[٣٣٦] فَإِن قَالَ قَائِل: إِذا قُلْتُمْ أَن الْأَمر بِالْحَجِّ مثلا على التَّرَاخِي وزعمتم أَن الْأَمر بالكفارات الَّتِي تجب عَن أَسبَاب لَا تعدِي فِيهَا على التَّرَاخِي فَمَا تَفْصِيل مذهبكم فِي تَركهَا المعقب سمة الْعِصْيَان.
قيل لَهُم: هَذِه مسئلة خَاضَ فِيهَا الْفُقَهَاء، وَنحن نومئ إِلَى مذاهبهم ثمَّ نوثر الصَّحِيح مِنْهَا فَمن الْفُقَهَاء من صَار إِلَى أَن من تمكن من الْحَج بُرْهَة من
[ ١ / ٣٤٠ ]
دهره ثمَّ اخترمته الْمنية وَلم يحجّ فَتبين لَهُ أَنه مَاتَ عَاصِيا، وتتسلط الْمعْصِيَة على أول وَقت الْإِمْكَان إِلَى الاخترام، وَمِنْهُم من قَالَ نعصيه ونخصص ذَلِك بآخر سني الْإِمْكَان وَكَذَلِكَ نخصص الْمعْصِيَة فِي الْكَفَّارَات
[ ١ / ٣٤١ ]
بآخر وَقت الْإِمْكَان من ملتزمها. وَصَارَ مُعظم الْفُقَهَاء إِلَى أَن من أخر الصَّلَاة من أول وَقتهَا إِلَى وسط الْوَقْت ثمَّ اخترم فَلَا نعصيه أصلا بِخِلَاف مَا علق وُجُوبه بمدى الْعُمر وَقد صَار بعض من لَا يؤبه لَهُ من المنتمين إِلَى الْفُقَهَاء إِلَى أَنه ينتسب إِلَى الْمعْصِيَة فِي هَذِه المسئلة أَيْضا وَهَذَا بعيد جدا فَإِن من زعم أَن من دخل عَلَيْهِ أول وَقت الصَّلَاة وانقضى عَلَيْهِ مِنْهُ مَا يسع قدر الْفَرْض ثمَّ اخترم فَيَمُوت عَاصِيا فقد اقْترب من خرق الْإِجْمَاع. وَأما الَّذِي يرتضيه
[ ١ / ٣٤٢ ]
الْمُحَقِّقُونَ من الْأُصُولِيِّينَ فَهُوَ أَنا إِذا سوغنا لَهُ التَّأْخِير فِي الْوَاجِبَات الَّتِي قدمناها فأخرها وَهُوَ عازم على الْإِقْدَام عَلَيْهَا فِي مُسْتَقْبل الْأَوْقَات فَلَا نعصيه أصلا، وَالَّذِي يُوضح ذَلِك أَنا إِذا جَوَّزنَا لَهُ التَّأْخِير فَأخر وَترك مَا يسوغ لَهُ تَركه لبدله وَهُوَ الْعَزْم فالمصير إِلَى التعصية بِسَبَب تَأْخِير مجوزا شرعا محَال.
[٣٣٧] فَإِن قَالَ قَائِل: فَبِمَ تنكرون على من يزْعم أَنه إِنَّمَا جوز لَهُ التَّأْخِير بِشَرْط سَلامَة الْعَاقِبَة واستشهدوا على ذَلِك بالتعزير فَإِن الزَّوْج لَهُ أَن يُعَزّر زَوجته / فَلَو أدّى إِلَى تلفهَا تبين لنا وجوب الضَّمَان على الزَّوْج وَإِن [٣٩ / ب] كُنَّا قد جَوَّزنَا لَهُ الْإِقْدَام على التَّعْزِير أَولا.
[ ١ / ٣٤٣ ]
وَاعْلَم أَن هَذَا لَا تَحْقِيق وَرَاءه وَذَلِكَ أَنا نقُول: إِذا زعمتم معاشر الْفُقَهَاء أَن تَأْخِير الْكَفَّارَات سَائِغ فَلَا تخلون أما أَن تزعموا أَن الانتساب إِلَى المعصيبة مُعَلّق على مَا يُحِيط الْمُكَلف بِهِ علما، أَو تزعموا أَنه مُعَلّق على مَا لَا يُحِيط علمه بِهِ، وَلَا يتَوَصَّل إِلَى مَعْرفَته، فَإِن زعمتم أَن الانتساب إِلَى الْمعْصِيَة مُعَلّق على مَا لَا يتَحَقَّق من الْمُكَلف علمه، فَهَذَا محَال، فَإِن من شَرط ثُبُوت قضايا التَّكْلِيف تمكن الْمُكَلف من الْعلم بالمندوبات والواجبات، وَهَذَا بَاطِل أطبق عَلَيْهِ الكافة، وَفِي تَجْوِيز التَّكْلِيف مَعَ اسْتِحَالَة الْوُصُول إِلَى الْعلم بحقيقته مصير إِلَى تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق على مَا قدرناه فِي غير مَوضِع وَإِن زعمتم أَن الْمعْصِيَة تستند إِلَى مَا يُعلمهُ الْمُكَلف فَهَذَا يُنَاقض الأَصْل الَّذِي أسستموه، وَذَلِكَ أَنكُمْ زعمتم أَن مُدَّة الْعُمر وَقت لِلْحَجِّ وَأَدَاء الْكَفَّارَات فَلَو تعذر من ملتزمها الْإِقْدَام عَلَيْهَا على مَوته فَلَا ينْسب إِلَى الْمعْصِيَة. وانقراض الْعُمر وانتهاؤه مِمَّا لَا يسْتَدرك، وَهَذَا وَاضح فِي بطلَان مَا قَالُوهُ، ونستدل على جَمَاهِير الْفُقَهَاء بالاخترام فِي أَوسط وَقت الصَّلَاة [المؤقتة] وَلَا يَسْتَقِيم فِي ذَلِك فصل سديد وَلَا يرتكبه إِلَّا متجاهل.
[٣٣٨] فَإِن قيل: فَمَا الميز بَين النَّوَافِل والواجبات؟، قُلْنَا: قد سبق القَوْل فِيهِ فِي أثْنَاء مسئلة الْفَوْر وسنزيده إيضاحا إِن شَاءَ الله ﷿ فِي بَاب ثُبُوت وَاجِب من جمل لَا بِعَيْنِه.
[٣٣٩] فَإِن قيل: فَهَل للْوَاجِب على التَّرَاخِي وَقت تحكمون فِيهِ بِوُجُوبِهِ تضيقا؟
[ ١ / ٣٤٤ ]
قيل: قد صَار بعض الْعلمَاء إِلَى أَن من ألمت بِهِ الآلام، وحس من نَفسه بِالْمَوْتِ، وَغلب ذَلِك على ظَنّه، فَتعين عَلَيْهِ الابتدار إِلَى الْحَج وَالْكَفَّارَة مَعَ الاقتدار عِنْد الْغَلَبَة على الظَّن خشيَة الْفَوات وَهَذَا لَو صَار إِلَيْهِ صائر لم يبعد، وَهَذَا كَمَا أَنا نقُول الضَّرْب المبرح الَّذِي يغلب على الْقلب إفضاؤه إِلَى مَا يُجَاوز حد التَّأْدِيب محرم على الزَّوْج عِنْد حُصُول غَلَبَة الظَّن، ومعظم الْأَحْكَام فِي المجتهدات منوطة بغلبات الظنون.
[٣٤٠] فَإِن قيل: فَمَا وَجه انفصالكم عَمَّا ألزمتم فِي التَّعْزِير؟ وَرُبمَا يعتضدون بِمَا يداني ذَلِك وَيَقُولُونَ إِنَّمَا يُبَاح للْمُسلمِ الرَّمْي إِلَى صف الْكَفَرَة فِي المعترك بِشَرْط أَن لَا يُصِيب مُسلما وَإِن كَانَ قد يبدر ذَلِك مِنْهُ.
قُلْنَا: هَذَا زلل عَظِيم مِنْكُم فِي أَحْكَام التَّكْلِيف، فَأَما الَّذِي قدمتموه من قَضِيَّة التَّعْزِير فأعلموا أننا لَا نجوز لَهُ تعزيرا يعري فِي مَعْلُوم الله ﷿ عَن استعقاب تلف، فَإنَّا لَو خصصنا الْجَوَاز بذلك / أفْضى ذَلِك بِنَا إِلَى تَعْلِيق [٤٠ / أ] الْأَحْكَام على مَا لَا يتَعَلَّق الْعلم بِهِ أصلا، وَلَا يتَقَدَّر تمكن الْعلم بِهِ، وَقد أوضحنا مُنَافَاة ذَلِك لقضايا التَّكْلِيف وَكَذَلِكَ يَسْتَحِيل أَن نقُول إِنَّمَا نجوز
[ ١ / ٣٤٥ ]
للْمُسلمِ الرَّمْي إِلَى الْكَفَرَة بِشَرْط أَلا يُصِيب مُسلما فَإِن الْعلم بذلك مِمَّا لَا يدْخل تَحت الْإِمْكَان فِي مجاري الْعَادَات وَلَكِن القَوْل فِي المسئلتين أَنه جوز لَهُ الْإِقْدَام على مَا الْأَغْلَب أَنه لَا يعقب تعزيزه مَا يُؤَدِّي إِلَى تعدِي المجوز وَهَذَا يطرد فِي المسئلتين والمرجع إِلَى أغلب الْعَادَات فيهمَا.
[٣٤١] فَإِن قيل: فَلَو تعقب التَّعْزِير الَّذِي لَا يغلب إفضاء مثله إِلَى التّلف أَو أصَاب السهْم وَاحِدًا من المستأسرين أَلَيْسَ الضَّمَان يتَعَلَّق بِهِ؟
قيل لَهُم: فِي الضَّمَان تَفْصِيل للفقهاء فَإِن قُلْنَا بِهِ فَلَيْسَ فِيهِ مُنَافَاة لما قدمْنَاهُ. وَكم من مُبَاح يتَعَلَّق بِهِ لُزُوم شَيْء، وأمثلة ذَلِك لَا تحصى من موارد الشَّرِيعَة، فَتَأمل ذَلِك.
[ ١ / ٣٤٦ ]