[٣٤٢] إِذا خصصت الْعِبَادَة المفترضة بأوقات فَلَا تَخْلُو إِمَّا أَن تكون مستغرقة لَهَا وَإِمَّا أَن لَا تكون مستغرقة لَهَا، فَإِن كَانَت مستغرقة للأوقات المضروبة فَلَا يتَقَدَّر فِيهَا تصور تراخ وفسحة تَأْخِير، وَذَلِكَ كَالصَّوْمِ علق بِمَا بَين مطلع الْفجْر إِلَى وجوب الشَّمْس. وَإِن كَانَت الْعِبَادَة غير مستغرقة للأوقات المضروبة لَهَا كَالصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَة المؤقتة. فقد اخْتلف الْعلمَاء فِي نعتها بِالْوُجُوب فِي أول الْوَقْت وأوسطه وَآخره.
فَذهب أَبُو حنيفَة ﵀ إِلَى أَن الصَّلَاة إِنَّمَا تجب بآخر الْوَقْت فَإِذا بقى من الْوَقْت الْقدر الَّذِي يسع فعل الصَّلَاة من غير زِيَادَة فَحِينَئِذٍ يتَحَقَّق وجوب الصَّلَاة ثمَّ صَار إِلَى أَن الصَّلَاة لَو أُقِيمَت فِي أول وَقتهَا تأدى الْفَرْض بهَا وَاخْتلفت عِبَارَات أَصْحَابه فَذهب بعض متعسفيهم إِلَى أَن الصَّلَاة المقامة فِي أول الْوَقْت نَافِلَة قَائِمَة مقَام الْفَرْض وَذهب بَعضهم إِلَى أَن
[ ١ / ٣٤٧ ]
الْوُجُوب فِيهَا مرقوب فَإِن انْقَضى الْوَقْت والمكلف مستجمع لشرائط الِالْتِزَام تبين بِالْآخرِ أَن الْمقَام أَولا وَقع فرضا إِسْنَادًا وَذهب بَعضهم إِلَى أَن آخر الْوَقْت إِذا دخل ثَبت آنِفا من غير إِسْنَاد انقلاب تِلْكَ الصَّلَاة فرضا فِي هذيان طَوِيل لَهُم، وَذهب بعض المنتمين إِلَى الْفُقَهَاء إِلَى أَن الصَّلَاة تجب بِأول الْوَقْت فَإِن أخرت كَانَت قَضَاء وَهَذَا الْقَائِل مَعَ مصيره إِلَى ذَلِك
[ ١ / ٣٤٨ ]
يُوَافق الكافة فِي جَوَاز التَّأْخِير.
[٣٤٣] وَقد نقل عَن مَالك ﵁ قريب من ذَلِك فِي الْحَج وَجُمْلَة الْعِبَادَات الْمُتَعَلّقَة بالعمر وَيَأْتِي مثل ذَلِك فِي الصَّلَاة.
[ ١ / ٣٤٩ ]
[٣٤٤] وَالَّذِي صَار إِلَيْهِ مَالك وَالشَّافِعِيّ رحمهمَا الله أَن الصَّلَاة يتَحَقَّق [٤٠ / ب] وُجُوبهَا فِي مفتتح الْوَقْت / وَلَا يتخصص بِالْوَقْتِ الأول بل تتساوى جملَة الْأَوْقَات المصروفة فِي حكم الْوُجُوب كَمَا تتساوى جملَة الْأَوْقَات فِي امْتِثَال الْأَمر الْمُطلق فالأوقات المضروبة للصَّلَاة على التَّعْيِين كأوقات الْإِمْكَان فِي الْعُمر فِيمَا ورد الْأَمر بِهِ مُطلقًا من غير تأقيت بِهِ نَحْو الْحَج وَمثله.
[٣٤٥] ثمَّ اعْلَم أَنا إِذا فسحنا لَهُ فِي تَأْخِير الصَّلَاة من أول وَقتهَا فَلَا يجوز ذَلِك التّرْك إِلَّا لبدل عَنهُ وَهُوَ الْعَزْم على فعله فِي مُسْتَقْبل الْأَوْقَات
[ ١ / ٣٥٠ ]
بِشَرْط بَقَاء الصِّفَات المشترطة فِي التَّكْلِيف على مَا أومأنا إِلَيْهِ فِي أثْنَاء مسئلة الْفَوْر.
[٣٤٦] وَهَا نَحن نبطل مَا حكينا من الْمذَاهب خلاف مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ ﵄ حَتَّى إِذا بطلت تعين مَذْهَبهمَا للصِّحَّة.
فَأَما أَبُو حنيفَة فَيُقَال لَهُ أَلَسْت وافقتنا أَن من أَقَامَ الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا ليتأدى الْفَرْض بذلك فَلَا تَخْلُو بعد تَسْلِيم هَذَا الأَصْل إِمَّا أَن تَقول أَن مَا أَدَّاهَا فِي أول الْوَقْت وَقع نفلا قَائِما مقَام الْفَرْض أَو لَا تَقول ذَلِك فَإِن قُلْتُمْ ذَلِك أدّى ذَلِك إِلَى خرق إِجْمَاع الْأمة، وَذَلِكَ أَن قَائِلا لَو قَالَ لكم إِذا أَقَامَ الْمُكَلف الصَّلَاة فِي أول وَقتهَا فَهَل تحكمون بِوُجُوب الصَّلَاة عَلَيْهِ فِي آخر الْوَقْت، أَو لَا تحكمون بِوُجُوبِهَا أصلا بعد مَا فرطت الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت، فَإِن لم تحكموا بِوُجُوبِهَا فِي آخر الْوَقْت لزمكم أَن تَقولُوا دخل وَقت الظّهْر على مُكَلّف مقتدر على إِقَامَة الصَّلَاة بشرائطها مَعَ الِاخْتِيَار وارتفاع الْأَعْذَار وَلم تجب عَلَيْهِ الظّهْر، وَهَذَا مراغمة مَا عَلَيْهِ الْأمة، وَيلْزم من قوده أَن تَقولُوا: من عمر مائَة أَقَامَ الصَّلَاة فِي جَمِيع عمره فِي أَوَائِل الْأَوْقَات فقد انْقَضى عمره وَمَا أوجب الله عَلَيْهِ صَلَاة، وَهَذَا بَين لَا خَفَاء بِهِ، وَإِن هم قَالُوا: تجب الصَّلَاة فِي آخر الْوَقْت مَعَ جَوَاز تَقْدِيم الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت، فيلزمهم من ذَلِك شَيْئَانِ: أَحدهمَا خرق الْإِجْمَاع، وَالثَّانِي إبِْطَال مَا عَلَيْهِ معولهم فِي المسئلة، فَأَما خرق
[ ١ / ٣٥١ ]
الْإِجْمَاع فَإِنَّمَا يلْزمهُم لِأَن الْأمة مجمعة على أَن من أَقَامَ الظّهْر فِي أول الْوَقْت فَلَا يتَعَلَّق بِهِ إِلْزَام الظّهْر فِي آخر الْوَقْت. وَأما إبطالهم مَا عولوا عَلَيْهِ فَذَلِك أَنهم قَالُوا: حَقِيقَة جَوَاز التَّأْخِير، فَهَذَا لَو قَالُوا: إِن الصَّلَاة المقامة فِي أول الْوَقْت وَقعت نفلا.
[٣٤٧] ثمَّ أعقب الْفُقَهَاء مَا قدمْنَاهُ بشيئين: أَحدهمَا أَنهم قَالُوا لَو كَانَت الصَّلَاة فِي أول الْوَقْت نفلا لجَاز للْمُصَلِّي أَن يَنْوِي النَّفْل وَقد وافقتمونا على أَنه لَو نوى ذَلِك لم يَقع موقع الْفَرْض. وأوضحوا ذَلِك بِأَن [٤١ / أ] قَالُوا التَّنَفُّل قبل / الزَّوَال سَائِغ كَمَا أَنه جَائِز بعده فَلَو كَانَت الصَّلَاة نفلا لما اخْتصّت بِمَا بعد الزَّوَال. وَالَّذِي نرتضيه الِاكْتِفَاء بِمَا قدمْنَاهُ.
[٣٤٨] وَإِن قَالُوا: الصَّلَاة المقامة فِي أول الْوَقْت مَوْقُوفَة فَإِن انْقَضى الْوَقْت والمكلف على شَرَائِط الصِّحَّة والالتزام بَان لنا وُجُوبهَا، وَإِن اخترم قبل آخر الْوَقْت بَان لنا وُقُوعهَا موقع النَّفْل وَهَذَا مَا تميل [إِلَيْهِ] الدهماء من فُقَهَاء أَصْحَاب أبي حنيفَة، ثمَّ تمثلوا فِي ذَلِك بأمثلة فِي الشَّرِيعَة نصير فِيهَا إِلَى الْوَقْف أَولا ثمَّ نسند إِلَيْهَا حكما آخر، فَنَقُول فِي الرَّد على هَؤُلَاءِ: هَذَا الَّذِي ذكرتموه بَاطِل من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنا نقُول: إِذا انْقَضى عَلَيْهِ الْوَقْت ألستم
[ ١ / ٣٥٢ ]
زعمتم أَنه يتَبَيَّن أَن الصَّلَاة المقامة فِي أول الْوَقْت وَقعت فرضا أول مَا وَقعت، فَنَقُول: أَنْتُم فَلَا تخلون إِذا إِمَّا أَن تزعموا أَنه بَان لنا وُجُوبهَا فِي أول الْوَقْت حَتَّى لَو قدر تَأْخِيره عَن أول الْوَقْت نسبناه إِلَى الْعِصْيَان، أَو لَا تَقولُونَ ذَلِك؟ فَإِن قُلْتُمْ تبين لنا أَنه كَانَ لَا يجوز لَهُ التَّأْخِير، فَهَذَا خرق الْإِجْمَاع، وَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى تَقْرِيره لوضوحه وَإِن قُلْتُمْ لم يبن لنا تضيق الْوَقْت، فقد أثبتم وَاجِبا يجوز تَأْخِيره، وَهَذَا أوضح من فلق الصُّبْح.
وَالْوَجْه الثَّانِي: فِي الرَّد عَلَيْهِم أَن نقُول: من أَقَامَ الظّهْر فِي أول وقته ثمَّ اخترم فِي أَوسط الْوَقْت فقد أَجمعت الْأمة على أَنه قد أَقَامَ الظّهْر ثمَّ أَجمعُوا أَن الْمُكَلف مَعَ سَلامَة الْأَحْوَال وارتفاع الْأَعْذَار لَو بدر مِنْهُ مَا يَتَّصِف بِكَوْنِهِ ظهرا أَولا مَعَ الِاقْتِصَار عَلَيْهِ [لَا] يكون نفلا، فَلَا يزالون يتورطون فِيمَا يلْزمهُم خرق الْإِجْمَاع. واجتز بِمَا قدمْنَاهُ قبل ذَلِك.
[٣٤٩] وَإِن قَالُوا: إِن الصَّلَاة المقامة فِي أول وَقتهَا وَقعت نفلا ثمَّ انقلبت فرضا لَا على وَجه التبين والإسناد. فَهَذَا بَاطِل من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن مَا مضى من الْأَفْعَال وانقضى من الْعِبَادَات على كمالها فيستحيل قلب صفتهَا، وَذَلِكَ أَنَّهَا مَضَت وَانْقَضَت منعوتة بالتطوع فَلَو وصفناها ابْتِدَاء بِالْوُجُوب كَانَ محالا، لِأَن الْوَصْف بِالْوُجُوب إِنَّمَا يتَحَقَّق إِمَّا فِي مَوْجُود حَال حُدُوثه، وَإِمَّا فِيمَا سيوجد. فَأَما مَا انْقَضى وجوده على خلاف نعت الْوُجُوب فيستحيل ابْتِدَاء وصف الْوُجُوب لَهُ وَهَذَا كَمَا أَن فعلا لَو وَقع فِي غير موقع
[ ١ / ٣٥٣ ]
الطَّاعَات وانقضى فيستحيل وَصفه بعد انقضائه ابْتِدَاء وإنشاء إِلَّا أَن يتَبَيَّن بِكَوْنِهِ طَاعَة، اللَّهُمَّ وَإِن سبق لنا مُقَارنَة سمة الطَّاعَة لوجودها وَهَذَا بَين لَا ريب فِيهِ.
وَالْوَجْه الآخر للإبطال أَن نقُول: ألستم عولتم فِيمَا إِلَيْهِ ذهبتم على أَن من حكم الْوَاجِب أَن يَعْصِي الْمُكَلف بِتَرْكِهِ، فَنَقُول لكم بِمَا دخل آخر [٤١ / ب] الْوَقْت فقد تحقق مِنْهُ التّرْك / وَلم ينتسب إِلَى الْمعْصِيَة وَالَّذِي بدر مِنْهُ فِي أول الْوَقْت غير مَا يجب عَلَيْهِ فِي آخر الْوَقْت فقد أثبتم وجوبا مَعَ انْتِفَاء الْعِصْيَان عِنْد تَحْقِيق تَركه، فاتضح بطلَان مَا قَالُوهُ من كل الْوُجُوه، وَلم يبْق إِلَّا الْقطع بِأَن الصَّلَاة تجب وَلَا يتخصص وُجُوبهَا بآخر الْوَقْت. فَهَذَا أوجه الرَّد على أَصْحَاب أبي حنيفَة.
[٣٥٠] فَأَما من زعم من أَن الصَّلَاة تجب بِأول الْوَقْت، وَلَو أخرت عَنهُ لكَانَتْ قَضَاء فَهَذَا مَذْهَب لَا طائل وَرَاءه، فَأَنا نقُول: إِذا زعمتم أَن الصَّلَاة تجب بِأول الْوَقْت. فَهَل تَقولُونَ: إِن الْمُكَلف يَعْصِي بتأخيرها؟ فَإِن قُلْتُمْ ذَلِك، خرقتم الْإِجْمَاع المنعقد قبل حُدُوث هَذَا الْمَذْهَب، وَقطع الْكَلَام عَنْكُم، وَإِن قُلْتُمْ: إِنَّه لَا يَعْصِي بِالتَّأْخِيرِ، فَنَقُول لكم: فَلَو أَقَامَهَا فِي الْوَقْت الثَّانِي هَل تَبرأ ذمَّته؟ فَإِن قَالُوا: تَبرأ ذمَّته، قيل لَهُم: فَلَا خلاف بَيْننَا فِي الْمَعْنى، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي تَسْمِيَة الصَّلَاة أَدَاء أَو قَضَاء، فَمن أَيْن عَرَفْتُمْ الْفَصْل بَين الْوَقْتَيْنِ؟ وَإِضَافَة الصَّلَاة إِلَى الْوَقْت الأول كإضافتها إِلَى الْوَقْت الثَّانِي، فاضمحل هَذَا الْمَذْهَب وَرجع محصوله إِلَى التسميات، وَذَلِكَ أَنا نقُول: إِنَّمَا يُطلق الْقَضَاء على مَا يسْتَدرك وُجُوبه بِالْأَمر بِالْأَدَاءِ كَمَا
[ ١ / ٣٥٤ ]
سنقرره إِن شَاءَ الله ﷿ وَهَؤُلَاء وافقونا أَن إِقَامَة الصَّلَاة فِي آخر الْوَقْت يدْرك وُجُوبهَا بِالْأَمر الْمُطلق فِي الصَّلَاة المؤقتة بجملة الْأَوْقَات.
[٣٥١] فَإِذا بطلت هَذِه الْمذَاهب تعين مَا ارْتَضَاهُ مَالك وَالشَّافِعِيّ ﵄.
[٣٥٢] فَإِن قَالُوا: لَيْسَ من وصف الْوَاجِب أَن يَعْصِي الْمُكَلف بِتَرْكِهِ ويتحقق التّرْك فِي أول الْوَقْت من غير انتساب إِلَى الْمعْصِيَة فَلَو جَازَ إِثْبَات وصف الْوُجُوب على هَذَا الْوَجْه جَازَ وصف النَّوَافِل بِالْوُجُوب. وَبِمَا قدمْنَاهُ من الْأَدِلَّة ننفصل عَن ذَلِك، ثمَّ نقُول اعلموا أَن الْوَاجِب عندنَا فِي أول الْوَقْت أحد شَيْئَيْنِ: إِمَّا فعل الصَّلَاة أَو الْعَزْم على إِقَامَتهَا فِي مُسْتَقْبل الْأَوْقَات فَأَيّهمَا فعل فقد أدّى مَا كلف فَإِن تَركهمَا عصى، ويتنزل الْمُكَلف فِي أول الْوَقْت منزلَة من تلْزمهُ كَفَّارَة الْيَمين وتخيره بَين ثلث خلال وَقد يضيق عَلَيْهِ وَقت التَّكْفِير. وَقد يتضيق فِي بعض الْمَوَاضِع فَلَو قَالَ قَائِل أَن شَيْئا من أَقسَام الْكَفَّارَة لَيْسَ بِوَاجِب لِأَنَّهُ لَو تَركه لم يعْص بِهِ، كَانَ محالا، بل الْوَاجِب أَحدهمَا، على مَا نقرره بعد ذَلِك فِي بَاب مُفْرد إِن شَاءَ الله ﷿، فَلَو ترك كليهمَا عصى حِينَئِذٍ مَعَ ثُبُوت التَّضْيِيق. ثمَّ طرد ذَلِك فِي سَائِر الْأَوْقَات حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى آخر الْوَقْت فَنَقُول: لَا يتَصَوَّر مِنْهُ الْعَزْم على الْأَدَاء فِي الِاسْتِقْبَال، فَتعين فعل الصَّلَاة فَهَذَا وَجه التَّحْقِيق وكشف الغطاء وَمن أحَاط / [٤٢ / أ] علما بِهِ لم يبْق عَلَيْهِ لبس إِن شَاءَ الله ﷿.
[ ١ / ٣٥٥ ]