاعْتِقَاد استغرق جملَة أَوْقَات الْإِمْكَان. وَالْوَجْه الآخر فِي الِانْفِصَال أَن تَقول نَحن لَا نوجب اعْتِقَاد الْوُجُوب من قَضِيَّة الْأَمر، فَإِن الْأَمر لَا يُنبئ إِلَّا عَن الِامْتِثَال وَإِنَّمَا ثبتنا وجوب / اعْتِقَاد الْوُجُوب بِدلَالَة أُخْرَى [٣٨ / ب] وَإِنَّمَا خلافنا مَعكُمْ فِي مُوجب اللَّفْظ، فَلَا يَصح أَن يثبت لموجب اللَّفْظ مَا لَا يتلَقَّى مِنْهُ وَهَذَا وَاضح فِي بطلَان مَا قَالُوهُ. ثمَّ نقُول: لَو ورد الْأَمر
[ ١ / ٣٣٧ ]
الْمُقْتَضِي للْإِيجَاب مُقَيّدا [بتجويز] تراخي الِامْتِثَال عَن مورد الْأَمر فاعتقاد الْوُجُوب عِنْد دُخُول وَقت الِامْتِثَال يتعقب الْأَمر وَإِن كَانَ الِامْتِثَال لَا يتعقبه، فَبَان افتراقهما. ثمَّ وَجه التَّحْقِيق فِي الِاعْتِقَاد أَن نقُول: مَا أطلقتموه من اعْتِقَاد الْوُجُوب لَا يزِيد على الْعلم بِالْوُجُوب وَإِذا أَمر الله ﷾ عباده بِشَيْء، فَمن شَرط توجه الْأَمر عَلَيْهِم علمهمْ بِالْأَمر ومورده أَو تمكنهم من الْعلم بِهِ، إِذْ لَا يتَحَقَّق الْإِقْدَام على الِامْتِثَال إِلَّا مَعَ الْعلم بِمَا كلف، وَإِنَّا قد قُلْنَا: إِن مَا يضاد الْعلم يُنَافِي تحقق التَّكْلِيف فَإِذا ثَبت ذَلِك فَمَا دَامَ ذَاكِرًا لِلْأَمْرِ مستجمعا لشرائط الْخطاب فَلَا يتَصَوَّر خلوه عَن الْعلم بِالْأَمر الْمُوجب وَلَو ذهل عَنهُ فِي غفلاته فَلَا نؤثمه، فَتبين من ذَلِك أَن مَا تمسكوا بِهِ من الِاعْتِقَاد وَهُوَ نفس الْعلم بورود الْأَمر على صفته. وَإِذا احطت علما بذلك سَقَطت عصمتهم.
[٣٣٢] وحقق القَاضِي ذَلِك بِأَن قَالَ إِذا توجه الْأَمر على الْمُكَلف فمقتضاه وَإِن لم يكن أَخْبَار الْإِخْبَار عَن وجوب الْفِعْل على الْمُكَلف وَقد [ثَبت] بِأَصْل الْإِيمَان إدامة تَصْدِيق الرب تَعَالَى. فَمن هَذَا الْوَجْه يَدُوم عَلَيْهِ اعْتِقَاد الْوُجُوب.
[٣٣٣] وَمِمَّا عولوا عَلَيْهِ فِي المسئلة النَّهْي، فَإِنَّهُ يتَضَمَّن هَذَا الْكَفّ
[ ١ / ٣٣٨ ]
عَن الْمنْهِي عَنهُ على الْفَوْر وكل مَا قدمْنَاهُ من طَرِيق الِانْفِصَال فِي مسئلة التّكْرَار يعود فِي المسئلة غير أَنِّي نقلت عَن القَاضِي ﵁ فِي المسئلة الأولى إِجْرَاء النَّهْي مجْرى الْأَمر من أَنه لَا يَقْتَضِي التّكْرَار وَلم أر لَهُ فِي مسئلة الْفَوْر نصا وَالْأولَى إجراؤه على الْمَعْهُود من قَول الْأَصْحَاب وَهُوَ أَنه يتَضَمَّن الْكَفّ على الْفَوْر.
[٣٣٤] وَمِمَّا استدلوا بِهِ أَن قَالُوا: إِذا زعمتم أَن الْأَمر يَقْتَضِي الِامْتِثَال مرّة وَاحِدَة فَهُوَ على التَّقْدِير فعل وَاحِد ثمَّ الْفِعْل الْمُقدر فِي أول الزَّمَان عَن الْفِعْل الْمُقدر فِي مُسْتَقْبل الْأَوْقَات فَيبْطل الْمصير إِلَى جَوَاز التَّرَاخِي القَوْل باتحاد الْفِعْل فِي الِامْتِثَال، ويؤول محصول الْكَلَام إِلَى أَن كل فعل من الْأَفْعَال المتقدرة الْوَاقِعَة فِي الْأَوْقَات المتعاقبة مَأْمُور بِهِ وَهَذَا يتناقض لِاتِّحَاد الِامْتِثَال، قيل لَهُم: هَذَا الَّذِي ذكرتموه زلل وَذَلِكَ أَنا لَا نقُول: أَن الِامْتِثَال فعل معِين وَلَكِن إِن حصل الِامْتِثَال فِي أول وَقت الْإِمْكَان فَذَلِك الأخرا فالفعل المتماثل لَهُ تَقْدِير فِي أول الْوَقْت الثَّانِي يقوم مقَامه فَكَانَ الْمَأْمُور وَاحِدًا من الْأَفْعَال المتماثلة المتغايرة المتقارنة للأوقات لَا بِعَيْنِه وَلَا يستبعد تثبيت الْإِيجَاب على هَذَا السَّبِيل، وَهَذَا / كَمَا نقُول فِي كَفَّارَة [٣٩ / أ]
[ ١ / ٣٣٩ ]
الْيَمين على مَا سنعقد فِيهَا بَابا إِن شَاءَ الله ﷿. ثمَّ مَا ذَكرُوهُ يبطل عَلَيْهِم بِمَا لَو قَالَ: اضْرِب شخصا فَإِن كل ضرب يقدر صادرا مِنْهُ فِي مَضْرُوب فَهُوَ غيرالضرب الَّذِي يقدر فِي مَضْرُوب آخر. وَقَوْلنَا فِي الْأَوْقَات كَقَوْلِهِم فِي المضروبين.
[٣٣٥] فَإِن قيل: فَإِذا ورد الْأَمر مُطلقًا مُجَردا فَلَيْسَ فِي ظَاهره وفحواه التَّخْيِير بَين أَشْيَاء، فَإِذا زعمتهم أَن الْمَأْمُور أحد الْأَفْعَال وَهُوَ مُخَيّر فِيهَا فقد تلقيتم التَّخْيِير من مُطلق الْأَمر. فَيُقَال لَهُم: هَذَا الَّذِي ذكرتموه ينعكس عَلَيْكُم فِي التَّعْيِين وَذَلِكَ أَن الْأَمر الْمُطلق لَيْسَ فِي ظَاهره تعرض لفور فَإِذا حملتموه عَلَيْهِ فقد تعديتم مُوجب اللَّفْظ، ثمَّ نقُول لَهُم: بِمَ تنكرون على من يزْعم أَن الْأَمر يُنبئ عَن التَّخْيِير الَّذِي استبعدتموه وَذَلِكَ أَنه إِذا ثَبت أَن الْأَمر الْمُطلق لَا يتَضَمَّن تَخْصِيص الِامْتِثَال بِوَقْت فَكَانَ تَقْدِيره: امتثلوا الْأَمر فِي أَي وَقت شِئْتُم، ثمَّ لَا يتَحَقَّق ذَلِك إِلَّا فِي أَفعَال مُتَغَايِرَة كَمَا صورتموه فَتبين بذلك إنباء الْأَمر عَمَّا استنكرتموه - فَهَذِهِ عمدهم يتَوَصَّل بهَا إِلَى أغيارها.